الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الجزائر تُحصِّن ذاكرتها التاريخية.. ورشة دولية مع منظمة (OSCE) لحماية الممتلكات الثقافية

Author
هارون عمري 24 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في سياق استراتيجية وطنية حازمة وطموحة تهدف إلى حماية الإرث الحضاري الإنساني والوطني من شتى أشكال التعدي، أشرفت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أمس الثلاثاء 23 جوان، بقصر الثقافة “مفدي زكرياء” بالعاصمة، على مراسم افتتاح ورشة عمل رفيعة المستوى تتمحور حول “مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية“.

وتكتسي هذه الفعالية أهمية بالغة بالنظر إلى توقيتها وسياقها؛ إذ تندرج في إطار زيارة العمل التي يؤديها وفد رسمي من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) إلى الجزائر، ما يعكس رغبة الدولة الجادة في تفعيل القنوات متعددة الأطراف لمجابهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تستهدف نهب الذاكرة وتاريخ الشعوب.

إن هذه الورشة تجسد الالتزام الجزائري الصارم بقطع الطريق أمام شبكات التهريب الدولية عبر إرساء منظومة أمنية وقانونية استباقية ومتكاملة، لاسيما أن حماية هذه الممتلكات والمحافظة عليها تقع في صلب اهتمامات الدولة باعتبارها مكونا أساسيا للهوية الوطنية وذاكرة الشعوب الحية التي لا تقبل التفريط.

تكامل الخبرات الأمنية والأكاديمية لردع الجريمة الأثرية

​تشهد هذه التظاهرة العلمية والتنسيقية الكبرى مشاركة نوعية وفريدة لنخبة من الخبراء الدوليين القادمين من عدة دول أوروبية ومن كندا، والذين يلتقون على طاولة نقاش واحدة بنظرائهم من الخبراء والمختصين الجزائريين الممثلين لمختلف الهيئات والمؤسسات الأمنية السيادية كالشرطة، والجمارك، وحرس الحدود، بالإضافة إلى القطاعات الوزارية المعنية بحماية التراث الثقافي وصونه.

ويهدف هذا الحشد من الكفاءات والكوادر إلى تعزيز آليات التعاون الميداني المشترك، وتفعيل قنوات تبادل الخبرات والتجارب الناجحة، وتثمين المعايير التقنية المعمول بها عالميا في ترصد شبكات التهريب.

ويظهر هذا التكامل جليا من خلال حضور إطارات المتاحف الوطنية والمؤسسات المتخصصة في المحافظة على التراث وتثمينه، حيث يمثل هذا الفضاء التفاعلي فرصة سانحة لخلق حوار بنّاء وتبادل أفضل الممارسات الميدانية التي تضمن حماية قصوى للموقع الأثري والتحفة الفنية على حد سواء، ما يسهم في بناء جدار وقائي متين يعتمد على أحدث المناهج العلمية والأمنية المشتركة.

وفي سياق متصل يربط الجانب الميداني بالغطاء القانوني والأكاديمي، أكد رئيس الأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث، صدام حسين سرايش، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجزائر تمتلك رصيدا ثقافيا وتاريخيا ثريا ومتنوّعا يعكس ذاكرة الأمة وهويتها الحضارية، مشيرا إلى أن التراث الثقافي، وخاصة المواقع الأثرية المصنفة والقابلة للتصنيف، يمثل أحد أهم عناصر تشكيل الهوية الوطنية ورافعة أساسية للتنمية الثقافية والسياحية.

وأوضح سرايش أن جرائم المساس بالممتلكات الثقافية والاتجار غير الشرعي بالتحف والقطع الأثرية تشكل تهديدا مباشرا للذاكرة الوطنية، لافتا إلى أن هذه الجرائم أصبحت مصدر تمويل لشبكات إجرامية منظمة تنشط على المستويين الوطني والدولي، ما يستدعي تعزيز آليات الحماية القانونية والميدانية لهذا الإرث الحضاري.

كما أشار رئيس الأكاديمية إلى أهمية تطبيق أحكام القانون 04/98 المتعلق بحماية التراث الثقافي، والقانون 06/802 المتعلق بمكافحة التهريب، مع ضرورة تطوير المنظومة القانونية لمواكبة التحديات الجديدة المرتبطة بالاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.

الفسيفساء الجزائرية كشاهد على عمق تاريخي يمتد لآلاف السنين

​وفي قراءة تحليلية معمقة لواقع هذا التراث الغني وأبعاد حمايته وتثمينه، وفي تصريح لـ”الأيام نيوز”، أكد الكاتب والباحث في ميدان الاقتصاد الاجتماعي، ومنسق جمعية أبزيم للثقافة والمواطنة لدى اليونسكو، بوعظم صلاح الدين، أن الحديث عن الفسيفساء الجزائرية بوصفها تراثا ماديا يفتح الباب أمام تاريخ حضاري يمتد لآلاف السنين، بالنظر إلى ما تزخر به الجزائر من مدن ومواقع أثرية شكلت مراكز إشعاع حضاري خلال فترات تاريخية مختلفة.

وأوضح بوعظم صلاح الدين أن الدراسات التي تناولت التراث الجزائري انقسمت إلى مدرستين؛ الأولى كولونيالية سعت إلى توظيف التراث لخدمة السردية الاستعمارية وطمس الحقائق، والثانية تشكلت من نخب جزائرية واعية عملت بكل جهد على استعادة الحق التاريخي للأمة الجزائرية وإبراز دورها الحضاري والثقافي الريادي عبر العصور.

وأشار الباحث في ميدان الاقتصاد الاجتماعي إلى أن عمليات جرد الموروث الأثري انطلقت في الجزائر منذ فترة مبكرة نسبيا وما تزال متواصلة إلى اليوم، خاصة مع استمرار اكتشاف مواقع وآثار وبلاطات فسيفسائية جديدة في مختلف ربوع الوطن، في وقت يهدد فيه التوسع العمراني السريع واختفاء بعض المواقع غير المصنفة جزءا كبيرا وثمينا من هذا التراث الهام.

 

ثنائية التقنيات الرقمية والتوثيق التقليدي في مجابهة مخاطر التزوير

​يتطلب الواقع الراهن للممتلكات الثقافية في ظل الطفرة التكنولوجية تبني حلول رقمية رائدة دون إغفال الضوابط الاحترازية الكلاسيكية؛ إذ أضاف منسق جمعية أبزيم للثقافة والمواطنة لدى اليونسكو أن التطورات التكنولوجية الحديثة، على غرار الرقمنة والتصوير ثلاثي الأبعاد والذكاء الاصطناعي، توفر إمكانات مهمة وهائلة في عمليات الجرد والتوثيق والحفظ، غير أنها تطرح في المقابل تحديات جديدة خطيرة مرتبطة بإمكانية تزوير المعطيات أو تحريف المعلومات التاريخية، ما يستوجب الحفاظ على أساليب التوثيق التقليدية المكتوبة والمادية باعتبارها إجراء وقائيا مكملا وصمام أمان للتقنيات الحديثة.

ويظهر من خلال هذا الطرح المفصل أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، حيث تتطلب أنظمة حماية سيبرانية ويقظة معرفية وأكاديمية مستمرة من قِبل الباحثين لضمان بقاء البيانات الأثرية سليمة وموثوقة، ومحمية ضد أي تلاعب رقمي قد يطال الشواهد التاريخية والمادية للأمة.

حتمية المتاحف الجهوية الكبرى لاستيعاب الكنوز الأثرية الضخمة

​أمام الحجم الهائل للاكتشافات الميدانية المستمرة واليومية، تبرز الحاجة الملحة والقصوى إلى تطوير البنية التحتية الحاضنة لهذه المقتنيات النادرة واللوحات الأثرية العملاقة؛ حيث أكد بوعظم صلاح الدين أن الجزائر، رغم الجهود المعتبرة والمبذولة في تطوير المتاحف الوطنية وتوسيع عددها عبر القطر الوطني، ما تزال بحاجة ماسة إلى متاحف جهوية كبرى بمواصفات عالمية حديثة ومساحات عرض واسعة وشاسعة، قادرة على استيعاب الكم الكبير من المقتنيات الأثرية المخزنة، وخاصة الفسيفساء التي تتميز بأحجامها الكبيرة جدا وتنوعها التاريخي والفني المعقد.

وأوضح أن المتحف المعاصر في المفهوم الحديث لم يعد مجرد فضاء كلاسيكي ساكن لعرض التحف خلف الزجاج، بل تحوّل إلى مؤسسة ثقافية واقتصادية وبحثية حيوية تضم مخابر متطورة للترميم ومكتبات غنية وأرشيفات ومراكز للبحث العلمي، وتؤدي دورا جوهريا ومحوريا في دعم السياحة الثقافية المستدامة وتعزيز القوة الناعمة للدول في المحافل الدولية.

نحو جيل جديد من المتاحف وتفعيل المسؤولية الجماعية لحماية الموروث

​إن الإبقاء على المواقع الأثرية في مأمن من التهديدات المتزايدة يتجاوز الأطر الرسمية الضيقة والمؤسسات الحكومية ليتطلب وعيا مجتمعيا شاملا وتلاحما بين المواطن والمسؤول.

كما لفت الباحث بوعظم صلاح الدين إلى أن العديد من المواقع الأثرية المفتوحة على الهواء الطلق تواجه تحديات جمة مرتبطة بالعوامل الطبيعية والمناخية، أو الممارسات السلبية والتخريبية لبعض الزوار غير الواعين، فضلا عن مخاطر السرقة المنظمة أو التلف الناتج عن أشغال الحفر العشوائي والبناء العمراني، ما يجعل حماية التراث مسؤولية جماعية مشتركة تتطلب مزيدا من الوعي المجتمعي والتنسيق الوثيق بين الجمعيات والمؤسسات.

وختم الكاتب والباحث بوعظم صلاح الدين بالتأكيد على أن الجزائر مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال الفعلي إلى جيل جديد من المتاحف الجهوية الكبرى وتفعيل الأدوار الثقافية والاقتصادية للمتاحف بما يتناسب مع حجم وتنوع الإرث الحضاري الوطني العريق، وهو ما يتقاطع تماما وبشكل مباشر مع أهداف الورشة الدولية المنعقدة بالتنسيق مع وفد (OSCE) للوصول إلى منظومة متكاملة تصون الهوية وتدعم التنمية المستدامة.

وامتدادا لهذه الرؤية التكاملية لحماية الموروث وتوظيفه الاقتصادي، أضاف رئيس الأكاديمية الجزائرية للشباب وإحياء التراث، صدام حسين سرايش، أن حماية التراث لا تقتصر على الجوانب القانونية فقط، بل تشمل أيضا تثمينه واستغلاله في إطار التنمية السياحية والثقافية، من خلال تطوير السياحة الأثرية وجعل المواقع التاريخية رافدا اقتصاديا وثقافيا يساهم في التعريف بالجزائر وتراثها الحضاري.

ودعا سرايش في هذا السياق إلى إنشاء بنك معلوماتي خاص بالتحف والقطع الأثرية، بما يسمح بتوثيقها وتعزيز قيمتها العلمية والتاريخية وربطها بالاكتشافات الأثرية الجديدة، فضلا عن العمل على ترقية السياحة الأثرية وتثمين التراث الوطني على المستويين المحلي والدولي، مقترحا في الوقت ذاته إنشاء معهد متخصص في أبحاث التراث لدعم جهود البحث والاكتشافات الأثرية، وتوفير إطار علمي يساهم في دراسة المواقع التاريخية والمحافظة عليها.

وجدد تأكيده على أن الرقمنة أصبحت من أهم الآليات الحديثة في صون التراث الثقافي، داعيا إلى تعزيز دور التراث الرقمي ضمن المنظومة القانونية لحماية الممتلكات الثقافية، وتطوير عمليات الجرد العلمي والتوثيق الرقمي للقطع الأثرية بما يضمن حمايتها للأجيال القادمة.

وختاما، أكد الكاتب والباحث بوعظم صلاح الدين على ضرورة انتقال الجزائر إلى جيل جديد من المتاحف الجهوية الكبرى وتفعيل أدوارها الثقافية والاقتصادية، بما يتناسب مع حجم وتنوع الإرث الحضاري الوطني، وهو ما ينسجم تماما مع تطلعات الأكاديمية والورشة الدولية المشتركة مع منظمة (OSCE) لبناء بيئة حاضنة ومحصنة للهوية الوطنية المستدامة.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"