الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الجزائر تنتخب اليوم برلمانها الجديد.. صوت اليوم يصوغ “تمثيل” الغد

Author
الأيام نيوز 02 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشرع الجزائريون، اليوم الخميس، في رسم ملامح مرحلة سياسية جديدة عبر صناديق الاقتراع، في استحقاق اعتبره خبراء في تصريحات لـ”الأيام نيوز” أنه يتجاوز حدود التنافس على المقاعد البرلمانية وقياس الوزن الانتخابي للأحزاب والقوائم المشاركة، ليطرح أسئلة أوسع بشأن قدرة هذا الموعد الانتخابي على تجديد التمثيل السياسي وإفراز نخبة أكثر ارتباطا بالتحولات التي تشهدها البلاد.

يتوجه أكثر من 24 مليون جزائري، اليوم، إلى انتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني لعهدة برلمانية جديدة، في موعد سياسي يجري تحت شعار “كن شريكا فاعلا في صناعة القرار.. صوت وشارك”، ضمن مسار إصلاحي يستهدف ترسيخ الممارسة الديمقراطية وتطوير آليات التمثيل الشعبي.

وتجري هذه التشريعيات في ظل تعديلات قانونية وتنظيمية أعادت ترتيب جزء من قواعد المنافسة السياسية، عبر توسيع حضور الشباب والنساء والكفاءات والقوائم الحرة داخل المشهد الانتخابي. وتضع هذه المعطيات الانتخابات أمام اختبار يتعلق بقدرتها على إحداث حركية سياسية جديدة وإعادة تشكيل صورة التمثيل داخل المؤسسات المنتخبة.

وتبرز الأرقام المسجلة في هذا الاستحقاق حجم التحدي المرتبط بتجديد النخب السياسية. ويتنافس على المقاعد الـ407 بالمجلس الشعبي الوطني 793 قائمة انتخابية تضم 9854 مترشحا عبر مختلف الدوائر الانتخابية داخل الوطن، من بينها 613 قائمة ترعاها 32 تشكيلة سياسية، إلى جانب قائمة واحدة في إطار تحالف حزبي و125 قائمة حرة. وتشهد الدائرة الانتخابية الخاصة بالجالية الوطنية المقيمة بالخارج تنافس 54 قائمة تضم 432 مترشحا، منها 47 قائمة تحت رعاية 16 حزبا سياسيا وقائمة واحدة في إطار تحالف حزبي، إضافة إلى ست قوائم حرة.

وتعكس تركيبة القوائم الانتخابية حضورا لافتا لفئتي الشباب والنساء، إذ بلغ عدد النساء المترشحات 2032 مترشحة بنسبة تقارب 21 بالمائة من إجمالي عدد المترشحين، في حين بلغ عدد المترشحين الذين تقل أعمارهم عن أربعين سنة 5304 مترشحين، أي ما يمثل 54 بالمائة من العدد الإجمالي، إلى جانب 4673 مترشحا من ذوي المستوى الجامعي.

غير أن أهمية هذا الاستحقاق لا ترتبط بظهور أسماء جديدة في القوائم أو بانخفاض معدل أعمار المترشحين، بل بمدى قدرة هذه التحولات على كسر منطق إعادة إنتاج الوجوه نفسها والانتقال نحو بناء نخبة سياسية أكثر ارتباطا بالواقع الاجتماعي والاقتصادي وأكثر استعدادا لمواكبة التحولات التي تعرفها البلاد.

وتشرف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات على مختلف مراحل هذا الموعد السياسي من خلال خطة عمل ركزت على توسيع استخدام الرقمنة وعصرنة التسيير الانتخابي. وأطلقت السلطة عددا من المنصات الرقمية لتنظيم العملية الانتخابية ومراقبتها وتبسيط الإجراءات أمام المواطنين، في توجه يستهدف تعزيز الشفافية ورفع مستويات الثقة في المسار الانتخابي.

ولا تقف التعديلات القانونية والتنظيمية التي رافقت هذه الانتخابات عند توسيع قاعدة المشاركة أو فتح المجال أمام مترشحين جدد، بل تتصل بمدى قدرة الإصلاحات على إحداث تحول فعلي في بنية النخب السياسية وآليات إنتاجها، ونقل الحياة السياسية من مرحلة إعادة تدوير الأسماء ذاتها إلى مرحلة إفراز كفاءات وقيادات جديدة قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية وصياغة أنماط جديدة من التمثيل السياسي داخل المؤسسات المنتخبة.

ويرى المحلل السياسي فاروق طيفور، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن البيئة القانونية الحالية تبدو أكثر تشجيعا مقارنة بالاستحقاقات السابقة من حيث فرص بروز وجوه سياسية شابة جديدة. ويشير إلى أن قانون الانتخابات تضمن إجراءات تمنح فئات عانت محدودية الحضور داخل المؤسسات المنتخبة فرصا أوسع، وفي مقدمتها فئة الشباب، من خلال فرض نسب تمثيل معتبرة داخل القوائم الانتخابية بلغت في بعض الحالات حدود المناصفة، إلى جانب اعتماد نظام القائمة المفتوحة الذي منح الناخبين مساحة أكبر في اختيار الفائزين.

ويعتبر طيفور أن هذا التحول يعكس تغيرا في فلسفة العملية الانتخابية، لأن المنافسة لم تعد ترتبط بترتيب الأسماء داخل القوائم على غرار ما كان سائدا في السابق، وإنما أصبحت ترتبط بقدرة المترشح على إقناع الناخبين واستقطاب أصواتهم. غير أنه يلفت إلى أن البيئة القانونية المحفزة لا تقود تلقائيا إلى إنتاج نخبة سياسية جديدة، لأن النصوص القانونية، رغم أهميتها، تهيئ شروط التغيير وتفتح إمكاناته، لكنها لا تنجزه بمفردها. ويشير إلى أن دراسة ملفات الترشح كشفت، في بعض الحالات، عن صعوبات أثرت في حجم المشاركة الشبابية، سواء بسبب استبعاد بعض الملفات أو تعويض بعض الأسماء بمترشحين أقل حضورا وتأثيرا.

ويرى أيضا أن القضية لا ترتبط بالتمثيل العددي للشباب وحده، بل تشمل مستوى الكفاءة والقدرة على التواصل السياسي وصياغة خطاب قادر على استقطاب الناخبين. ويضع طيفور استمرار العزوف السياسي لدى شريحة معتبرة من الشباب ضمن أبرز الإشكاليات، باعتبار أن هذه الظاهرة تعكس تراكمات ارتبطت بطبيعة العلاقة بين الشباب والعمل السياسي خلال السنوات الماضية. ويربط نجاح أي مسعى لتجديد النخب بقدرة الشباب على الانتقال من موقع المتابع أو الناقد إلى موقع الفاعل السياسي المباشر.

من يمتلك أدوات التنظيم يقترب أكثر من الناخب

وفي ما يتعلق بالقوائم الحرة، يرى طيفور أن التجربة الحالية تكشف فجوة بين الأهداف التي راهنت عليها الإصلاحات القانونية والنتائج التي أفرزها المشهد الانتخابي. فقد استهدفت التعديلات القانونية تخفيف شروط الترشح، خاصة من خلال تقليص عدد التوقيعات المطلوبة، بهدف توسيع قاعدة المشاركة وفتح المجال أمام المبادرات المستقلة، غير أن المعطيات المسجلة أظهرت تراجعا ملحوظا في عدد القوائم الحرة مقارنة بالاستحقاقات السابقة.

ويعتبر أن هذا المعطى يبرز أن العقبات لم تعد تقتصر على الجانب القانوني، بل ارتبطت بقدرات التنظيم والتأطير وإدارة الحملات الانتخابية. ويضيف أن العمل السياسي لم يعد يقوم على الرغبة في الترشح وحدها، وإنما يحتاج إلى إمكانات بشرية وتنظيمية وإعلامية ومادية تسمح للمترشح أو القائمة ببناء حضور فعلي داخل الساحة الانتخابية.

وعن التراجع النسبي للقوائم الحرة، يرى طيفور أن الأحزاب السياسية التقليدية ما تزال تحتفظ بعناصر قوة تضعها في موقع أفضل مقارنة بمنافسيها. ويشير إلى أن الخبرة التنظيمية وشبكات التأطير المحلية والتجربة المتراكمة في إدارة الحملات الانتخابية تمنح الأحزاب قدرة أكبر على الوصول إلى الناخبين وتعبئتهم، إلى جانب أن انتشارها عبر البلديات والولايات يشكل رصيدا تنظيميا يساعدها على الحفاظ على حضورها داخل المشهد السياسي. ويرى أن استحقاق اليوم يضع المتنافسين أمام اختبار يرتبط بامتلاك أدوات التنظيم والحضور الميداني والقدرة على بناء الثقة لدى الناخب، أكثر من ارتباطه بالفوارق القانونية بين الأحزاب والمستقلين.

وعن حضور الشباب داخل القوائم الانتخابية، يؤكد طيفور أن ذلك يمثل خطوة مهمة في مسار تجديد النخب، لكنه لا يشكل وحده ضمانة لتحقيق التغيير. ويربط نجاح هذا المسار بثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في رفع نسبة مشاركة الشباب في التصويت، والدفع بكفاءات قادرة على تقديم خطاب سياسي واقعي، إلى جانب تمكين المنتخبين الشباب من أداء أدوارهم داخل المؤسسات المنتخبة بكفاءة واستقلالية.

ويشير إلى أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إعلان النتائج النهائية، لأن القضية لا تتوقف عند الوصول إلى المجالس المنتخبة، بل تمتد إلى القدرة على التأثير في صناعة القرار والمساهمة في تحسين الأداء التشريعي والرقابي. ويؤكد أن التغيير الفعلي يبدأ عندما يتحول الحضور الشبابي من استجابة لنصوص قانونية إلى مساهمة مؤثرة في تحسين جودة التشريع وتعزيز الرقابة وصياغة سياسات عامة أكثر ارتباطا بانشغالات المجتمع. ويرى أن هذه التشريعيات تمثل اختبارا سياسيا لقدرة الإصلاحات على إنتاج نخبة جديدة تحمل رؤية مختلفة للعمل السياسي، بعيدا عن تغيير يقتصر على تبديل الأسماء دون إحداث تحول فعلي في الممارسة السياسية ومخرجاتها.

ولا تنتهي العملية الانتخابية مع إغلاق مكاتب التصويت وإعلان النتائج الأولية، لأن المرحلة اللاحقة تشكل جزءا أساسيا من المسار الدستوري والقانوني، إذ تبدأ سلسلة من الإجراءات تنقل العملية من مرحلة التنافس الانتخابي إلى مرحلة مباشرة المهام داخل المؤسسات المنتخبة. وتشكل عملية التنصيب محطة قانونية تؤسس لبداية ممارسة المهام التشريعية والسياسية داخل الهيئة المنتخبة وتحدد كيفية انتقال النتائج الانتخابية إلى واقع مؤسساتي فعلي.

الدكتور موسى بودهان، أستاذ في القانون الدستوري

وفي هذا السياق، يوضح الخبير في القانون الدستوري الدكتور موسى بودهان، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن عملية تنصيب الأعضاء بعد إعلان النتائج النهائية تخضع لمراحل قانونية وإجرائية دقيقة يحددها قانون الانتخابات والنصوص التنظيمية المرتبطة به، بهدف ضمان الشرعية القانونية للمؤسسات المنتخبة وانتظام المسار الانتخابي.

ويؤكد الدكتور بودهان أن إعلان النتائج النهائية يمثل نقطة انتقال بين مرحلتين؛ الأولى تتعلق بالمنافسة الانتخابية وفرز الأصوات، والثانية تتصل بمباشرة المهام داخل المؤسسة المنتخبة. ويشير إلى أن الإعلان الأولي للنتائج لا يكفي للشروع في ممارسة المهام، لأن القانون يفرض المرور عبر إجراءات ترتبط بالطعون الانتخابية والتحقق النهائي من صحة النتائج.

ويوضح أن الجهات المختصة تنظر في الطعون التي يقدمها المترشحون أو الأحزاب أو القوائم المشاركة عند الاقتضاء، ثم تعلن النتائج النهائية بصورة رسمية بعد استكمال هذه المرحلة. ويرى أن هذه الخطوة توفر الحماية القانونية للمسار الانتخابي وتمنح مختلف الأطراف الضمانات اللازمة.

ويشير المتحدث إلى أن عملية التنصيب تسبقها إجراءات قانونية وتنظيمية تبدأ بالمصادقة النهائية على النتائج وإغلاق مرحلة الطعون، ثم إعداد القوائم النهائية للأعضاء الفائزين وإبلاغهم بصفة العضوية، قبل استدعائهم لعقد الجلسة الأولى الخاصة بالتنصيب، التي تمثل الانطلاقة الفعلية للعهدة الجديدة.

ويوضح أن جلسة التنصيب الأولى تحمل طابعا إجرائيا وتنظيميا، إذ تشهد استكمال الجوانب القانونية والإدارية المتعلقة بالأعضاء المنتخبين قبل الانتقال إلى انتخاب الهيئات المسيرة للمؤسسة المنتخبة. ويرى أن هذه المرحلة تمنح المؤسسة الأساس القانوني اللازم لمباشرة مهامها.

النظام الانتخابي الجديد يفتح المجال أمام صعود وجوه جديدة

وبخصوص كيفية انتخاب الأعضاء، يوضح الدكتور موسى بودهان أن طبيعة الهيئة المنتخبة تحدد آلية الاختيار. الناخبون في الانتخابات التشريعية يختارون ممثليهم عبر التصويت المباشر على القوائم والمترشحين، بينما تنطلق داخل المؤسسة المنتخبة مرحلة ثانية تتعلق بانتخاب بعض المناصب والهياكل الداخلية عبر آليات غير مباشرة.

ويتولى الأعضاء المنتخبون لاحقا انتخاب مناصب تنظيمية مثل رئاسة المجلس وبعض اللجان والهياكل، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. ويرى أن هذا التنظيم يوازن بين الإرادة الشعبية المباشرة ومتطلبات التسيير الداخلي للمؤسسات المنتخبة.

وفي ما يتعلق بنظام الاقتراع، يؤكد بودهان أن قانون الانتخابات اعتمد نظام القائمة المفتوحة ضمن آخر التعديلات التي مست المسار الانتخابي. ويمنح هذا النظام الناخب حرية أوسع، إذ لا يقتصر على اختيار قائمة واحدة، بل يسمح له بتحديد أسماء داخل القائمة نفسها.

ويتيح هذا الخيار مساحة تنافس أكبر أمام المترشحين على أساس الحضور الشخصي والبرنامج والقدرة على كسب ثقة الناخبين، بدل الاعتماد على ترتيب الأسماء داخل القائمة. ويعزز هذا الإطار فرص بروز وجوه جديدة تحظى بتأييد شعبي حتى دون مواقع متقدمة في القوائم.

وفي ما يخص توزيع المقاعد، يوضح بودهان أن العملية تخضع لحسابات قانونية دقيقة ترتبط بعدد الأصوات التي تحصل عليها كل قائمة داخل دائرتها الانتخابية. ويقوم النظام على توزيع نسبي يهدف إلى عكس حجم التمثيل الفعلي للقوى السياسية المشاركة.

ويمنع هذا النظام احتكار المقاعد من طرف جهة واحدة دون سند انتخابي، وقد يفضي أحيانا إلى مشهد برلماني متعدد التوجهات داخل المؤسسة المنتخبة، ما يرفع من أهمية التوافقات والتحالفات في إدارة التوازنات السياسية.

وتشرف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات على مجمل مراحل هذا الاستحقاق ضمن خطة عمل تعتمد الرقمنة وعصرنة التسيير الانتخابي. وتوفر السلطة منصات رقمية لتسهيل الإجراءات ومراقبة مختلف مراحل العملية، في توجه يهدف إلى رفع مستوى الشفافية وتعزيز الثقة في المسار الانتخابي.

ويتنافس على المقاعد الـ407 بالمجلس الشعبي الوطني 793 قائمة تضم 9854 مترشحا عبر مختلف الدوائر داخل الوطن، من بينها 613 قائمة ترعاها 32 تشكيلة سياسية، إلى جانب قائمة واحدة ضمن تحالف حزبي و125 قائمة حرة. وتشهد الدائرة الانتخابية للجالية بالخارج تنافس 54 قائمة تضم 432 مترشحا، منها 47 قائمة حزبية وقائمة واحدة لتحالف حزبي وست قوائم حرة.

وتسجل هذه الانتخابات حضورا بارزا لفئتي الشباب والنساء، إذ بلغ عدد النساء المترشحات 2032 بنسبة تقارب 21 بالمائة، بينما بلغ عدد المترشحين دون سن الأربعين 5304 بنسبة 54 بالمائة، إلى جانب 4673 مترشحا من حاملي الشهادات الجامعية.

وتجري عملية التصويت وفق نظام الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة والتصويت التفضيلي دون مزج، داخل مكاتب اقتراع موزعة عبر الوطن والخارج، تفتح من الثامنة صباحا إلى السابعة مساء. ويختار الناخب قائمة واحدة، مع إمكانية التصويت لمترشح أو أكثر ضمن حدود المقاعد المخصصة لدائرته.

وتلغي الإدارة ورقة التصويت عند تجاوز عدد الاختيارات العدد المسموح به، بينما تعتمد الورقة غير المحددة لصالح القائمة المعنية. وانطلقت عملية التصويت في المكاتب المتنقلة بالمناطق النائية وفضاءات البدو الرحل قبل اثنتين وسبعين ساعة من يوم الاقتراع، بينما شرع أفراد الجالية بالخارج في التصويت منذ السبت الماضي.

يوم التصويت.. اختبار الثقة والتنظيم

وكانت الحملة الانتخابية الخاصة بالتشريعيات قد اختتمت بعد عشرين يوما من التنافس بين الأحزاب السياسية والقوائم الحرة، في أجواء تنظيمية أشرفت عليها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بينما سخرت الإدارة الإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية اللازمة لإنجاح هذا الموعد الوطني. ويبلغ تعداد الهيئة الناخبة، وفق نتائج المراجعة الاستثنائية الأخيرة للقوائم الانتخابية، 24.727.041 ناخبا، من بينهم 23.872.756 ناخبا داخل الوطن و854.285 ناخبا من أفراد الجالية الوطنية المقيمة بالخارج.

وتطرح نهاية الحملة رهانا مزدوجا يتعلق من جهة بحسن تنظيم يوم الاقتراع وضمان نزاهة العملية الانتخابية، ومن جهة أخرى بقدرة الفاعلين السياسيين على تحويل النشاط الذي رافق الحملة إلى مشاركة فعلية داخل مكاتب التصويت. وفي هذا الإطار، دعت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات مؤطري مكاتب ومراكز التصويت إلى السهر على احترام المبادئ الأساسية للنظام الانتخابي، وأكدت ضرورة أداء المهام “بكل إخلاص وحياد”، مع الامتناع عن أي تصرف يمس بصحة الاقتراع ونزاهته وشفافيته ومصداقيته. ووجهت السلطة أيضا دعوة إلى المترشحين وممثليهم من أجل الالتزام بالإجراءات القانونية والتنظيمية الخاصة بيوم التصويت والعمل على ضمان السير الحسن للعمليات الانتخابية.

ميخائيل ماهر، خبير في القانون الدولي

ويرى ميخائيل ماهر، خبير القانون الدولي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هذه الدعوة تعيد التذكير بالمرتكزات التي تقوم عليها العملية الانتخابية، لأن “المبادئ الأساسية للنظام الانتخابي” ترتبط بضمان ممارسة الحق في الانتخاب في ظروف سليمة، وفي مقدمتها المساواة بين جميع الناخبين “بحيث يكون لكل مواطن صوت واحد له القيمة نفسها”. ويربط الخبير سلامة المسار الانتخابي أيضا بضمان “حرية الاختيار بعيدا عن أي ضغط أو إكراه وعلى سرية التصويت حتى يتمكن الناخب من التعبير عن إرادته بكل استقلال”.

ويضع ميخائيل ماهر مبدأ الحياد في صدارة الشروط التي تمنح العملية الانتخابية مصداقيتها، انطلاقا من أن “الحياد من أهم هذه المبادئ إذ يلتزم القائمون على إدارة العملية الانتخابية بعدم الانحياز لأي مترشح أو قائمة مع ضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين واحترام أحكام القانون في جميع مراحل الاقتراع وصولا إلى إعلان النتائج”. ويرى أن احترام هذه القواعد لا يقتصر على تنظيم العملية الانتخابية فحسب، بل يمنح المؤسسات التي تفرزها الانتخابات قاعدة شرعية أكثر رسوخا، لأن “احترام القانون لا يحمي نزاهة الاقتراع فحسب بل يحمي أيضا شرعية المؤسسات التي تنبثق عن إرادة الناخبين”.

ويمتد الالتزام القانوني، وفق طرح الخبير، إلى مختلف تفاصيل يوم الاقتراع، بداية بفتح مراكز التصويت في المواعيد المحددة، مرورا بالتحقق من هوية الناخبين وتنظيم عملية الإدلاء بالأصوات والمحافظة على النظام داخل مكاتب الاقتراع، وانتهاء بفرز الأصوات وإعداد المحاضر وفق الأحكام القانونية. ويشمل ذلك أيضا منع أي دعاية انتخابية داخل مراكز التصويت أو في محيطها المباشر، واحترام صلاحيات ممثلي المترشحين ومراقبي الانتخابات وتمكينهم من متابعة مختلف الإجراءات.

نور الدين شعباني،

وفي الوقت الذي تستقبل فيه مكاتب التصويت جموع الناخبين اليوم، يبرز سؤال المشاركة الشعبية بوصفه أحد المؤشرات الرئيسية التي ستحدد ملامح هذا الاستحقاق. ويرى نور الدين شعباني، المحلل السياسي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تقييم أداء الأحزاب السياسية والقوائم الحرة خلال الحملة الانتخابية لا يرتبط بحجم الأنشطة الميدانية أو كثافة التجمعات، بل بقدرتها على تحويل الحملة إلى “فضاء حقيقي للتواصل مع الناخبين وإقناعهم ببرامجها ورؤيتها”.

الأحزاب بين إقناع الناخبين وحشد المترددين

ويشير شعباني إلى تفاوت في أداء التشكيلات السياسية خلال فترة الحملة، حيث “استطاعت بعض التشكيلات السياسية تقديم خطاب قريب من انشغالات المواطنين، معتمدة على الحضور الميداني ووسائل الاتصال الحديثة”، في حين “بقيت أطراف أخرى أسيرة الخطاب التقليدي الذي يفتقر إلى التجديد ولا يلامس الأولويات الاقتصادية والاجتماعية للمواطن”. ويربط المحلل السياسي توسيع القاعدة الانتخابية بمدى قدرة الأحزاب والمترشحين على بناء الثقة، انطلاقا من أن “توسيع القاعدة الانتخابية يتطلب بناء الثقة قبل البحث عن الأصوات”، عبر تقديم “برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، وإبراز كفاءة المترشحين وقدرتهم على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم داخل المجالس المنتخبة”.

ويرى نور الدين شعباني أن انتقال المترشحين في الساعات الأخيرة التي سبقت الصمت الانتخابي من عرض البرامج إلى تكثيف الدعوات المباشرة للمشاركة في الاقتراع يدخل ضمن منطق التعبئة السياسية، لأن “الهدف في هذه المرحلة هو تحفيز المترددين وحشد القواعد الانتخابية”. غير أن المحلل السياسي يربط أثر هذه الدعوات بعوامل أعمق ترتبط بـ”مستوى الثقة في العملية الانتخابية، ومدى اقتناع المواطنين بقدرة المنتخبين على إحداث تغيير ملموس، إضافة إلى الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بالاستحقاق”.

ويعتبر شعباني أن هذه النداءات قد تؤدي إلى تنشيط المشاركة بدرجات متفاوتة، إذ “قد تسهم في رفع نسبة المشاركة بشكل نسبي، خاصة لدى الأنصار والناخبين الذين لم يحسموا قرارهم بعد”، غير أنه يشدد على أن هذه الدعوات “وحدها لا تكفي لإحداث تعبئة واسعة إذا لم تكن مدعومة برصيد من المصداقية وبرامج واقعية تلامس تطلعات المواطنين”. ويربط المحلل السياسي مستوى المشاركة المسجل في اقتراع اليوم بقدرة مختلف الفاعلين السياسيين على تحويل الزخم الذي رافق الحملة إلى ثقة فعلية، انطلاقا من أن “المشاركة النهائية ستبقى رهينة قدرة مختلف الفاعلين على تحويل الحماس الانتخابي إلى ثقة فعلية تدفع المواطن إلى التوجه نحو صناديق الاقتراع يوم التصويت”.

وعلى الصعيد الإعلامي، استكملت السلطات تحضيراتها لمواكبة هذا الموعد الوطني. فقد زار وزير الاتصال زهير بوعمامة، رفقة رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان، المركز الدولي للصحافة بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالجزائر العاصمة، واطلعا على جاهزية الهياكل والوسائل المسخرة لفائدة وسائل الإعلام الوطنية والدولية المكلفة بتغطية الانتخابات التشريعية.

وشملت الزيارة قاعات تسجيل البرامج وقاعات الإرسال والتحرير ومختلف الوسائل التقنية والمادية التي خصصت لتغطية هذا الحدث الوطني. وأوضح وزير الاتصال أن السلطات وفرت الظروف اللازمة لضمان تغطية إعلامية واسعة، مشيرا إلى أن الوزارة وضعت منظومة إعلامية متكاملة بإمكانيات كبيرة وخدمات تستجيب لمتطلبات التغطية المهنية. وكشف أيضا أن الوزارة تلقت أكثر من سبعمائة طلب من صحفيين وتقنيين لتغطية الانتخابات، من بينها تسعة وأربعون طلبا للممثلين الدائمين للصحافة الأجنبية المعتمدة بالجزائر، مع معالجة أكثر من خمسة وسبعين بالمائة من هذه الطلبات والشروع في تسليم شارات الاعتماد لتمكين المعنيين من مباشرة عملهم الميداني.

ودعا الوزير وسائل الإعلام إلى التحلي بالمهنية والحياد خلال مواكبة هذا الاستحقاق الوطني، معتبرا أن الانتخابات تمثل الركيزة الأساسية للخيار الديمقراطي والآلية الدستورية التي تمكن المواطنين من اختيار ممثليهم. وأشاد كريم خلفان، من جهته، بالوسائل التقنية والإمكانات البشرية والمادية التي سخرتها الدولة لهذا الموعد الوطني، مبرزا الدور المركزي الذي تضطلع به الصحافة في مرافقة المسار الانتخابي داخل الوطن وفي أوساط الجالية الوطنية المقيمة بالخارج.

وفي السياق نفسه، يرى نميري عز الدين، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجزائر تمتلك خبرة معتبرة في تنظيم الاستحقاقات الكبرى، انطلاقا من أن “الجزائر اكتسبت ثقافة عالية وقدرات كبيرة لتسيير أي نشاط سياسي أو اقتصادي أو أمني مهما كان حجمه وحجم المشاركين فيه”. ويضع المركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” ضمن الفضاءات الأساسية لالتقاء الأسرة الإعلامية وتقديم التصريحات والتدخلات المرتبطة بالشأن العام.

ويربط نميري عز الدين جاهزية المركز بأهمية الانتخابات التشريعية، مشيرا إلى أن هذا المرفق “جاهز لتقديم كل ما هو جديد حول الانتخابات التشريعية المقبلة للصحافة الوطنية والعالمية”، وهو ما دفع السلطات إلى توفير “كل الإمكانيات المادية والبشرية واللوجستية لإنجاح هذا العرس الانتخابي”، مع الحرص على تقديم المعلومات في توقيتها المناسب.

ويبرز أيضا تسخير وسائل بشرية وتقنية متطورة، فقد تم تقديم “كل الوسائل البشرية واللوجستية والمادية من خلال تخصيص فريق عمل بالمركز الدولي يعمل 24 ساعة على 24″، فضلا عن توفير “أحدث الوسائل التكنولوجية من خلال توفير شبكة إنترنت عالية التدفق تسهل عمل الصحفيين في الوطن أو في الخارج لنقل كل المعلومات حول سير العملية الانتخابية وكذا نسبة المشاركة والنتائج”. ويضيف أن التحضيرات تشمل أيضا “توفير كل الظروف لمعالي وزير الداخلية لتقديم النتائج الأولية”، بل إن الأمر “يصل إلى الترجمة الآلية لكل لغات العالم بحضور الصحافة العالمية”.

وتبرز هذه المعطيات مجتمعة أن رهان هذه التشريعيات لا يقتصر على تنظيم عملية الاقتراع في ظروف قانونية وتقنية مناسبة، بل يشمل أيضا قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات المشرفة ووسائل الإعلام على ترسيخ الثقة في المسار الانتخابي ودفع أكبر عدد من المواطنين إلى المشاركة في اختيار ممثليهم داخل المجلس الشعبي الوطني.