الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر تسرّع التحول الرقمي لبناء إدارة أكثر كفاءة وشفافية

Author
صبرينة عيلان 28 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تنفيذا للأوامر والتوجيهات الصادرة عن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، والمتعلقة بالدخول الفعلي للبوابة الوطنية للخدمات الرقمية، وكذا إعداد الخارطة الوطنية الاجتماعية قبل الدخول الاجتماعي المقبل، يتأكد التوجه نحو بناء إدارة عمومية حديثة قائمة على الرقمنة والحوكمة الذكية كخيار استراتيجي لإعادة صياغة علاقة الدولة بالمواطن.

ولا يقتصر هذا المسار على تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص الأعباء المالية فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة ضبط آليات الاستفادة من الدعم والخدمات الاجتماعية على أسس أكثر دقة وفعالية، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويرسخ السيادة الرقمية للدولة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى منظومات رقمية قادرة على مواجهة مظاهر الغش والتلاعب وتحسين جودة الخدمة العمومية.

وبحسب التوجهات الرسمية، فإن الهدف من تفعيل البوابة الوطنية للخدمات الرقمية يتمثل في تحسين التسيير العمومي، وتخفيض التكاليف، ورفع فعالية الخدمات المقدمة للمواطن، في حين تعد الخارطة الوطنية الاجتماعية خطوة محورية نحو إعادة ضبط منظومة الدعم الاجتماعي على أسس أكثر دقة ونجاعة، بما يضمن توجيه الموارد إلى مستحقيها الفعليين ضمن إطار رقمي شفاف ومؤمّن.

الجزائر تدخل مرحلة الدولة الرقمية الذكية

يمثل اجتماع مجلس الوزراء الجزائري المنعقد في 21 يونيو 2026، منعطفا في مسار بناء الدولة العصرية القائمة على الرقمنة والحوكمة الذكية، حيث لم تعد القرارات الصادرة مجرد إجراءات تقنية، بل أصبحت، حسب الخبير في الرقمنة وتنظيم نظم الذكاء الاصطناعي، صهيب بولعراق، تعبيرا عن تحوّل عميق في فلسفة إدارة الدولة.

ويؤكد بولعراق، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تفعيل البوابة الوطنية للخدمات الرقمية، إلى جانب تكليف المحافظة السامية للرقمنة بإعداد الخارطة الوطنية الاجتماعية، يعكس رؤية شاملة لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والإدارة على أساس البيانات والفعالية والشفافية، بدل النماذج البيروقراطية التقليدية.

ويضيف أن هذه الرؤية تقوم على ثلاث ركائز مترابطة تتمثل في تحديث الإدارة العمومية، وترشيد النفقات العامة، وتوجيه الدعم الاجتماعي بدقة إلى مستحقيه، مع تعزيز السيادة الرقمية للدولة وتجفيف منابع الفساد المالي والإداري.

ويرى بولعراق أن إنشاء المحافظة السامية للرقمنة، سنة 2025، مثل خطوة مفصلية في بناء منظومة الحوكمة الرقمية، باعتبارها هيئة عليا مرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية، ما يمنحها قدرة تنسيقية غير مسبوقة بين مختلف القطاعات الوزارية.

ويشير إلى أن هذا الإطار المؤسسي يهدف إلى إنهاء حالة الانعزال الرقمي بين الإدارات العمومية، وفرض منطق التكامل بدل التشتت، مع تحديد أهداف واضحة تتمثل في دمج 100 خدمة رقمية مترابطة في 2026، والوصول إلى 300 خدمة في 2027، بما يكرس الانتقال نحو إدارة عمومية موحدة رقمياً، ويؤكد بولعراق أن البوابة الوطنية للخدمات الرقمية تمثل النواة الصلبة لمشروع الدولة الرقمية الجزائرية، باعتبارها منصة مركزية موحدة تجمع مختلف الخدمات الحكومية في فضاء رقمي آمن وفعال، ينهي تدريجياً منطق المعاملات الورقية والتنقل الإداري غير الضروري.

ويضيف أن الطابع اللغوي المتعدد للمنصة، الذي يشمل العربية والفرنسية والإنجليزية وحتى الدارجة الجزائرية، يعكس توجهاً عملياً نحو تقريب الإدارة من المواطن وتبسيط الولوج إلى الخدمات، وقد سجلت التجارب الميدانية للمنصة، حسب الخبير، نسب نجاح مرتفعة بلغت 98 بالمائة في المرحلة الأولى و100 بالمائة في المرحلة الثانية، ما يعكس جاهزية تقنية معتبرة وانتقالا تدريجيا من التجريب إلى التعميم.

وتشمل المنصة ستة محاور كبرى تغطي الحالة المدنية والهوية الرقمية، والمالية والأملاك الوطنية، والتضامن والتشغيل، والتعليم والتكوين، والسكن والعمران، إضافة إلى خدمات المرافق العمومية والدفع الإلكتروني ومكافحة الفساد، ما يجعلها نظاما إداريا متكاملاً وليس مجرد بوابة خدمات.

ويشير بولعراق إلى أن التحوّل الرقمي يحقق أثرا اقتصاديا مباشرا يتمثل في تقليص التكاليف التشغيلية المرتبطة بالورق والأرشفة والنقل الإداري، إلى جانب تخفيف الضغط على الإدارات العمومية وتحسين سرعة معالجة الملفات، كما يبرز دور الهوية الرقمية والدفع الإلكتروني في تسريع عمليات التحصيل المالي للدولة، وتعزيز الشفافية في المعاملات الجبائية، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في نسبة استخدام الخدمات الرقمية من 25,8 بالمئة سنة 2023، إلى 38,1 بالمئة سنة 2024، وهو مؤشر على تغير سلوك المواطنين تدريجيا نحو الخدمات الرقمية.

ويرى الخبير أن الرقمنة الشاملة تؤسس لنمط جديد في العلاقة بين المواطن والإدارة، يقوم على إلغاء الوساطة وتقليص التلامس البشري غير الضروري، بما يحد من ممارسات المحسوبية والبيروقراطية، ويضيف أن هذا التحوّل يقوم على ثلاث آليات أساسية، تتمثل في إلغاء المقابلات المباشرة واعتماد المعالجة الآلية، وتمكين المواطن من تتبع ملفه في الزمن الحقيقي بشفافية كاملة، إضافة إلى التوثيق الرقمي لكل العمليات بما يسمح بالرقابة والمساءلة الدقيقة.

كما أن توفير الخدمات على مدار الساعة يكرس مبدأ الخدمة العمومية المستمرة ويعزز رفاه المواطن، من خلال نظام رقابي يعتمد مؤشرات أداء رقمية، تشمل زمن الاستجابة وجودة الخدمة ومستوى رضا المستخدمين، ويعتبر بولعراق أن مشروع الخارطة الوطنية الاجتماعية يمثل تحولا جذريا في فلسفة الدعم الاجتماعي، حيث تنتقل الدولة من منطق الدعم الشامل غير الموجه إلى منطق الاستهداف الدقيق المبني على البيانات.
ويشير إلى أن الإشكالية الحالية تتمثل في الكلفة المرتفعة للتحويلات الاجتماعية التي تتجاوز 6000 مليار دينار سنوياً، إضافة إلى اختلالات في توزيع الدعم بين الفئات المستحقة وغير المستحقة.

وتقوم الخارطة على دمج قواعد البيانات القطاعية الخاصة بالضمان الاجتماعي، والعقار، والبنوك، والتشغيل، من أجل تحديد دقيق للوضعية الاجتماعية الحقيقية للمواطنين، مع تمكين الانتقال نحو دعم نقدي مباشر للفئات الهشة، ويؤكد أن توفر بنية اتصالية قوية، مع 27 مليون حساب بريدي و15 مليون حساب بنكي، يشكل قاعدة صلبة لنجاح هذا التحوّل نحو التحويلات الاجتماعية الرقمية المباشرة.

وشدد بولعراق على أن نجاح التحوّل الرقمي يرتكز على بنية تحتية سيادية تشمل مراكز بيانات وطنية، وحوسبة سحابية حكومية، وشبكة اتصالات مؤمّنة بين المؤسسات العمومية، إضافة إلى منظومة مصادقة بيومترية وهوية رقمية موحدة.
ويعتبر أن هذه المكونات تمثل أساس السيادة الرقمية للدولة، خاصة في ظل التهديدات السيبرانية المتزايدة التي تستهدف الأنظمة المعلوماتية الحساسة.

الأمن السيبراني كخط دفاع استراتيجي
يرى الخبير أن مواجهة أكثر من 70 مليون محاولة هجوم سيبراني سنويا تستدعي استراتيجية أمنية متقدمة، تقوم على حماية البنى الحيوية للدولة وتأمين البيانات الحساسة، وضمان استمرارية الخدمات العمومية.

ويضيف أن نجاح الرقمنة لا يرتبط فقط بالتقنيات، بل أيضا بمدى نضج المنظومة القانونية والتنظيمية، خاصة ما يتعلق بحماية المعطيات الشخصية والأمن المعلوماتي.
ويحذر بولعراق من عدة تحديات أساسية، أبرزها مقاومة التغيير داخل الإدارة العمومية، وضعف جودة البيانات، والفجوة الرقمية بين المناطق والفئات الاجتماعية، إضافة إلى المخاطر السيبرانية المرتبطة بتركيز البيانات في منصات مركزية.

ويؤكد أن تجاوز هذه التحديات يتطلب إصلاحا ثقافيا ومؤسساتيا عميقا، إلى جانب استثمارات مستمرة في التكوين والبنية التحتية الرقمية.

ويؤكد أن الرهان الحقيقي ليس تقنيا فقط، بل مؤسساتي وثقافي بالدرجة الأولى، لأن نجاح هذا التحوّل يتوقف على قدرة الإدارة على الانتقال من منطق التحكم البيروقراطي إلى منطق الخدمة الذكية، مشيرا إلى أن الدولة التي تمتلك المعلومة الدقيقة قادرة على تقليل الهدر وتحقيق العدالة وتعزيز الفعالية، ومضيفاً أن الجزائر اليوم تمتلك الشروط الأساسية للانتقال نحو نموذج الدولة الرقمية الذكية، ويبقى التحدي في التنفيذ الميداني والالتزام المؤسسي المستمر.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية