الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر تقلّص واردات القمح وتراهن على الإنتاج المحلي لتعزيز الأمن الغذائي

Author
ربيعة خطاب 02 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تكشف أحدث معطيات وزارة الزراعة الأمريكية، بشأن سوق الحبوب العالمية، عن تحولات لافتة في الخريطة الغذائية الإفريقية، في وقت تزداد فيه أهمية القمح باعتباره سلعة استراتيجية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للدول. وبينما تشير التوقعات إلى تحسّن إنتاج الحبوب في شمال إفريقيا وتراجع نسبي في اعتماد المنطقة على الواردات، لا تزال دول عديدة في إفريقيا جنوب الصحراء تواجه اعتماداً هيكلياً على الأسواق الخارجية، ما يجعلها أكثر حساسية لتقلبات الأسعار واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في حالة الجزائر، التي تعد من أكبر مستوردي القمح في القارة الإفريقية، لكنها تعمل في الوقت نفسه على رفع إنتاجها المحلي من الحبوب وتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، يُتوقع أن تبلغ واردات الجزائر من القمح نحو 8.5 ملايين طن خلال موسم 2026/2027، مقابل 9 ملايين طن في الموسم السابق، في حين يواصل استهلاك القمح ارتفاعه ليصل إلى نحو 12.575 مليون طن. ورغم استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، فإن الاتجاه نحو خفض الواردات يعكس أهمية تطوير الإنتاج المحلي وتحسين المردودية الزراعية.

ويأتي ذلك في سياق إفريقي ودولي بالغ الحساسية، تتداخل فيه العوامل المناخية مع التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة الدولية. فقد أثرت الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات المرتبطة بممرات تصدير الحبوب في البحر الأسود على توقعات الإمدادات العالمية، في وقت تشهد فيه الأسواق تقلبات في الأسعار وتنافساً متزايداً على مصادر الغذاء. وفي هذا السياق، يصبح تعزيز الإنتاج المحلي ليس مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمن الغذائي وتقليص التعرض للصدمات الخارجية.

وبالنسبة إلى الجزائر، فإن تحسين إنتاج الحبوب يندرج ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز السيادة الغذائية وتنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على الواردات، خصوصاً في ظل ارتفاع الاستهلاك الداخلي للقمح. كما أن موقع الجزائر الجغرافي ودورها في محيطها الإفريقي يفتحان نقاشاً أوسع حول إمكانية الانتقال مستقبلاً من معالجة احتياجات السوق الوطنية فقط إلى بناء منظومة تعاون زراعي وغذائي مع الدول الإفريقية، تقوم على تبادل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير الإنتاج وتحسين سلاسل التخزين والتحويل والتوزيع.

ومن هنا تبرز أهمية قراءة الأرقام الجديدة ليس فقط من زاوية حجم الواردات والإنتاج، وإنما باعتبارها مؤشراً على التحولات التي يشهدها الأمن الغذائي في إفريقيا. فهل تستطيع الجزائر مواصلة تقليص فجوة القمح بين الإنتاج والاستهلاك؟ وهل يمكن للسياسات الزراعية والاستثمارات في الري والبذور والمكننة أن تجعلها أقل تعرضاً لتقلبات السوق العالمية؟ ثم إلى أي مدى يمكن أن تتحول التجربة الجزائرية في تطوير إنتاج الحبوب إلى عنصر من عناصر التعاون الزراعي والأمن الغذائي داخل القارة الإفريقية؟

في هذا السياق، يصرح الخبير الاقتصادي، خثير شين ، لـ”الأيام نيوز”، بأن المعطيات الجديدة المتعلقة بسوق الحبوب العالمية تعكس تحولات مهمة في موازين الأمن الغذائي، وتبرز في الوقت نفسه التطور الذي تشهده الجزائر في مجال الإنتاج الفلاحي، خاصة مع الاتجاه المسجل نحو تقليص الاعتماد على الواردات. ويرى كواشي مراد أن تراجع واردات الجزائر المتوقعة من القمح من نحو 9 ملايين طن إلى 8.5 ملايين طن خلال موسم 2026/2027 يمثل مؤشراً إيجابياً يعكس الجهود المبذولة لرفع الإنتاج الوطني وتعزيز القدرة على تلبية الطلب الداخلي.

ويؤكد خثير شين أن استمرار الجزائر في تسجيل مستويات مرتفعة من استهلاك القمح، الذي تقدر حاجتها منه بنحو 12.575 مليون طن خلال موسم 2026/2027، لا يقلل من أهمية التطور المسجل في الإنتاج، بل يبرز حجم التحدي والفرصة في الوقت نفسه. ويوضح كواشي مراد أن كل زيادة في الإنتاج المحلي وكل طن يتم توفيره من السوق الوطنية بدل استيراده يمثل خطوة إضافية في مسار تعزيز الأمن الغذائي وتقليص فاتورة الاستيراد، خاصة في ظل توجه الجزائر نحو تطوير قطاع فلاحي أكثر إنتاجية وقدرة على مواجهة التقلبات المناخية والأسواق الدولية.

ويشدد خثير شين على أن الجزائر تمتلك اليوم مقومات مهمة تسمح لها بتعزيز هذا المسار، من خلال توفر مساحات زراعية واسعة، وتوسع المشاريع الفلاحية الكبرى، وتطوير الزراعة في الجنوب والهضاب العليا، إلى جانب الاستثمارات المتزايدة في المكننة والري وتوفير المدخلات الزراعية. ويرى كواش مراد أن التحدي المقبل يتمثل في تحويل هذه الإمكانات إلى مردودية أعلى للهكتار، بما يسمح برفع الإنتاج تدريجياً وتحقيق نتائج أكثر استدامة في السنوات المقبلة.

ويشير المتحدث إلى أن ملف القمح أصبح جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للدول، خصوصاً في ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد. ويعتبر خثير شين أن الجزائر، بفضل موقعها الجغرافي وإمكاناتها الزراعية وتنوع أقاليمها المناخية، تتوفر على قدرة مهمة لتقوية أمنها الغذائي وتقليل تأثرها بالصدمات الخارجية، وهو ما يجعل الاستثمار في الإنتاج الوطني خياراً استراتيجياً يحمل أبعاداً اقتصادية وتنموية طويلة المدى.

وفيما يتعلق بالسياسات الزراعية، يوضح خثير شين أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد انتقالاً أكبر من منطق توسيع المساحات إلى التركيز على رفع إنتاجية الهكتار، وهو ما من شأنه أن يعطي دفعة قوية لإنتاج الحبوب في الجزائر. ويؤكد خثير شين أن تحسين نوعية البذور، وتطوير الأصناف الملائمة للظروف المناخية المحلية، وتوسيع المكننة، واعتماد التقنيات الزراعية الحديثة، إلى جانب دعم البحث العلمي، كلها عوامل قادرة على رفع مردودية القطاع وتحويل الإمكانات الزراعية المتوفرة إلى إنتاج أكبر وقيمة اقتصادية أعلى.

ويبرز كذلك أهمية المياه في دعم الاستقرار الإنتاجي، مشيراً إلى أن الجزائر قطعت خطوات مهمة في مجال تنويع مصادر المياه وتطوير تقنيات الري، وهو ما يمكن أن يدعم استقرار إنتاج الحبوب ويحد من تأثير التذبذبات المناخية. ويرى خثير شين أن توسيع الري التكميلي واعتماد تقنيات أكثر كفاءة في استخدام المياه سيمنح الفلاحين قدرة أكبر على التحكم في الإنتاج، خصوصاً في المناطق التي تتأثر بتراجع التساقطات، مع ضرورة الحفاظ في الوقت نفسه على الاستدامة المائية.

وفي السياق ذاته، يؤكد خثير شين أن تطور الإنتاج الفلاحي في الجزائر يحتاج إلى منظومة مرافقة تشمل التخزين والنقل والتحويل والتسويق، وهي مجالات تمثل بدورها فرصاً واسعة للاستثمار وخلق القيمة المضافة. ويشير خثير شين إلى أن تعزيز قدرات التخزين وتحسين شبكات النقل وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالحبوب سيتيح للجزائر الاستفادة بشكل أكبر من إنتاجها الوطني، ويقلل من الخسائر، ويدعم استقرار السوق الداخلية، بما يجعل القطاع الفلاحي أحد المحركات المهمة للتنويع الاقتصادي.

أما الزراعة الصحراوية، فيرى خثير شين مراد أنها تمثل إحدى أبرز نقاط القوة في الاستراتيجية الزراعية الجزائرية، بالنظر إلى المساحات الواسعة التي تزخر بها مناطق الجنوب والإمكانات الكبيرة التي توفرها للاستثمار الفلاحي. ويؤكد خثير شين أن تطوير المشاريع الزراعية الكبرى في الجنوب يمكن أن يساهم بشكل ملموس في رفع إنتاج الحبوب وتعزيز التكامل بين مختلف مناطق الإنتاج، شرط مواصلة اعتماد تقنيات حديثة تضمن الاستخدام العقلاني للمياه وتحقيق مردودية اقتصادية مستقرة. ويعتبر خثير شين أن التكامل بين الشمال والهضاب العليا والجنوب يمنح الجزائر نموذجاً زراعياً متنوعاً وقادراً على دعم الأمن الغذائي الوطني.

وعلى المستوى الإفريقي، يرى الخبير أن تعزيز الإنتاج الزراعي الجزائري يفتح أمام البلاد آفاقاً واسعة لتوسيع حضورها الاقتصادي في القارة، خاصة أن العديد من الدول الإفريقية تبحث عن شركاء يمتلكون خبرة في الزراعة بالمناطق الجافة وشبه الجافة. ويؤكد خثير شين أن الجزائر تستطيع مستقبلاً توظيف تجربتها في الري والزراعة الصحراوية والمكننة والتكوين ونقل التقنيات الزراعية في بناء شراكات مع دول إفريقية، بما يعزز التعاون جنوب-جنوب ويفتح فرصاً جديدة أمام المؤسسات الجزائرية.

ويضيف خثير شين أن التعاون الزراعي الجزائري الإفريقي يمكن أن يتحوّل إلى شراكات إنتاجية واستثمارية متكاملة، تشمل استصلاح الأراضي، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وإنشاء وحدات التخزين والتحويل، وتطوير سلاسل القيمة الزراعية. ويرى خثير شين أن هذا التوجه لا يخدم فقط الأمن الغذائي للدول الشريكة، وإنما يمنح الجزائر أيضاً فرصة لتوسيع أسواق مؤسساتها وتعزيز حضورها الاقتصادي في إفريقيا، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي كبوابة بين المتوسط والقارة الإفريقية.

ويلفت خثير شين إلى أن المؤشرات المسجلة في مجال القمح تعكس وجود مسار إيجابي يمكن البناء عليه، خصوصاً مع تراجع الواردات بالتوازي مع الجهود الرامية إلى رفع الإنتاج الوطني. ويشدد خثير شين على أن الجزائر تمتلك من الإمكانات الطبيعية والبشرية والاستثمارية ما يؤهلها لتحقيق تقدم أكبر في مجال الأمن الغذائي، وأن مواصلة الاستثمار في الإنتاجية والري والبذور والمكننة والتخزين والتحويل ستسمح بتحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة. ويخلص كواش مراد إلى أن الجزائر لا تعمل فقط على تقليص فاتورة استيراد القمح، بل تضع تدريجياً أسس منظومة فلاحية أكثر قوة، قادرة على دعم السيادة الغذائية وتعزيز التنويع الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للشراكة الجزائرية الإفريقية.