الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

الجزائر تفهرس 6 أصناف جديدة من الحبوب.. السيادة تبدأ من البذرة

Author
ربيعة خطاب 23 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

أعلنت الجزائر عن تسجيل 6 أصناف جديدة من القمح الصلب والشعير في الفهرس الرسمي للأصناف، في خطوة تحمل بعدا علميا واقتصاديا يتجاوز الإجراء الإداري التقليدي. وكشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري أن هذه الأصناف توزعت بين القمح الصلب: “غورايا، إيثري، إيتيج”، وبين الشعير: “ثيزيري، حبيبة، ثافاث”، معتبرا أن هذا الإنجاز يعكس قدرة البحث العلمي الوطني على إنتاج حلول زراعية تستجيب لحاجات البلاد.

وأوضح الوزير أن هذا التطور يعزز مسار السيادة الغذائية ويمنح الفلاح الجزائري أدوات إنتاج أكثر ملاءمة للواقع المناخي. وربط هذا التقدم بدور الجامعة في قيادة مشاريع بحثية ذات أثر مباشر على الاقتصاد الوطني، مع إبراز مساهمة فرق علمية متخصصة داخل المؤسسات الجامعية. كما أشار إلى الدور المحوري الذي أدته الباحثة ليلى مكليش من داخل المدرسة الوطنية العليا الزراعية، حيث قادت مسار تطوير علمي طويل انتهى إلى إخراج هذه الأصناف إلى مرحلة الاعتماد الرسمي.

يمثل هذا الإعلان ثمرة مسار علمي دقيق اعتمد على تربية النبات وفق منهجية تراكمية تبدأ بالتهجين الموجّه وتنتهي بالتجارب متعددة المواقع. اشتغل الباحثون على اختيار سلالات وراثية تمتلك خصائص متكاملة، ثم قاموا بعمليات تهجين تستهدف الجمع بين الإنتاجية العالية والقدرة على التكيف مع الظروف البيئية القاسية التي تميز الزراعة في الجزائر، خصوصا تذبذب التساقطات وارتفاع درجات الحرارة في فترات حرجة من نمو القمح والشعير.

نحو تقليص التبعية عبر تحسين الإنتاج المحلي للحبوب

بعد مرحلة التهجين، انتقلت الفرق البحثية إلى مرحلة الانتقاء داخل الحقول التجريبية، حيث ركزت على اختيار النباتات التي أظهرت استجابة قوية على مستوى النمو، وقدرة واضحة على مقاومة الأمراض الفطرية، فضلا عن تحمل متفاوت للإجهاد المائي. ويؤكد الباحثون أن هذه المرحلة لم تعتمد على الملاحظة الحقلية فقط، بل تم إدراج معايير قياس دقيقة تشمل تطور النبات ومعدل الإنتاج وجودة الحبوب.

وفي مرحلة لاحقة، توسعت التجارب نحو التقييم متعدد المواقع، حيث خضعت السلالات نفسها للاختبار في بيئات زراعية مختلفة عبر عدة مناطق. وقد سمح هذا التوسيع بتقييم الاستقرار الإنتاجي للأصناف الجديدة، ورصد مدى قدرتها على الحفاظ على مردودية متقاربة رغم اختلاف التربة وتباين الظروف المناخية. كما ركزت الفرق العلمية في هذه المرحلة على تحليل جودة الحبوب بصورة دقيقة، خاصة في القمح الصلب من خلال نسبة البروتين وصلابة الحبوب وجودة السميد، وفي الشعير من خلال القيمة العلفية وكثافة الإنتاج الحبيبي، بما يضمن مطابقة النتائج للمعايير الزراعية والاقتصادية المطلوبة.

الدكتور خثير شين، خبير اقتصادي

يرى الخبير الاقتصادي خثير شين – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن تسجيل هذه الأصناف يعكس مسارا علميا طويل الأمد يشتغل داخل منظومة البحث الزراعي التطبيقي، مؤكدا أن العمل البحثي اعتمد هندسة علمية دقيقة تبدأ بالتهجين الموجّه وتنتهي بالتقييم الميداني متعدد المستويات، وهو ما يفسر النتائج المتقدمة التي حققتها هذه الأصناف. ويشير إلى أن القيمة الأساسية لهذا التطور لا تقتصر على رفع المردودية فقط، بل تمتد إلى بناء أصناف قادرة على تحمل الضغط المناخي وتقليص خسائر الإنتاج.

ويضيف الخبير أن هذا المسار يعكس انتقال البحث الزراعي في الجزائر من مرحلة تجريب محدودة إلى مرحلة إنتاج حلول قابلة للتطبيق الواسع، مبرزا أن تطوير هذه الأصناف تم داخل البيئة الجزائرية نفسها، وهو ما منحها أفضلية مقارنة بالأصناف المستوردة المطوّرة في بيئات مناخية مختلفة. ويؤكد أن هذا العامل يفسر قدرتها على التكيف مع التربة المحلية وتقلبات الطقس، خاصة في الزراعة المطرية التي تشكل جزءا مهما من الإنتاج الوطني للحبوب، بما يعزز فرص نجاحها ميدانيا.

ومن الزاوية الاقتصادية، يوضح خثير شين أن هذا التطور يفتح آفاقا مباشرة لتحسين مردودية الهكتار وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، بالنظر إلى اعتماد الجزائر الواسع على استيراد القمح. ويرى أن أي تحسن في الإنتاج المحلي ينعكس على تقليص الضغط على احتياطي العملة الصعبة، إلى جانب تعزيز استقرار سوق الحبوب الوطنية وتحسين انتظام تلبية الطلب الداخلي، بما يخفف من هشاشة التوازنات المرتبطة بالواردات الغذائية.

وفي سياق أشمل، يؤكد الخبير أن أهمية هذه الأصناف تتجاوز البعد الإنتاجي إلى ما يُعرف بالسيادة الجينية الزراعية، إذ تمتلك الدول المتقدمة اليوم أدواتها الأساسية في مجالات البذور والتقنيات الوراثية وتتحكم من خلالها في سلاسل الإنتاج الغذائي العالمية. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن تطوير أصناف محلية يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز قدرة الجزائر على التحكم في خياراتها الزراعية وتقليص تبعيتها للخارج في قطاع يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية، بما يجعل المسألة ذات بعد سيادي وليس تقنيا فقط.

الابتكار الزراعي يعزز موقع البحث العلمي في الاقتصاد

على المستوى العلمي، يعكس هذا الإنجاز – بحسب المتحدث – انتقال الجامعة الجزائرية نحو دور إنتاجي مباشر، حيث تشتغل المدرسة الوطنية العليا الزراعية كمركز بحثي يدمج بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق الميداني، مع الإشارة إلى مساهمة الباحثة ليلى مكليش في تطوير سلالات ذات قيمة اقتصادية واضحة، وهو ما يعكس تراكما في الخبرة البحثية المحلية.

ويطرح هذا التحول – وفق الخبير الاقتصادي – سؤالا حول موقع الجامعة داخل المنظومة الاقتصادية، في ظل بروز أنموذج جامعي ينتج حلولا عملية قابلة للتطبيق بدل الاكتفاء بإنتاج المعرفة النظرية، بما يجعل البحث العلمي جزءا من عملية خلق الثروة، خاصة في قطاعات استراتيجية مثل الزراعة، ويؤشر على إعادة تموضع للجامعة داخل الدورة الاقتصادية.

ويضيف أن هذا التطور يعكس أيضا قدرة البحث العلمي على إحداث أثر طويل المدى في الاقتصاد الوطني، حيث يؤدي تطوير أصناف أكثر مقاومة وأعلى إنتاجية إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد، ويعزز التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة بدل اقتصاد الاستيراد، بما يرفع من وزن البحث الزراعي داخل السياسات التنموية.

كما يبرز هذا المسار تحولا في العلاقة بين الجامعة والمحيط الاقتصادي، إذ لا يقتصر العمل البحثي على النتائج المخبرية، بل يمتد إلى الحقول التجريبية ثم إلى الإنتاج الفعلي، في سلسلة تضمن ربط المعرفة بالممارسة، وتسمح بقياس الأثر مباشرة على مستوى الإنتاج الزراعي، وهو ما يمنح البحث العلمي وظيفة تطبيقية أكثر وضوحا.

وتشير هذه الديناميكية، بحسب تصريحاته، إلى أن الجزائر تتحرك تدريجيا نحو نموذج إنتاج علمي يربط بين الابتكار والتطبيق، في سياق يتسم بتقلبات مناخية وضغوط في الأسواق العالمية للحبوب، ما يفرض تعزيز الاعتماد على الحلول المحلية بدل الاستيراد.

ويخلص خثير شين إلى أن تسجيل أصناف “غورايا، إيثري، إيتيج” من القمح الصلب و”ثيزيري، حبيبة، ثافاث” من الشعير يجسد تقاطعا بين التطوير الوراثي وتحسين الأداء الزراعي وتعزيز القدرة الوطنية على إنتاج الغذاء، بما يعزز موقع البحث العلمي كفاعل اقتصادي داخل المنظومة الوطنية، ويكرّس انتقاله من فضاء أكاديمي صرف إلى رافعة إنتاجية ذات أثر مباشر على الأمن الغذائي.

↑