الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الجزائر تُبحر نحو غرب إفريقيا.. ممر جديد للصادرات والتكامل التجاري

Author
ربيعة خطاب 25 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

مع إطلاق خط بحري منتظم يربط الجزائر بموانئ نواكشوط ونواذيبو وداكار، تتجه الجزائر إلى تعزيز حضورها التجاري في غرب إفريقيا وفتح مسار جديد أمام صادراتها خارج المحروقات. غير أن أهمية هذا الخط، وفق خبير الطاقة دريد عبد الله، لا تُقاس بمجرد إطلاقه، بل بقدرته على تحقيق رحلات منتظمة، واستقطاب أحجام شحن كافية، وتقديم أسعار تنافسية، بما يسمح بتحويله من خدمة نقل إلى ممر تجاري ولوجستي متكامل يربط شمال إفريقيا بأسواق غرب القارة.

ويرى دريد عبد الله، خبير استشاري دولي في الطاقة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن إطلاق الخط البحري المنتظم الذي يربط الجزائر بكل من نواكشوط ونواذيبو وداكار يمثل خطوة إيجابية بالنسبة للجزائر وموريتانيا والسنغال، غير أن تقييم أهميته الاقتصادية لا ينبغي أن يتوقف عند مجرد إطلاقه، بل يجب أن يرتبط بمدى انتظام الرحلات وحجم البضائع المنقولة وتنافسية الأسعار وقدرة الخط على استقطاب المصدّرين والمتعاملين الاقتصاديين.

ويؤكد دريد عبد الله أن وجود خط بحري منتظم يوفر للجزائر قناة إضافية للوصول إلى أسواق غرب إفريقيا، ويمكن أن يساهم في تقليص الاعتماد على بعض المسارات البرية أو غير المباشرة، خصوصاً بالنسبة للسلع التي تتحمّل تكاليف نقل مرتفعة عند شحنها لمسافات طويلة عبر الطرق البرية. كما يمنح انتظام النقل المصدّرين الجزائريين قدرة أكبر على التخطيط لمواعيد الشحن والكميات، وهو عامل أساسي في بناء علاقات تجارية مستقرة مع الأسواق الخارجية.

ويضيف دريد عبد الله أن أهمية الخط لا ينبغي أن تُقاس من زاوية الصادرات الجزائرية فقط، لأن نجاحه على المدى الطويل يتطلب أن يكون مساراً تجارياً متبادلاً تستفيد منه الأطراف الثلاثة. فالمستوردون في موريتانيا والسنغال سيحصلون على منفذ إضافي لاستقبال المنتجات والتجهيزات القادمة من الجزائر، في حين يمكن مستقبلاً استغلال الخط لنقل منتجات موريتانية وسنغالية نحو السوق الجزائرية، وهو ما يحوّل المسار من قناة تصدير في اتجاه واحد إلى أداة للتبادل التجاري المتوازن.

وبخصوص برمجة رحلة واحدة كل 30 يوماً، يوضح دريد عبد الله أن هذا التردد يمكن أن يكون مناسباً في مرحلة إطلاق الخط، خصوصاً إذا كان الهدف هو اختبار حجم الطلب التجاري وتحديد طبيعة البضائع والكميات التي يمكن استقطابها. لكنه يرى أن الحفاظ على استدامة الخط ورفع مردوديته قد يتطلب مستقبلاً زيادة عدد الرحلات إذا ارتفع حجم المبادلات وظهرت حاجة فعلية لدى المصدّرين والمستوردين.

وفي السياق ذاته، يرى دريد عبد الله أن الخط الجديد يمكن أن يشكل إحدى اللبنات الأساسية لبناء ممر تجاري ولوجستي جزائري باتجاه غرب إفريقيا، لكنه يشدد على أن الممر المتكامل لا يمكن أن يقوم على النقل البحري وحده. فنجاح أي ممر تجاري يحتاج إلى منظومة مترابطة تشمل الموانئ، والتخزين، والخدمات اللوجستية، والإجراءات الجمركية، والنقل البري، والتوزيع النهائي للسلع داخل الأسواق المستهدفة.

ويشرح دريد عبد الله أن القيمة الاستراتيجية للخط سترتفع كلما تم ربطه بالمناطق الصناعية ومراكز الإنتاج في الجزائر، وبشبكات التوزيع والأسواق في موريتانيا والسنغال وبقية دول غرب إفريقيا. وفي هذا الإطار، يمكن لنواكشوط ونواذيبو أن تلعبا دوراً مهماً كنقطتي تجميع وتوزيع، خصوصاً إذا ترافقت حركة النقل البحري مع تطوير قدرات التخزين والخدمات اللوجستية والنقل البري نحو الأسواق المجاورة.

ويؤكد دريد عبد الله أن موريتانيا تتمتع بموقع يمكن أن يجعلها أكثر من مجرد محطة ضمن الخط البحري، بالنظر إلى موقعها بين شمال إفريقيا وفضاء غرب القارة. ويمكن للربط البحري المنتظم مع الجزائر أن يدعم موقعها كمحور لوجستي وتجاري، في حال جرى تطوير البنية التحتية المينائية وشبكات التوزيع وربطها بالممرات البرية المؤدية إلى الأسواق الإقليمية.

ومن الجانب الجزائري، يرى دريد عبد الله أن المشروع ينسجم مع هدف أوسع يتمثل في تنويع الصادرات وتقليل كلفة الوصول إلى الأسواق الإفريقية. فالقدرة على إنتاج السلع لا تكفي وحدها لرفع الصادرات، إذ تحتاج المؤسسات إلى وسائل نقل منتظمة وتنافسية تسمح لها بالوصول إلى الزبائن في الخارج بآجال وتكاليف يمكن التحكم فيها، وهو ما يجعل النقل البحري جزءاً أساسياً من استراتيجية تنمية الصادرات خارج المحروقات.

أما بالنسبة لموريتانيا والسنغال، فيوضح دريد عبد الله، أن الاستفادة لا تقتصر على استقبال السلع الجزائرية، بل تشمل أيضاً تنويع مصادر التوريد وخلق خيارات إضافية أمام المستوردين، فضلاً عن إمكانية زيادة الصادرات نحو الجزائر مستقبلاً. ويعتبر أن وجود حركة تجارية في الاتجاهين من شأنه رفع كفاءة الخط وتقليل احتمالات الرحلات الفارغة، وبالتالي تحسين اقتصاديات النقل وانعكاس ذلك على أسعار الخدمات.

ويحذر دريد عبد الله من أن توسيع شبكة الخطوط البحرية لا ينبغي أن يتم بصورة منفصلة عن حجم الطلب الحقيقي. فالمعيار الاقتصادي ليس عدد الخطوط التي يتم إطلاقها، وإنما قدرتها على تحقيق أحجام شحن مستقرة تضمن استدامتها. ولذلك فإن نجاح الخط الحالي بين الجزائر وموريتانيا والسنغال سيكون عاملاً أساسياً في تحديد إمكانية توسيعه لاحقاً نحو موانئ وأسواق إفريقية أخرى.

ويشير دريد عبد الله إلى أن من مصلحة الجزائر أن يتحول الخط إلى منصة لدعم صادراتها، لكن من مصلحة شركائها أيضاً أن يكون طريقاً تجارياً ثنائي الاتجاه. وكلما تنوعت البضائع وارتفع حجم المبادلات في الاتجاهين، أصبح الخط أكثر كفاءة واستدامة، وتحولت البنية البحرية من مجرد خدمة نقل إلى أداة فعلية لتعزيز التكامل الاقتصادي بين شمال وغرب إفريقيا.

ويؤكد دريد عبد الله أن النقل البحري لا ينبغي النظر إليه باعتباره منافساً للنقل البري، بل باعتباره جزءاً من منظومة متعددة الوسائط. فالبضاعة قد تنتقل بحراً إلى ميناء معين ثم تواصل طريقها براً نحو أسواق داخلية، وهو ما يتيح الجمع بين مزايا النقل البحري في نقل الكميات الكبيرة ومزايا النقل البري في الوصول إلى الوجهات النهائية.

ويلفت دريد عبد الله إلى أن الخط البحري الجديد يمكن أن يتحوّل إلى مكسب استراتيجي للجزائر وموريتانيا والسنغال إذا تطور من مجرد خدمة نقل إلى بنية تجارية ولوجستية مستدامة. فالجزائر تحصل على منفذ بحري إضافي نحو غرب إفريقيا، بينما تستفيد موريتانيا والسنغال من خيارات جديدة للتوريد والتصدير وتعزيز المبادلات.

ويشدد دريد عبد الله على أن المؤشر الحقيقي لنجاح المشروع لن يكون عدد الرحلات المبرمجة، وإنما حجم التجارة التي ستنشأ بفضلها. فإذا ارتفعت الحمولة، وانتظمت المواعيد، وتحسنت تنافسية الأسعار، وتمكنت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الاستفادة من الخط، فإن المشروع يمكن أن يتحول تدريجياً إلى رافعة حقيقية للتجارة البينية الإفريقية، وإلى نموذج تعاون يخدم مصالح الجزائر وموريتانيا والسنغال على أساس المصالح الاقتصادية المتبادلة والتكامل الإقليمي.

 

↑