الجزائر – روما.. هيّا إلى الاستثمار في الخيرات الثقافية

ظهر الرئيس الإيطالي، سيرجيو ماتاريلا ـ خلال حلوله مؤخرا ضيفا بالجزائر ـ وهو يدشن حديقة عمومية بعاصمة البلاد، تحمل اسم صديق الثورة التحريرية، الإيطالي «أنريكو ماتيي»، وكان ذلك في مشهد يختصر رسالة رمزية قوية مفادها أن العلاقات بين الجزائر وروما لا تقتصر على الجانب الاقتصادي والتجاري فحسب، بل تتعدى إلى الاستثمار في الخيرات الثقافية والجمالية وكذا الاستلهام من الرموز التاريخية المشتركة.

كما ظهر الرئيس ماتاريلا في مشهد آخر وهو يتلقى من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، حصانا عربيا أصيلا، فيما كانت له زيارة إلى مدينة عنابة (شمال شرق الجزائر) التي استقبلته بطريقة استثنائية كاشفة له عن وجهها الثقافي والسياحي والتاريخي من خلال الموقع الأثري هيبون إلى جانب كنيسة القديس أوغستين، هذا المعلم الديني الذي يرمز إلى التعايش وحوار الحضارات ما يبرز مساهمة الجزائر عبر التاريخ في مجال الفكر والإبداع خدمة للقيم الإنساني المشتركة.

وكان في استقبال الرئيس الإيطالي ـ يوم الأحد 07 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 ـ بكنيسة القديس أوغستين ممثل عن أبرشية قسنطينة (هيبون عنابة) الراهب تيونست بازيريكانا الذي قدم له عرضا حول تاريخ هذه الكنيسة التي تعود إلى القرن التاسع عشر وحياة القديس أوغستين (354-430) ميلادي.

الرئيس الإيطالي ـ الذي كان مرفوقا بكل من الوزير الأول الجزائري أيمن عبد الرحمان وأعضاء من طاقمه الحومي – تابع عرضا مفصلا حول هذا المعلم الديني تلقى من خلاله شروحات حول عمليات الترميم التي استفادت منها هذه الكنيسة عام 2013، لتبقى معلما ثقافيا وحضاريا ودينيا رمزا للتعايش وحوار الحضارات وتبرز مساهمة الجزائر عبر التاريخ في الفكر والحضارة الإنسانية، ولدى زيارته لتمثال القديس أوغستين وذلك بالساحة المقابلة للكنيسة تلقى الرئيس الإيطالي شروحات حول حياة هذا الفيلسوف ورجل الدين.

تقع كنيسة القديس أوغستين بالموقع الأثري «هيبون الرومانية» بمدينة عنابة وتعد معلما حضاريا ورمزا تاريخيا للتعايش بين الحضارات، وتحظى هذه الكنيسة الكاثوليكية التي دشنت عام 1900 بطابع معماري يمزج بين الطراز المغاربي والبيزنطي والروماني بسمعة عالمية بفضل الأبعاد الفكرية والحضارية والإنسانية التي حملها رجل الدين والمفكر والفلسفة القديس أوغستين (354- 430) ميلادي الذي تحمل اسمه.

بأعالي هضبة بوخضرة

وتطل كنيسة القديس أوغستين أسقف «هيبون الرومانية» من أعالي هضبة بوخضرة على الآثار الرومانية لتتحول بذلك إلى قبلة للعبادة والوقوف على مسارات هذه الشخصية ووجهة للسياحة الدينية، وقد استفاد هذا المعلم الديني من عمليات ترميم انتهت عام 2013 بعد أن دامت 32 شهرا بغلاف مالي قارب الـ500 مليون دج تم تخصيصه بفضل مساهمات السلطات العمومية الجزائرية وهيئات كنيسية وجمعوية.

وقد مكنت عمليات ترميم الكنيسة من استعادة رونقها والحفاظ على الزخرفات والألوان التي تميز مبنى الكنيسة التي استعمل في تشييدها الكثير من المواد المتميزة على غرار الخشب الصلب والرخام الأبيض والأحمر، وتضم هذه الكنيسة التابعة لأبرشية قسنطينة وعنابة قاعة للصلاة وثلاث محارب يحمل أحدهم تمثال ضريح القديس أوغستين وجزء من رفاته بالإضافة إلى بيت الكاهن وأجنحة جانبية من بينها موناستير تأوي مسنين.

وتسجل كنيسة القديس أوغستين ـ الذي ولد بطاغست (سوق أهراس حاليا) ودرس بمادور (مداوروش حاليا) بولاية سوق أهراس ـ نحو 19 ألف زائر من داخل وخارج البلاد من بينهم وفود أجنبية للعبادة وزوار للسياحة الاستكشافية والتاريخية.

مرجعية حضارية تضرب في عمق التاريخ

ومن جانب آخر أبدى رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا إعجابه الكبير بالموقع الأثري هيبون حيث تابع ضيف الجزائر باهتمام كبير العرض المقدم له حول محتويات المتحف المتواجد بهذا الموقع الأثري وذلك ضمن برنامج زيارته إلى الجزائر على رأس وفد هام.

ومن أهم ما أثار إعجاب الرئيس الإيطالي هو القطع الفسيفسائية المتنوعة حيث طلب من مقدم العرض معلومات إضافية حول طبيعة المواد المستعملة فيها وخاصة جودة الرخام والألوان الزاهية التي تحتويها.

ولدى وقوفه أمام تصميم تذكاري من البرونز يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد يخلد انتصار القنصل الروماني يوليوس قيصر على خصومه من أنصار القنصل بومبي وذلك سنة 46 قبل الميلاد أبدى الرئيس الإيطالي اهتماما خاصا بهذه القطعة الأثرية خاصة بعدما علم أنها فريدة من نوعها في العالم.

كما أبدى ضيف الجزائر إعجابه بالمنظر الطبيعي العام الذي تتوفر عليه مدينة هيبون الأثرية التي تقع بعنابة (أقصى شمال شرق الجزائر) أحد شواهد البعد الحضاري والامتداد التاريخي للجزائر التي عرفت تعاقب عديد الحضارات وساهمت في بناء تاريخ وحضارة الإنسانية.

فهيبون التي كانت مركزا تجاريا فينيقيا في القرن الثاني عشر قبل الميلاد أصبحت مدينة نوميدية للملك الأمازيغي ماسينيسا قبل ضمها من قبل الرومان لتشكل واحدة من مقاطعاتهم المهمة في شمال إفريقيا بدليل أن الحفريات الأثرية وأطلال الموقع لا تزال تشهد على تاريخها البعيد جدا.

نافذة على الحضارات القديمة

ويتربع الموقع الأثري هيبون التابع للديوان الوطني لتسيير الممتلكات الثقافية المحمية الذي زاره الرئيس ماتاريلا على 70 هكتارا من بينها 26 هكتارا خضعت للحفريات ومكنت من اكتشاف معالم وتحف أثرية تشهد على تعاقب الحضارات القديمة من بينها الحضارات النوميدية والفينيقية، فالرومانية قبل الفتوحات الإسلامية.

ويضم هذا الموقع الأثري آثارا ذات قيمة تاريخية هامة من بينها الحي الإقامي بلوحات فسيفسائية تعكس مظاهر الحياة وانتعاشها آنذاك في مختلف المجالات والحي المسيحي بكنيسية القديس أوغستين بالإضافة إلى موقع الفوروم والحمامات التي تضم مسرحا نصف دائري ومدرجا بالإضافة إلى عديد التماثيل التي ترمز إلى شخصيات قديمة.

ويكتنز متحف هيبون قطعا أثرية نادرة وفريدة من نوعها من بينها منحوتات قديمة ولوحات فسيفسائية وقطع نقدية ومزهريات وأواني منزلية وتماثيل رخامية وأقنعة حربية من البرونز والرخام الأبيض من بينها قناع الغرغون الذي تعرض للسرقة ثم استرجع إلى ذات الموقع الأثري عام 2020 .

موقع يستحق التصنيف العالمي

ويعد الموقع الأثري هيبون المصنف وطنيا ثالث موقع بالجزائر يستفيد من مخطط حماية، حيث تسعى السلطات العمومية حاليا إلى تصنيفه عالميا، حسب ما أفاد به للصحافة مدير المتحف «عمارة نوارة» الذي ذكر بأن الموقع قد استفاد من برنامج صيانة مكن من تأهيل نظام حماية للموقع .

ويستقبل الموقع الأثري هيبون نحو 15 ألف زائر سنويا بحيث أعدت إدارة المتحف مسارات للسياحة التاريخية والدينية باتجاه كنيسة القديس أوغستين التي توجد بذات الموقع ومسارات أخرى للسياحة التاريخية، كما يستقبل الموقع الأثري الطلبة والباحثين بصفة دورية وكذا تلاميذ المؤسسات التربوية وذلك في إطار نشاطات بيداغوجية مبرمجة بالتنسيق مع مديرية التربية، حسب ما تمت الإشارة إليه.

حماية الممتلكات الثقافية

جرى تنظيم لقاء حول “فرص التعاون الجزائري-الإيطالي في مجال حماية وترميم الممتلكات الثقافية” يوم الاثنين 08 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، بمسرح سفارة إيطاليا نشطه فاعلون ومختصون في هذا المجال.

ويندرج هذا اللقاء ـ الذي نظم في إطار زيارة الدولة التي قام بها مؤخرا رئيس جمهورية إيطاليا سيرجيو ماتاريلا إلى الجزائر، وقد بادر به سفير إيطاليا بالجزائر جيوفاني بوغليس ـ ضمن اتفاقية التعاون العلمي الموقع عليها بين المعهد المركزي للترميم بروما والمدرسة الوطنية العليا لحفظ وترميم الممتلكات الثقافية.

وصف جيوفاني زيارة الرئيس الإيطالي للجزائر بـ”التاريخية” مشيرا إلى أن التعاون الجزائري-الإيطالي في مجال الحفاظ وترميم الممتلكات الثقافية يعود إلى عدة سنوات، كما ذكر ببعض الانجازات” الناجحة” في هذا المجال سيما قصر الرياس بالعاصمة.

ومن جهته، تطرق مدير المدرسة الوطنية العليا للحفاظ وترميم الممتلكات الثقافية، محمد شريف حمزة، مطولا إلى مضامين وبنود الاتفاقية التي تمتد صلاحيتها إلى “ثلاث سنوات”.

كما ذكر المتدخل ببنود اتفاقية التعاون بين الطرفيين الجزائري والإيطالي في قطاع التنظيم البيداغوجي سيما تبادل المعلومات الخاصة بالهيئة البيداغوجية وبرامج التعليم.

وفي مجال التكوين، تحدث محمد شريف حمزة عن تنظيم تبادل بين الطلبة والأساتذة الباحثين والتنسيق في إطار مشاريع البحث والمخابر الخاصة بالحفاظ وترميم الممتلكات الثقافية إضافة إلى إمكانية تنظيم لقاءات حول المواضيع ذات الاهتمام المشترك.

وتميز هذا اللقاء بتدخل مديرة المعهد المركزي الإيطالي للترميم أليساندرا مارينو ومديرة المعهد الثقافي الإيطالي بالجزائر العاصمة أنتونيا غراند ورئيس المجلس الوطني الجزائري لنقابة المهندسين المعماريين مصطفى تيبورتين ومدير الجمعية الإيطالية للترميم الهندسي والفني والحضري «أسوريستورو» أليساندرو بوزيتي وأندريا غريليتو.

تعاون ثقافي محوره الحفاظ على التراث

ويشكل التعاون في المجال الثقافي، محورا هاما في العلاقات الجزائرية الإيطالية سيما فيما يخص حماية وترميم الممتلكات الثقافية، إذْ تجسد من خلال عدد هام من مشاريع الحماية والترميم والتكوين التي تشهد عليها اليوم عديد المعالم التاريخية الجزائرية.

وعلاوة على التعاون في المجال السينمائي الذي بلغ أوجه في سنوات الستينات والسبعينات وإنشاء معهد ثقافي إيطالي في الجزائر غداة استعادة السيادة الوطنية فإن هناك عديد الاتفاقات بين الجزائر وإيطاليا في إطار مجهود مشترك في مجال حماية التراث الديني والفني والثقافي.

وتلعب إيطاليا منذ عديد السنوات دورا هاما في تثمين وترميم التراث الثقافي الجزائري حيث تم التوقيع في عام 2007، على مذكرة تفاهم بين وزارة الثقافة الجزائرية ووزير التراث الثقافي الإيطالي من أجل وضع استراتيجيات للحفاظ على التراث الجزائري، مع التأكيد بشكل خاص على قصبة الجزائر وإنشاء مدرسة للترميم ومركز وطني لتصنيف وتوثيق التراث الثقافي.

أما فيما يخص الترميم فإن أحد أهم المعالم التاريخية في العاصمة المتمثل في قصر الرياس التابع للقطاع المحمي لقصبة الجزائر والذي يضم ثلاثة قصور عثمانية ومجموعة من المواقع والزخارف الخزفية والخشب المصقول قد تم وضعها بين الأيدي الخبيرة الإيطالية.

كما أنه غالبا ما تمت الاستعانة بالخبرة الإيطالية لإجراء عمليات محددة للترميم والخبرة في قصبة الجزائر أو على مستوى مواقع أخرى للتراث الثقافي المادي للحقبة الرومانية أو خبرات لليونسكو أو عمليات للاتحاد الأوروبي.

ترميم «انتصار ديونيسوس»

وقد كلف المعهد المركزي الإيطالي للترميم في عام 2010 بترميم فسيفساء «انتصار ديونيسوس» من القرن الثالث الميلادي المتواجدة بالمتحف الوطني للآثار بسطيف بمقتضى اتفاق وقع في عام 2008 مع مؤسسة «ايني» الجزائر وجامعة روما وسفارة إيطاليا.

ومؤخرا تم إسناد مشروع ترميم فسيفاء من العهد الروماني تعود إلى القرن الخامس الميلادي، إلى مجموعة خبراء إيطاليين، يعملون أيضا على تكوين مجموعة من المحافظين الأثريين ومختصين جزائريين في هذا المجال.

إسهام معتبر في علم الآثار والتكوين

كما ساهمت إيطاليا بشكل كبير في مجال علم الآثار خلال السنوات الأخيرة من خلال المشاركة في مشروع الخريطة الأثرية للشرق الجزائري التي شرع فيها في عام 2003، بفضل الجهود المشتركة لجامعة ترينتو والمركز الوطني للبحوث في علم الآثار الجزائرية حيث مكن المشروع من استكشاف وتوثيق تاريخ الريف الجزائري في العهد الروماني حول مدينتي «الطارف» و«سوق أهراس»، فضلا عن إنشاء خريطة رقمية لعلم الآثار للحظيرة الوطنية بولاية «القالة».

وبالتعاون مع مراكز أخرى للأبحاث وجامعات إيطالية تم القيام بعمليات مسح أثري في مدينة شرشال وفي محيط مدينة عنابة القديمة، كما تم إعداد كل واحد من هذه المشاريع في شكل ورشة تضم مختصين وطلبة جزائريين من اجل تدعيم الكفاءات الجزائرية في مجال التراث.

وفي إطار برنامج الدعم من الاتحاد الأوروبي وتثمين التراث الثقافي في الجزائر الذي يعد أكبر تمويل يمنحه الاتحاد الأوروبي في مجال التراث ويشرف عليه خبراء إيطاليين، فقد تم اختيار قصبة الجزائر والضريح البربري بإمدغاسن بولاية باتنة والمتحف الوطني للآثار القديمة لتخضع لعمليات نموذجية لتدعيم منهجية تصنيف الأملاك الثقافية، وتم في هذا الصدد القيام بعديد البرامج التكوينية مع المدرسة الوطنية للمحافظة على الأملاك الثقافية بالجزائر وعديد المدن وذلك بالشراكة مع جمعيات ومؤسسات تكوين مهني مع فتح ورشات مدراس.