الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر خارج القائمة الرمادية.. هل هي فرصة لتعزيز الثقة وتطوير الاقتصاد؟

Author
صبرينة عيلان 05 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

شكل إعلان خروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (GAFI/FATF) حدثا اقتصاديا وماليا بارزا، أعاد إلى الواجهة النقاش حول موقع الجزائر داخل المنظومة المالية العالمية، ومدى قدرتها على استثمار هذا الإنجاز لتحويله إلى مكاسب اقتصادية حقيقية.

وفي هذا السياق، أكد الخبير في الشأن المالي ومدير وكالة بنكية، عبد الحفيظ مسعودي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية يعد مكسبا مهما على المستوى المالي والمؤسساتي، لكنه لا يمثل سوى خطوة أولى ضمن مسار طويل من الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي ينبغي مواصلتها من أجل تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

ويرى مسعودي أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في الحصول على اعتراف دولي بسلامة المنظومة الرقابية فحسب، بل في تحويل هذا الاعتراف إلى عنصر جذب للاستثمار ورافعة للنمو الاقتصادي المستدام.

ماذا نقصد بالخروج من القائمة الرمادية لـ”GAFI”؟

الخروج من القائمة الرمادية لـ”GAFI” يعني أن الدولة تمكنت من معالجة أوجه القصور التي كانت موجودة في منظومتها الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأصبحت أكثر التزاماً بالمعايير الدولية التي تضعها مجموعة العمل المالي الدولية (Financial Action Task Force – FATF). ويعتبر هذا الخروج بمثابة اعتراف دولي بتحسن أداء الدولة في مجال الشفافية المالية والرقابة على المعاملات البنكية والمالية.

وتعد “القائمة الرمادية” قائمة تضع فيها مجموعة العمل المالي الدول التي توجد لديها نقائص أو مخاطر في مجالات مرتبطة بمراقبة التحويلات المالية، ومكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، وشفافية المعاملات البنكية والاقتصادية. غير أن هذه الدول تكون قد أبدت استعدادا للتعاون مع الهيئات الدولية وتنفيذ إصلاحات قانونية ورقابية للخروج من هذه القائمة.

وعندما تنجح دولة ما في الخروج من القائمة الرمادية، فإن ذلك ينعكس بشكل مباشر على صورتها المالية والاقتصادية أمام العالم، حيث ترتفع ثقة البنوك والمؤسسات المالية الدولية في نظامها البنكي، كما تصبح التحويلات المالية والمعاملات التجارية أكثر سهولة وسرعة، إضافة إلى تعزيز جاذبية البلاد للاستثمارات الأجنبية وتقليص مستويات التدقيق الإضافي المفروضة على البنوك والشركات التابعة لها.

وبالنسبة للجزائر، تكتسي هذه الخطوة أهمية كبيرة، لأن البقاء ضمن القائمة الرمادية قد يؤدي إلى بطء التحويلات المالية الدولية، وارتفاع تكاليف المعاملات البنكية، وتشدد بعض البنوك الأجنبية في التعامل مع المؤسسات الجزائرية، فضلاً عن تردد بعض المستثمرين بسبب ارتفاع مخاطر الامتثال والرقابة.

أما الخروج من هذه القائمة، فيُعتبر رسالة إيجابية للمؤسسات المالية العالمية مفادها أن الجزائر حسّنت منظومتها المالية والرقابية، وأصبحت أكثر توافقاً مع المعايير الدولية المتعلقة بالشفافية والحوكمة ومكافحة التدفقات المالية المشبوهة.

ويتم الخروج من القائمة الرمادية عادة عبر تنفيذ حزمة من الإصلاحات والإجراءات، من بينها تطبيق نظام “اعرف عميلك” (KYC)، وتعزيز تتبع الأموال المشبوهة، وتقوية الرقابة على البنوك والمؤسسات المالية، وإلزام الشركات بالكشف عن المستفيد الحقيقي من العمليات المالية، إضافة إلى تحسين التعاون القضائي والمالي مع الهيئات الدولية.

مكسب مالي يعزز الثقة الدولية ويخفف القيود على المعاملات

وأوضح الخبير في الشأن المالي أن إدراج أي دولة ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، يؤدي عادة إلى تشديد الرقابة الدولية على تعاملاتها المالية ورفع مستوى الحذر لدى البنوك والمؤسسات المالية الأجنبية، وهو ما ينعكس على كلفة التحويلات المالية وسرعة إنجازها وحتى على فرص التمويل الدولي.

وأضاف أن خروج الجزائر من هذه القائمة يعني أن السلطات تمكنت من معالجة عدد معتبر من النقائص التي كانت مسجلة في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يعكس تطورا ملحوظا في التشريعات والإجراءات الرقابية وآليات المتابعة والتنسيق بين مختلف الهيئات المعنية.

وأشار إلى أن هذا التطور من شأنه أن يرفع مستوى الثقة في الاقتصاد الجزائري لدى الشركاء الماليين الدوليين، ويساهم في تسهيل المعاملات البنكية العابرة للحدود، كما يمنح البنوك الجزائرية هامشا أكبر للتحرك والتعامل مع المؤسسات المالية الأجنبية في ظروف أكثر مرونة وأقل تعقيدا.

وأكد مسعودي أن المؤسسات المالية الدولية تنظر باهتمام كبير إلى تصنيفات مجموعة العمل المالي، باعتبارها مؤشراً على درجة التزام الدول بالمعايير الدولية للشفافية والرقابة، وبالتالي فإن الخروج من القائمة الرمادية يحمل رسالة إيجابية إلى الأسواق العالمية مفادها أن الجزائر قطعت أشواطاً مهمة في مجال الحوكمة المالية.

التصنيفات الدولية وحدها لا تصنع الاستثمار
ورغم أهمية هذا الإنجاز، شدد المتحدث على ضرورة عدم المبالغة في تقدير آثاره الاقتصادية المباشرة، موضحا أن المستثمرين الأجانب لا يبنون قراراتهم الاستثمارية على التصنيفات الدولية فقط، بل يعتمدون على مجموعة واسعة من المؤشرات المرتبطة ببيئة الأعمال والاستقرار الاقتصادي.

وقال إن التجارب الدولية تثبت أن الخروج من القوائم الرقابية أو الحصول على تقييمات إيجابية لا يؤدي تلقائيا إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية، ما لم يترافق ذلك مع إصلاحات اقتصادية وهيكلية تعزز جاذبية السوق وتوفر مناخا ملائما للأعمال.

وأضاف أن المستثمر يبحث أولا عن وضوح الرؤية الاقتصادية، واستقرار الإطار القانوني، وفعالية الإدارة، وسهولة الإجراءات، وسرعة الحصول على التراخيص، فضلاً عن وجود منظومة مالية قادرة على مرافقة المشاريع وتمويلها.

ويرى مسعودي أن أي عراقيل بيروقراطية أو تعقيدات إدارية أو بطء في معالجة الملفات الاستثمارية قد تحد من تأثير أي تصنيف دولي إيجابي، مهما كانت أهميته، لأن المستثمر يقيّم البيئة الاستثمارية من خلال الواقع العملي الذي يواجهه يوميا.

كما أكد أن تحسين صورة الجزائر في الخارج ينبغي أن يترافق مع تحسين فعلي لمناخ الأعمال داخل البلاد، لأن الثقة الدولية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تنعكس في شكل مشاريع واستثمارات وفرص عمل ومؤسسات منتجة.

إصلاح النظام المالي الحلقة الأهم في معادلة التحوّل الاقتصادي

واعتبر الخبير في الشأن المالي أن النظام المالي الجزائري لا يزال بحاجة إلى إصلاحات أعمق وأكثر شمولاً، تضمن انتقاله من أداء الوظائف التقليدية إلى لعب دور أكبر في تمويل التنمية الاقتصادية.

وأوضح أن الاقتصاد الحديث يقوم على منظومة مالية متطورة قادرة على تعبئة المدخرات الوطنية وتوجيهها نحو الاستثمارات المنتجة، بما يسمح بخلق الثروة وتنويع مصادر النمو بعيداً عن الاعتماد المفرط على الموارد التقليدية.

وأشار إلى أن البنوك الجزائرية حققت، خلال السنوات الأخيرة، تقدماً ملحوظا في مجالات الامتثال والرقابة وإدارة المخاطر، غير أن التحديات ما تزال قائمة فيما يتعلق بتطوير الخدمات المالية وتوسيع أدوات التمويل وتحسين سرعة الاستجابة لاحتياجات المؤسسات الاقتصادية.

وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز دور البنوك في تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الناشئة، باعتبارها أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

كما شدد على أهمية تطوير أدوات التمويل الحديثة التي تمكن المستثمرين من الحصول على الموارد المالية اللازمة لتنفيذ مشاريعهم في ظروف أكثر مرونة وكفاءة.
وتطرق مسعودي إلى وضع السوق المالية الجزائرية، مؤكدا أن بورصة الجزائر ما تزال تمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة بالشكل الكافي، رغم ما يمكن أن تلعبه من دور محوري في تمويل الاقتصاد الوطني.

وأوضح أن الأسواق المالية في الاقتصادات المتقدمة أصبحت تمثل أحد أهم مصادر التمويل للمؤسسات، حيث تتيح للشركات جمع رؤوس الأموال بعيداً عن الاعتماد الحصري على التمويل البنكي.

ويرى أن تطوير البورصة الجزائرية يتطلب توسيع قاعدة الشركات المدرجة، وتحسين جاذبية السوق للمستثمرين، وتعزيز الثقافة المالية لدى المؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين.

وأضاف أن نجاح أي إصلاح مالي حقيقي يقتضي وجود سوق مالية ديناميكية وفعالة، تكون قادرة على استقطاب الادخار الوطني وتوجيهه نحو مشاريع استثمارية منتجة وقادرة على خلق القيمة المضافة.

الرقمنة البنكية مفتاح المرحلة الجديدة

ومن بين أبرز الملفات التي اعتبرها الخبير مسعودي أولوية خلال المرحلة المقبلة، ملف التحوّل الرقمي في القطاع المصرفي، مؤكدا أن الرقمنة أصبحت اليوم معياراً أساسياً لقياس كفاءة الأنظمة المالية الحديثة.

وأوضح أن تحسين الخدمات البنكية وتبسيط الإجراءات وتقليص آجال معالجة العمليات المالية لا يمكن أن يتحقق دون تسريع وتيرة الرقمنة وتعميم الحلول التكنولوجية الحديثة.

وأشار إلى أن الرقمنة لا تقتصر فقط على توفير خدمات إلكترونية للعملاء، بل تشمل أيضا تطوير نظم الرقابة الداخلية وإدارة المخاطر وتحليل البيانات وتعزيز الشفافية وتتبع العمليات المالية.
وأكد أن التحوّل الرقمي يساهم بشكل مباشر في مكافحة الجرائم المالية من خلال تحسين القدرة على رصد العمليات المشبوهة وتعزيز فعالية أنظمة المراقبة والامتثال.

وفي حديثه عن متطلبات بناء منظومة مالية قوية، أبرز مسعودي الدور المحوري للخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات في حماية الاقتصاد الوطني من مختلف أشكال التلاعب المالي.

وأوضح أن المعايير الدولية الحديثة أصبحت تمنح أهمية متزايدة لجودة التدقيق المالي والمحاسبي باعتبارهما عنصرين أساسيين في تعزيز الشفافية والثقة داخل الأسواق.

وأضاف أن الخبراء المحاسبين يشكلون خط الدفاع الأول في مواجهة غسل الأموال والتهرب الضريبي والتلاعب بالقوائم المالية، نظرا لقربهم المباشر من الواقع المالي للمؤسسات وقدرتهم على اكتشاف الاختلالات والمؤشرات المبكرة للمخاطر.

وأكد أن تعزيز دور هذه الفئة المهنية لا يخدم فقط متطلبات الامتثال للمعايير الدولية، بل يساهم أيضاً في تحسين الحوكمة داخل المؤسسات الاقتصادية وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.

ومن بين العوامل التي اعتبرها مسعودي ضرورية لتحويل الثقة الدولية إلى استثمارات فعلية، توفير المعلومات الاقتصادية الدقيقة والشفافة للمستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين.

وأوضح أن المستثمر يحتاج إلى بيانات موثوقة ومحدثة باستمرار حول مختلف المؤشرات الاقتصادية والقطاعية حتى يتمكن من بناء قراراته الاستثمارية على أسس سليمة.

وأضاف أن سهولة الوصول إلى الإحصائيات الاقتصادية والمالية تعزز مناخ الثقة وتقلل من حالة عدم اليقين التي قد تؤثر على قرارات المستثمرين المحليين والأجانب.
كما دعا إلى تعزيز التكامل الرقمي بين مختلف قواعد البيانات الاقتصادية والمالية والإدارية بما يسمح برفع كفاءة اتخاذ القرار وتحسين فعالية السياسات العمومية.
وشدد الخبير في الشأن المالي على أن نجاح أي إصلاح مالي أو مصرفي، يبقى مرتبطا بوجود كفاءات بشرية مؤهلة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي العالمي.

وأكد أن مجالات الامتثال وإدارة المخاطر والتدقيق الداخلي والتحليل المالي والأمن السيبراني أصبحت تخصصات استراتيجية تفرض الاستثمار المستمر في التكوين والتأهيل.

وأضاف أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لتحقيق التحول المنشود، لأن العنصر البشري يبقى المسؤول الأول عن حسن استغلال هذه الأدوات وتحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية داخل المؤسسات المالية.

وأضاف عبد الحفيظ مسعودي أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي يمثل دون شك إنجازا مهما ورسالة إيجابية للأسواق والمؤسسات المالية الدولية، لكنه لا ينبغي أن يُنظر إليه كنقطة وصول، بل كنقطة انطلاق نحو إصلاحات أعمق وأكثر شمولا.

ويؤكد أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذا الرصيد المعنوي والمؤسساتي إلى مشاريع واستثمارات وفرص عمل ونمو مستدام، من خلال تطوير المنظومة المصرفية، وتعزيز دور السوق المالية، وتسريع الرقمنة، وتحسين مناخ الأعمال، وترسيخ ثقافة الشفافية والحوكمة.

فالثقة الدولية، يقول مسعودي، قد تفتح الأبواب أمام الفرص، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة التنمية، لأن النجاح الاقتصادي الحقيقي يُقاس بقدرة الدولة على تحويل الاعترافات والتصنيفات الإيجابية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المستثمر والمؤسسة والمواطن على حد سواء.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية