الخميس : 06-10-2022

الجزائر.. “رقمنة المدارس” مشروع واعد يوشك أن يتحقّق

تبذل الجزائر جهودا كبيرة في سبيل تطوير وتحسين جودة ونوعية التربية والتعليم في البلاد، من خلال توفير جميع الإمكانيات المادية والبشرية، وإقرار إصلاحات شاملة للمنظومة التربوية، على رأسها إطلاق مشروع “رقمنة المدرسة الجزائرية”، بهدف بناء منظومة تربوية مسايرة لمختلف التطورات التكنولوجية الحاصلة في العالم، من جهة، ومن أجل المضي فعليا نحو التحول الرقمي في قطاع التربية على غرار باقي القطاعات الحيوية من جهة أخرى. 

وتُعد “المدرسة الرقمية”، أحد المشاريع التي تضمّنها برنامج الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، والمدونة في خطة عمل الحكومة الجزائرية ومخطط عمل وزارة التربية، ويتم حاليا العمل على تعميمها بهدف نقل المدرسة الجزائرية إلى مستوى رقمي أحسن، يمكّنها من الالتحاق بركب الدول المتقدمة في هذا المجال.

ولتجسيد هذا المشروع على أرض الوقع وإنجاحه، شرعت وزارة التربية الجزائرية، خلال الموسم الدراسي الماضي، في مرحلة أولى تجريبية، بتخصيص مدَارِسَ نموذجية قُدِرَت في بداية الأمر بـ 50 مدرسة فقط، تم تزويدها بالألواح الإلكترونية.

لتخطو ذات الوزارة، خلال الموسم الدراسي الحالي 2022-2023، خطوتها الثانية نحو تجسيد التعليم الرقمي في الجزائر، وذلك من خلال تجهيز ما لا يقل عن 1629 مدرسة ابتدائية بألواح الكترونية ذكية ولواحقها، حسب تصريحات رسمية لوزير التربية الجزائري، عبد الحكيم بلعابد.

وتهدف وزارة التربية الجزائرية عبر هذا التوجه الرقمي في التعليم المدرسي، إلى تحسين الأداء البيداغوجي والتربوي للأساتذة، وكذا المردود التعليمي للتلاميذ، مع تخفيف الأعباء النفسية والمادية والجسدية عنهم، خاصة وأن من بين أهداف الأقسام الرقمية، تخفيف وزن المحفظة بالنسبة لتلاميذ الطور الابتدائي، على أن يتم تعميم هذا الأسلوب الرقمي تدريجيا على كافة الأطوار التعليمية الأخرى.

أولياء التلاميذ يُثمِّنون..

وفي هذا الصدد، أكد رئيس جمعية أولياء التلاميذ، أحمد خالد، على أهمية الانتقال للتعليم الرقمي في الجزائر ومواكبة التطور التكنولوجي الحاصل في العالم، والاعتماد على وسائل حديثة في العملية التعليمية بدلا من الاعتماد على وسائل التعليم التقليدية فقط، خاصة أن العالم اليوم تطور ووسائل التعليم تطورت هي الأخرى.

 وثمّن أحمد خالد، في تصريح لـ “الأيام نيوز”، مبادرة وزارة التربية الجزائرية لتوسيع استعمال اللوحات الإلكترونية على مستوى أزيد من ألف مؤسسة تربوية جزائرية، قائلاً: “هي خطوة جد إيجابية، وقفزة نوعية لصالح المنظومة التربوية، ونحن كأولياء تلاميذ نثمّنها ونستحسنها ويجب علينا المساهمة في تطويرها وفي الحفاظ على هذا المكسب التربوي الهام”.

وأبرز خالد أحمد، إيجابيات التعليم عن طريق اللوحات الالكترونية، التي تكمن حسبه في توفير الوقت والجهد، فبدلا من إعادة كتابة الدروس والتمارين في الكرّاس التي تتطلب جهدا يبذله التلميذ ووقتا يستغرقه، فهذه الألواح توفّر كل ذلك على غرار مساهمتها في تخفيض وزن المحفظة التي لَطالما عانى من ثِقَلِها المُتَمدرِسون.

أما فيما يخص قدرة تلاميذ الابتدائي على التحكم في استخدام الألواح الالكترونية، قال ذات المتحدث: ” اليوم نلاحظ أن الوسائل التكنولوجية انتشرت بسرعة في المجتمع، فالدراسات تشير إلى أن غالبية الأطفال يتعوّدون في سن مبكرة على استعمال هذه الوسائل كالحواسيب والهواتف الذكية، ويجيدون اللعب بالألعاب الالكترونية من خلالها، أو الولوج إلى مشاهدة الرسوم المتحركة وغيرها من الخدمات التي تستهوي الأطفال في هذا السن والمتاحة عبر هذه الوسائل، ناهيك عن دور الأساتذة والمساعدين والمشرفين التربويين وحتى الأوليّاء في مرافقة ومساعدة التلميذ في عملية التمدرس عن طريق الألواح الإلكترونية”.

الاستثمار في قطاع التربية مُربح..

وفي سياق ذي صلة، أشار عضو لجنة التربية والتعليم العالي بالمجلس الشعبي الوطني والنقابي الأسبق، مسعود عمراوي، إلى أن التدريس عن طريق اللوحات الالكترونية في المدارس التي استفادت منها مؤخرا، ستكون فقط عبارة عن عملية مكمّلة للدروس العادية التي يتلقاها جميع التلاميذ في كل ابتدائيات الوطن.

وأوضح عمراوي، في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أنه خلال الموسم الدراسي الحالي، سيتلقّى التلاميذ الذين منحت لهم هذه الوسيلة دروسهم بصفة طبيعية على غرار زملائهم في مختلف المؤسسات التربوية الجزائرية الأخرى، ريثما يجري تعميمها على مستوى كافة المدارس الابتدائية في الجزائر المقدر عددها بـ 28 ألف مدرسة.

وبخصوص قدرة الجزائر على رقمنه كافة مدارس الوطن، قال عمراوي: “إن مشروع رقمنة المدرسة هو قرار سيادي اتخَذته الدولة الجزائرية في السنوات الأخيرة، وبالتالي خصّصت اعتمادا ماليا لاقتناء الألواح الالكترونية ولواحقها، كما بإمكان الجزائر تخصيص ميزانية كبيرة من أجل تجسيد هذا المشروع، خاصة أن التعليم يعتبر من القطاعات الحيوية في أي دولة، والدول المتقدمة تطورت من خلال إيلائها أهمية بالغة للتعليم، والدولة الجزائرية هي الأخرى وضعت نصب أعينها قطاع التربية كأولى اهتماماتها، وستنفق عليه وكل إنفاق تنفقه الجزائر في سبيل تحسين وتطوير نوعية التعليم في البلاد لا يمكن بأي حال من الأحوال وصفه بالإسراف”.

تحديات التدريس بالألواح الرقمية..

ومن جانبه، أكد الناطق الرسمي باسم نقابة المجلس الوطني الجزائري المستقل لمستخدمي التدريس للمستويات التعليمية الثلاث “كناباست”، مسعود بوديبة، على ضرورة توفير الأرضية اللازمة حتى يكون التدريس عن طريق الألواح الالكترونية ذو فعالية وفائدة بالنسبة لجميع التلاميذ على حد سواء.

وأوضح بوديبة، في تصريح لـ ” الأيام نيوز”، أن هذه الأرضية يجب توفيرها من ناحيتين، الناحية الأولى هي الناحية التقنية، التي تكمن في ضرورة تجهيز كل المؤسسات التربوية الجزائرية بالألواح الالكترونية في أقرب مدة ممكنة، وبالتساوي في جميع مناطق الوطن وعدم الاكتفاء بتجهيز 1629 مدرسة فقط.

وتابع بوديبة قائلاً: “لأنه لما نتكلم عن تجهيز أزيد من 1600 مدرسة ابتدائية، معناه نسبة لا تتجاوز العُشر من المؤسسات التي ستستفيد من لوحات الكترونية خلال الموسم الدراسي الحالي، والجزائر لديها أكثر من 20 ألف مدرسة ابتدائية تحتاج إلى التجهيز، ومن مبدأ تكافؤ الفرص، يجب بذل مجهودات كبيرة لتحقيق ذلك، كما يتطلب الأمر رفع قيمة الإنفاق لتوفير هذه الوسائل الإلكترونية لكل المدارس من جهة، والعمل على ضمان خدمة التغطية بالأنترنت في جميع مناطق الوطن من جهة أخرى.”

واسترسل ذات المتحدث قائلاً: “أما الناحية الثانية، تكمن في ضرورة توفير وتكوين اليد العاملة المؤهلة لإصلاح هذه الأجهزة في حالة تعرّضها للأعطال، ومراقبتها والوقوف على صيانتها وحمايتها من التلف.”

هذا وأشار بوديبة، إلى أن تعميم تجهيز المدارس باللوحات الالكترونية لا يكفي وحده لرقمنه المدرسة الجزائرية، بل يعتبر بداية وخطوة أولى نحو تحقيق مشروع المدرسة الرقمية في الجزائر، وللوصول إلى أقسام الكترونية من كل الجوانب لابد من تجهيز المدارس أيضا بالسبورة التفاعلية مع توفير جهاز حاسوب لكل طاولة، إضافة إلى ضرورة تكوين الأساتذة في هذا المجال، على حد قوله.

مسار رقمنة العمَلية التربوية..

ومن جانبه، يرى الخبير في تكنولوجيا المعلومات، وعضو التجمع الجزائري للناشطين في الرقميات، يزيد أقدال، أن الجزائر قطعت أشواطا معتبرة في رقمنة قطاع التربية، من خلال إطلاقها لنظام معلوماتي مركزي سمح برقمنة أغلب العمليات التربوية، وسهّل عملية تسيير الملفات الخاصة بالتمدرس، مثل وضع رقم تسلسلي تعريفي لكل تلميذ داخل هذه المنظومة، وفتح ملف إلكتروني خاص بكل متمدرس، كما يسمح بضبط وضعية الغيابات إلكترونيا، وكذا إجراءات تحويل التلاميذ أصبحت تتم بصورة إلكترونية هي الأخرى، ناهيك عن إعطاء الأولياء إمكانية متابعة تمدرس أطفالهم، حيث يمكنهم الاطلاع على نتائجهم المدرسية من خلال إنشاء فضاء افتراضي تفاعلي بين أولياء التلاميذ والمؤسسة التعليمية، كما بات، مؤخرا، بإمكان الأولياء المنخرطين في هذا الفضاء استعمال البطاقة النقدية الإلكترونية لبريد الجزائر، للدفع عن بعد عند اقتنائهم للكتب المدرسية، وغيرها من العمليات التربوية التي أصبحت تتم إلكترونياً.

وبخصوص استعمال الألواح الإلكترونية في عملية التَمدرس، أكد أقدال في تصريح لـ “الأيام نيوز”، على ضرورة اعتماد برنامج رقابة على هذه اللوحات الالكترونية لضمان استخدامها فعليا للدراسة فقط، مع إمكانية الولوج إلى بعض التطبيقات المحددة، إلى جانب الحرص على تكوين الأساتذة والمعلمين، حتى تكون لهم المعارف الكافية لاستغلال هذه اللوحات الرقمية الموضوعة تحت تصرفهم، خاصة إذا تعلق الأمر بتحديث البرمجيات أو تحيين البيانات، واستغلال الطابع التفاعلي الذي تتيحه هذه اللوحات والتطبيقات الإلكترونية التي يتم تثبيتها عبرها.

وبالمقابل، أشار الخبير أقدال، إلى أن التدريس باللوحات الالكترونية قد يطرح بعض العوائق التقَنِيَة كتعرّض بعض الأجهزة للتّلف، حيث “ينبغي الحرص على اختيار نوعية جيّدة تصمد مع الوقت وغير معرّضة للأعطال عند اقتناء هذه الوسائل”، كما يطرح أيضا إشكالية سوء خدمات الأنترنت في عدد من مناطق البلاد التي تعرف ضعفا في التغطية بشبكة الاتصالات، خاصة عندما يكون المحتوى الذي يجري تدريسه للتلاميذ عبر هذه الألواح محتوى “تفاعليا” يتطلب اتصال الجهاز بالأنترنت، وكلّها أمور يجب على السلطات الوصية أخذها بعين الاعتبار، لإنجاح عملية التمدرس بالألواح الرقمية -حسبه-.

توزيع أزيد من 71 ألف لوحة الكترونية..

وللإشارة، التحق، الأربعاء، أزيد من 11 مليون تلميذ جزائري بمؤسساتهم التربوية، على وقع استفادتهم من “الكتاب الرقمي”، وبداية تجسيد مشروع “المدرسة الرقمية” في سابقة أولى من نوعها في تاريخ التربية والتعليم بالجزائر، بالرغم من أن العملية مست 1629 مدرسة فقط، كمرحلة أولى في انتظار تعميمها على باقي مدارس الوطن، مع ضمان التكافؤ وإحداث التوازن بين مختلف مناطق البلاد شمال وجنوب شرق وغرب.

ويبلغ عدد التلاميذ الذين سيتابعون دروسهم هذه السنة باستخدام الألواح الإلكترونية في الطور الأول، أي أقسام السنوات الثالثة والرابعة والخامسة ابتدائي، أكثر من 72 ألف تلميذ.

وللعلم، عكفت وزارة التربية الجزائرية، على توفير ما يفوق 71 ألف لوحة الكترونية تم توزيعها على المؤسسات التربوية، تضاف إليها 1500 لوحة تكفَّل بها الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، في إطار اتفاقية مع الشركة الجزائرية للنقل وتسويق المحروقات (سوناطراك).

وتحتوي هذه اللوحات الإلكترونية، حسب مصادر مطلعة، على تطبيق أول يتمثل في “مكتبتي” الخاص بالمؤسسات التربوية الذي يتضمن كل كتب السنة الدراسية لسنوات 4،3 و5 ابتدائي، ويتم الدخول إليها بعد تفعيل التطبيق حسب الرقم التعريفي للتلميذ ورمز التفعيل من طرف المهندس المكلف بهذه المهمة، ليجد بذلك كل المواد التعليمية للسنة الدراسية.

ويكون التعامل بهذه اللوحات بشكل دائم ويومي إلى غاية نهاية الموسم الدراسي، وذلك بعد تلقّي التلميذ أبجديات التعامل معها، من فتح وغلق لها وكيفية الولوج إلى تطبيق “مكتبتي” والعمل به، ويمكن لوزارة التربية حذف أي تطبيق او إضافة آخر، أو حذف أي كتاب أو إدراج كتاب جديد مستقبلا.