الجزائر.. سطوع نجم وتوهّج اسم في زمن المقاومة

والعالم على أعتاب ولوج العقد الثالث من القرن العشرين، وفرنسا تتأهب للاحتفال بمرور قرن من الزمان على احتلالها الجزائر، سطع نجم شمال إفريقيا مثل الكابوس المفزع، وضاء لينغص على المستعمر سماء السكينة التي كان قد بناها على أجساد وجماجم مئات الآلاف، بل الملايين، من الأبرياء العزل، و”مدن” صامتة لا تنتهي من المقابر والمدافن والأجداث، كانت ثمنا لإخماد نيران المقاومة والتمرد والرفض، آخرها مقاومة الشيخ “آمود بن مختار”.

وكان الشيخ “آمود” قد أعلن الجهاد ضد الفرنسيس بعمق الصحراء الكبرى، غداة وصول أولى الفلول الاستعمارية إلى المنطقة، فبفضل علمه وفقهه، وكذا موقع قبيلته بين قبائل طوارق الصحراء، نادى الشيخ “آمود أغ المختار” في أنصاره وأتباعه من عديد القبائل التارقية، والذين سرعان ما لبوا نداء الجهاد ضد المستعمر الفرنسي.

وكان أول احتكاك لمجاهدي الجزائر من الطوارق بقوات الاستعمار الفرنسي، في عمق الصحراء، العام 1881م، وذلك من خلال عدد من المعارك والمناوشات، كانت معركة “بئر الغرامة”، والتي قتل فيها قائد فرنسي برتبة رائد، أهمها وأكبرها، ليكون لمصرع “الكومندان” أثر كبير على معنويات بقية القادة الفرنسيين وجنودهم، لدرجة أن فضلوا التراجع إلى الشمال، ولم يعودوا إلى المنطقة إلا العام 1889م.

لتتجدد المعارك إثر ذلك بين مجاهدي الشيخ “آمود” والجيش الاستعماري الذي عاد هذه المرة بأكثر عدة وعدد، من أجل احتلال الصحراء الكبرى، والانتهاء من مقاومة الطوارق.. إلا أن الوضع الميداني لم يكن كما حلم به المستعمرون، بما أن الشيخ “آمود” لا يزال مستعدا لهم متربصا بهم، فكانت معركة إليزي العام 1904م أشرس معركة يخوضها الفرنسيس، تلتها العام 1909م معركة “جانت”، وما بينهما كانت قد جرت معارك ومناوشات سجال.

استطاع الفرنسيون احتلال “تامنغست” العالم 1911م، لكنهم لم يتمكنوا من القضاء على مقاومة الشيخ “آمود”، والذي جدد هجوماته على حصون المستعمر الجديد بأكثر عزيمة وشراسة.. فكانت معركة “إيسين” العام 1913م، ومعركة “عين إيمجن” العام 1916م، وما بين المعركتين معارك أخرى ومناوشات عمت الإقليم الصحراوي برمته. لكن، ولشساعة المكان، واختلال التوازن في العدة والسلاح بين الشيخ “آمود” والقوات “الاستعمارية”، اضطر الشيخ إلى مغادرة الأراضي الجزائرية واللجوء إلى فزان الليبية، أين أكمل حياته وقد بلغ من العمر عتيا، حيث توفي العام 1928م.. وبموته تكون آخر جذوات الرفض والمقاومة بالحديد والنار قد انطفأت، لتترك المجال إلى مقاومة أخرى وسلاح آخر ووجوه وأسماء جديدة لمواصلة الكفاح.

إلى هنا، يعتبر الأمير الأكبر عبد القادر بن محي الدين؛ مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، وأما الأمير خالد فهو الأب العضوي للحركة الوطنية، وأما الحاج مصالي فيعد الأب الفعلي للأمة.. على ما أجمع عليه المؤرخون واتفق عليه الدارسون والمحللون للتاريخ الجزائري الحديث والمعاصر.

من قصر “إيغمونت” بالعاصمة “بروكسل“، كانت الصرخة مدوية رهيبة في هذا العاشر من شهر فبراير العام 1927م، أمام 175 مندوبًا حضروا من مختلف بقاع العالم، منهم 107 أتوا من 37 دولة خاضعة لـ “الحكم الاستعماري”، ومن بينهم كان “الحاج مصالي” صاحب “الصرخة القنبلة” التي وردت في كلمته للمؤتمرين، الكلمة التي اختزلها المؤرخون فيما بعد، في مطلبين اثنين، كانا كفيلين بهز عرش القوة الاستعمارية الغاشمة:

  • الاستقلال الكامل للجزائر
  • الانسحاب التام لقوات الاحتلال

كانت فعلا بمثابة صاعقة تنزّلت فوق رؤوس المستعمرين وغلاة عقيدة؛ الجزائر فرنسية.. كما كانت فرصة للطلاق بين نجم الشمال والحزب الشيوعي الفرنسي، بعد تصادم القناعة الوطنية الاستقلالية الراسخة لدى “مصالي”، بالنزعة الاستعمارية الكامنة لدى الفرنسيس “على شيوعيتهم”، كما انسحب معظم الشيوعيين من صفوف النجم تضامنا مع الحزب الشيوعي.. المناضلون المغاربة بدورهم فضلوا الانسحاب أمام ما أسموه هيمنة “مصالي”، ليتركوا نجم شمال إفريقيا حزبا جزائريا خالصا.

من “صرخة فبراير” وخطاب الربع ساعة الأخير، بحضور “أينشتاين” و”نهرو”، بدأت المعركة الفعلية للنضال والكفاح من أجل استقلال الجزائر، من هنا، من بروكسل عاصمة بلجيكا، حيث يعقد مؤتمر الـ”حركة الشاملة المناهضة للاستعمار والإمبريالية” على مستوى العالم.. المؤتمر الذي حضرته شخصيات وأسماء عالمية سياسية وغير سياسية، في شكل؛ “يوشيا تشانغانا غوميد” ممثلًا عن المؤتمر الوطني الإفريقي “ANC” لجنوب إفريقيا.. “الشاذلي خير الله” و”مصالي الحاج” عن حزب نجم شمال إفريقيا.. دعاة السلام “هنري باربوس” و”غابريال دوشين”.. كما حضره “ألبرت أينشتاين” و”جواهر لال نهرو“.. وأعضاء من الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان، منهم “فيكتور باخ”.. وغيرهم من دعاة السلام في العالم… من هنا قلنا، من هذا المؤتمر سيسجّل التاريخ بداية بروز “نجم” زعيم عالمي جديد اسمه “مصالي الحاج”، والذي سوف يكون كسيف داموقليس على رأس الإدارة الاستعمارية الفرنسية الغاشمة.

ورغم انسحاب المناضلين المغاربة من صفوف حزب النجم، إلا أن “مصالي” لم يتوقف عن مطالبة الاستعمار بالخروج من المغرب العربي برمته، واستقلال أقطاره الثلاثة؛ تونس، الجزائر والمغرب الأقصى. لتبدأ رحلة الزعيم وحيدا في مواجهة ظلم المحاكم الاستعمارية، وأحكامها المتعسفة بالسجن تارة وبالنفي تارة أخرى.. ناهيك عن المضايقات الأمنية، والمنع من ممارسة أي نشاط سياسي.. إلى حل حزبه شهر نوفمبر العام 1929م، قبيل بضعة أشهر عن انطلاق مهرجانات الاحتفال بمائوية الاحتلال الفرنسي للجزائر.

لم ييأس الزعيم ولم يفشل، بل كان يخرج في كل مرة أشد مراسا وأقوى شكيمة وأكثر عزيمة.. يلملم شتات نفسه ويستجمع قوى ذاته، ويخرج على أنصاره منتصبا جلدا؛ يواسي هذا ويرفع من معنويات ذاك، ويعد الجميع بالنصر القادم لا محالة، لأنهم على حق وعدوهم على باطل.. يتساءل بعضهم عن سر هذه القوة الرهيبة التي يتمتع بها الزعيم، فيجيب المؤرخ “محمد حربي”؛ لقد نجح مصالي الحاج في إقامة نوع من التكامل بين الفكر الشيوعي ومبادئ الدين الإسلامي، وإن كانت الغلبة في مواثيق “حزب الشعب” بعد ذلك، لمصلحة التوجه الإسلامي فكرا وعقيدة وخيارا.

رمَّم الزعيم حواشي حزبه ورص صفوفه، وانطلق في حملة توعوية تعبوية من جديد.. وتزامنت عودة الزعيم إلى النشاط بعد الحظر، مع مظاهرات فبراير 1934م المناهضة للفاشية في باريس، والتي نظمتها القوى اليسارية القريبة فكرا من مبادئ النجم، ليستغل الحدث ويدعو مناضليه إلى المشاركة في المظاهرات.. المشاركة التي بسببها تم القبض عليه مرة أخرى، وحكم عليه بستة أشهر حبسا نافذا مع قرار حل الحزب.

استنفذ العقوبة وخرج من السجن، فكان أول قرار اتخذه هو حل الحزب وتأسيس تنظيم جديد، بمشاركة مناضلين جدد من خارج حزب النجم، أسماه: الاتحاد الوطني لمسلمي شمال إفريقيا، وانتخب “مصالي الحاج” رئيسا له، شهر فبراير العام 1935م.. ليمثل أمام القضاء من جديد، شهر ماي من نفس السنة، فلم يجد بدا من الفرار إلى سويسرا، حيث التقى الأمير “شكيب أرسلان” الذي كان يستعد حينذاك لتنظيم مؤتمر إسلامي عالمي شهر سبتمبر 1935م، في جنيف، وقد دعا إليه وفود مختلف الدول الإسلامية كلها، فكانت الفرصة سانحة للزعيم “مصالي الحاج” ليقود الوفد الجزائري في هذا المؤتمر، ويقوم بشرح القضية الجزائرية، ومطالبة ممثلي المسلمين في العالم بمساندة الشعب الجزائري في الدفاع عن حقوقه الشرعية.. لتأخذ القضية الجزائرية بعدها الإسلامي، بعدما كانت مقتصرة على البعد القومي العربي والإقليمي المغاربي.