الجزائر – فلسطين.. قصة حب أزلية لا يفهمها سوى الثوار

أيَظُنُّ الظَّانُّون أن الجزائر بعراقتها في الإسلام والعروبة، تنسى فلسطين؟ وتضعها في غير منزلتها التي وضعَها الإسلامُ من نفسها؟ لا والله: يأبَى لها ذلك شرف الإسلام، ومجد العروبة، ووشائج القربى”. من مقالة للعلاَمة “محمد البشير الإبراهيمي”، نشرها في العدد الخامس من جريدة البصائر، سنة 1947، وهي تؤكّد أمرين هامين للغاية. الأوّل أن الجزائر لم تتخلّ عن فلسطين، حتى وهي تُعاني وحشية الاستعمار، وتستعد لتفجير ثورتها التحريرية المجيدة. والأمر الثاني، أن “الظّانين” سوءًا بالجزائر كانوا موجودين منذ ذلك الوقت. ولعلّهم كانوا يدركون أن الجزائري، رغم جراحه الدامية بسبب الاستعمار، فهو خيرُ نصير للشعب الفلسطيني.

رغم الاستعمار.. الجزائريون مع فلسطين

عجز الاستعمار الفرنسي في عزل الجزائر عن امتدادها العربي والإسلامي، وظلّت متفاعلة مع قضايا الأمّة، من خلال أعلامها وعلمائها وشخصياتها الوطنية. وقد كانت جمعية العلماء المُسلمين من أبرز مُمثّلي الوجدان الجزائري، خلال فترة الأربعينيات من القرن الماضي، على الخصوص. وجنّدت أقلامها للدفاع عن فلسطين باعتبارها جوهر القضايا العربية والإسلامية. ونقرأ في المقالة، المُشار إليها سابقا، قولَ العلاّمة “محمد البشير الإبراهيمي”: “في عنق كل مسلم جزائري لك يا فلسطين حقٌّ واجبُ الأداء. وذمامٌ متأكِّدُ الرعاية، فإن فرَّط في جنبك، أو أضاع بعض حقِّك، فما الذنب ذنبه، وإنما هو ذنب الاستعمار الذي يحُول بين المرء وأخيه. والمرء وداره، والمسلم وقبيلته”، وهو ما يؤكّد بأن الجزائر، التي كانت قد جاوزت القرن تحت نير الاستعمار المُوحّش. لم تتخلّف عن دعم فلسطين، وتحفيز الهمم العربية والإسلامية لنصرتها.

هيئة جزائرية قبل ثورة التحرير لإعانة فلسطين

يوم 18 جوان 1948 أعلنت جريدة البصائر عن تأسيس “الهيئة العليا لإعانة فلسطين”، بمبادرة قادها عُلماء من جمعية العلماء والمسلمين. وشارك فيها ممثلون عن بعض الأحزاب والزوايا. وحول أسباب تأسيس هذه الهيئة، قال العلاّمة “البشير الإبراهيمي”: “إعانة فلسطين فريضة مُؤكّدة على كلّ عربي، وعلى كلّ مسلمٍ، فمن قام به أدّى ما عليه من حق لعروبته ولإسلامه. ومن لم يُؤدّه فهو دَين في ذمّته لا يبرأ منه إلا بأدائه”. وحول نصرة فلسطين، قال العلاّمة: “وليستْ تُــــنال بالشّعريات والخطابيات.. وإنّما تُنال بالتصميم والحزم والإتحاد والقوّة، إنّ الصهيونية وأنصارها مُصمّمون، فقابلوا التصميم بتصميم أقوى منه، وقابلوا الإتّحاد باتّحاد أمتن منه”.

جزائريات دعّمنَ فلسطين في 1948

لم يتأخّر الجزائريون عن دعوة الجهاد في فلسطين آنذاك، ورغم شدّة الحاجة وشُحّ المادة، فهناك من لبّى تلك الدعوة بقلب جزائري عامر بالإيمان والشجاعة. ومن “آيات” الدعم المادي التي تكشف توأمة الروح بين فلسطين والجزائر، ما نشره موقع “البصائر” حول مساهمة المرأة الجزائرية في مساندة “أمّ” القضايا العربية. حيث جاء فيه “ففي يوم الجمعة 28 ماي 1948، بمدرسة الفلاح، وبمناسبة انعقاد مؤتمر شُعَب جمعية العلماء، وإثر صلاة الجمعة. تقدّمت امرأة مؤمنة قانتة إلى الأَمام، وهي من حاضرات الجمعة وسامعات الخُطَب، فوهبت حُلـيّـها وهو سوار ذهبي، ذو قيمة باهظة، فرمت به قنبلةً في صميم أعداء العروبة والإسلام بفلسطين الشهيدة، وكانت هذه المجاهدة الكريمة السابقة للقصبة بهذه البلاد”.

الشعب الجزائري هو الأقدرُ على الإحساس بالشعب الفلسطيني

أثبتت الأيام والسنين بأن الشعب الجزائري هو الشعب الأقدر على فهم القضية الفلسطينية والشعور بالآلام والهموم اليومية للشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، قال الأكاديمي والمحلل السياسي الجزائري “زهير بوعمامة”: “مع احترامي لكل أصدقائنا العرب. نرى (نحن الجزائريون) في الفلسطينيين ماضينا، والفلسطينيين يرون فينا مستقبلهم. وأيضا نشعر بهم أكثر، لأننا مررنا وعشنا، وليس الذي عاش شيئا. كالذي سمع به فقط، والتزامنا بالقضية، التزامٌ تاريخيٌّ وحتى سابق لاستقلالنا. لدينا أمثله كثيرة على أن جزائريين تحرّكوا، وهُم تحت الاحتلال، وذهبوا وشاركوا في المقاومات الأولى إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين”.

توأمة الروح الجزائرية الفلسطينية

إن توأمة الروح الجزائرية الفلسطينية تتجلّى في التفاصيل اليومية للجزائريين. وقد أكّدها رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون”، في جويلية من هذا العام، بأنه لا يُوجد “صبي أو كهل جزائري لا يدعم فلسطين”. كما أكّد بأن “فلسطين هي قضية وطنية بالنسبة إلى الجزائر، ونحن لا نقبل الاستعمار”. وأضاف: “لو استعمرت فلسطينَ أقوى دولة في العالم فسنبقى ندعمها. وفلسطين للفلسطينيين، وليست لغيرهم”. وتابع قائلا: “نحن حاربنا الاستعمار ودفعنا قوافل الشهداء. ولا يمكن أن نقبل أن تُستعمَر دولة، وسنحارب الاستعمار أينما كان”.

إعلان الجزائر” و”قمة فلسطين”

“نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. مقولةٌ أطلقها الرئيس الراحل “هواري بومدين”، وظلّت تتردّد عبر العقود، لأنها لم تكن شعارا سياسيا أو إعلاميا، ولكنها موقفٌ التزمت به الجزائر. وعملت على تجسيده عبر مسيرتها الداعمة للقضية الفلسطينية. وقد تجلّى بوضوح أكبر في القمة العربية الأخيرة في الجزائر، التي سُميَّت “قمةَ فلسطين”. بالإضافة إلى وثيقة “إعلان الجزائر” التي وقّعتها الأطراف الفلسطينية المُشاركة في مؤتمر “لم الشمل من أجل تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية”. وقد قال رئيس الجمهورية الجزائرية “عبد المجيد تبون”، خلال توقيع الاتفاقية، “أتمنى عن قريب أن نرى قيام دولة فلسطين المستقلة كاملة الأركان”. وأضاف: “قبل أربعين سنة، وفي القاعة نفسها، وتحت السقف نفسه، أُعلن من طرف ياسر عرفات، قيام دولة فلسطينية. التي مضت بنكسات ومشكلات ومؤامرات، واليوم هو يوم تاريخي، ورجعت المياه إلى مجاريها”.

رسالة جزائرية إلى الشعب الفلسطيني

في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الموافق لـ 29 نوفمبر /تشرين الثاني من كل عام. وجّه رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون” رسالة إلى الشعب الفلسطيني. أكّد فيها الموقف الجزائري الثابت والدائم في دعم الشعب الفلسطيني. حيث جاء في الرسالة: “يطيب لي في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أن أتوجه إليه بخالص التحية. مؤكدًا في هذه الـمناسبة موقفنا الـمبدئي الثابت الداعم لنضاله من أجل استرجاع حقوقه الـمغتصبة، التي تَكْفلُها الشرعية الدولية”.

ترجمةُ التضامن الدولي إلى أعمال

أوضح رئيس الجمهورية بأن التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني يجب أن يتم ترجمته في مواقف وأعمال. ولا يجب أن يكون مجرد مناسبة احتفالية فحسب. حيث قال في الرسالة: “إنَّ إحياءَ هذا اليوم، هو تأكيدٌ صريحٌ لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، في إقامة دولته الـمستقلة وعاصمتـها القدس. وفرصَةٌ، لِتذكيرِ الـمجتمع الدولي بمسؤولياته التاريخية والسياسية والقانونية والأخلاقية والإنسانية تُجاهه، فما يَحتاجُه الشعب الفلسطيني هو أَنْ تَتِمَّ ترجمةُ التضامن الدولي إلى خطوات عملية. وإجراءاتٍ تنفيذية، الأمر الذي يَستدعي وقفةً جادة وحازمة من الأسرة الدولية، وخاصَّةً من مجلس الأمن والجمعية العامة. ليس فقط لِوَضْع حَدٍّ لتَعنُّتِ الاحتلالِ، ورَفْضه الالتزام بالشرعية والقرارات الدولية. وإنَّما بالـمُناهضة الفعلية والقوية لـمنظومة الاستيطان التي يُقَوِّضُ الاحتلال من خلالها كلَّ فُرص تحقيق حلِّ الدولتيْن. ويُنْتِجُ بانتهاجها واقعًا مريرًا من التمييز وازدواجية الـمعايير”.

حماية الشعب الفلسطيني ومُحاسبة الكيان الغاصب

دعا رئيس الجمهورية إلى حماية الشعب الفلسطيني وتفعيل آليات الملاحقة والمحاسبة لانتهاكات الكيان الصهيوني. وقال: “إنَّنا نُجدِّد في هذه الـمناسبة الدعوةَ إلى ضرورة تطبيق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة وغيرها من الـمراجع القانونية الدولية. والارتكاز على مبادئ الـمحاسبة والـمساواة أمام العدالة الدولية، بتفعيلِ الآلياتِ اللازمة للملاحقة القضائية والجنائية لـما يقوم به الاحتلال من انتـهاكاتٍ متزايدة. وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني الأعزل”.

الجزائر تتصدّى لمحاولات تغييب القضية الفلسطينية

ذكّر الرئيس بجهود الجزائر في إحداث المصالحة (الفلسطينية – الفلسطينية) لإنهاء الانقسام بين إخوة الدم والأرض والمصير. وتكثيف الجهود والمساهمات لمواجهة “الـمساعي الرامية لتغييب القضية الفلسطينية”. حيث كان هدف الجزائر هو تحقيق الوئام بين الفلسطينيين ليوحّدوا قواهم وجهودهم في خدمة قضيتهم وقضية الأمة العربية. وقال: “وهو ما سعت الجزائر إليه على الدوام، حيث قامت، من هذا الـمنطلق. وبإشرافي الـمباشر والشخصي، باستضافة جولات مصالحة ما بين الفصائل الفلسطينية. تكلَّلتْ باعتماد (إعلان الجزائر) الذي حظي بمباركة الأمين العام للأمم الـمتحدة، والأمين العام لجامعة الدول العربية، والعديد من الدول. والذي يـهدف إلى التأسيس الفعلي لأرضية حقيقية تُنهي الانقسام وتُفضي إلى الالتفاف حول مطالب موحَّدة تقود إلى إنصاف الشعب الفلسطيني واسترداده لحريته وسيادته الـمسلوبتين منذ عقود طويلة”.

دعمٌ مُطلق لحقوق الشعب الفلسطيني

في ختام رسالته، أشار رئيس الجمهورية “عبد المجيد تبون” إلى أن الجزائر التزمت بوضع المسألة الفلسطينية كقضية مركزية. والتمسّك بالدعم المُطلق لحقوق الشعب الفلسطيني. حيث جاء في الرسالة: “التزمنا خلال القمة العربية التي انعقدت مؤخرا بالجزائر، بوضع الـمسألة الفلسطينية كقضية مركزية أولى في ظل الأوضاع الدولية الراهنة. وأكدنا في أبرز عناوينـها ومخرجاتها تمسكنا ودعمنا الـمطلق لحقوق الشعب الفلسطيني غيـر القابلة للتصرف، في الحرية وتقرير الـمصير وإقامة دولة فلسطين الـمستقلة كاملة السيادة على حدود 4 جوان 1967، وعاصمتـها القدس الشريف”.

إعلان قيام دولة فلسطين من قصر الصنوبر في الجزائر

يُذكر أن الشعب الفلسطيني أحيا في الخامس عشر من هذا الشهر، ذكرى إعلان وثيقة الاستقلال. ففي مثل ذلك اليوم من سنة 1988، صَدَح صوت الرئيس الراحل “ياسر عرفات”، في قاعة قصر الصنوبر في الجزائر، أمام المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشر. قائلًا: “فإن المجلس الوطني يعلن، باسم الله، وباسم الشعب العربي الفلسطيني، قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف”.