الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الجزائر في زمن التحوّلات.. دبلوماسية متوازنة ترسم أدوارًا جديدة

Author
إيمان عبروس 26 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

وفق عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، لم تعد الدبلوماسية تُقاس بميزان القوة فقط، بل بقدرة الدول على تحقيق التوازن وفتح قنوات الحوار. وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كواحدة من الدول التي نجحت في ترسيخ نموذج دبلوماسي قائم على الاعتدال والواقعية السياسية. وفي تصريح لـ“الأيام نيوز”، أكد الخبير عبد الرحمان هادف أن السياسة الخارجية الجزائرية باتت تمثل نموذجًا متقدمًا للدبلوماسية المتوازنة، التي تجمع بين حماية المصالح الوطنية والمساهمة في تعزيز الاستقرار الدولي.

عبد الرحمان هادف

في ظل عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتزايد فيه بؤر التوتر، لم تعد العلاقات الدولية تُدار فقط بمنطق القوة، بل باتت ترتكز بشكل متزايد على القدرة على تحقيق التوازن وبناء جسور الحوار بين الأطراف المتنازعة. وفي خضم هذه التحولات، تبرز الجزائر كواحدة من الدول التي نجحت في ترسيخ نموذج دبلوماسي قائم على الاعتدال والواقعية السياسية، ما مكّنها من الحفاظ على موقع متميز في مشهد دولي معقد ومضطرب.

وفي هذا السياق، كشف عبد الرحمان هادف، مستشار دولي في التنمية الاقتصادية، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن السياسة الخارجية الجزائرية تمثل اليوم نموذجا متقدما للدبلوماسية المتوازنة، التي لا تكتفي بحماية المصالح الوطنية، بل تسعى أيضا إلى الإسهام في استقرار النظام الدولي، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة التي يشهدها الشرق الأوسط وانعكاساتها الواسعة على الاقتصاد العالمي.

تحولات دولية متسارعة.. وعودة منطق الاستقطاب

يشهد العالم في السنوات الأخيرة تحولات عميقة أعادت رسم ملامح النظام الدولي، حيث تصاعدت حدة التنافس بين القوى الكبرى، وعادت مظاهر الاستقطاب الجيوسياسي لتفرض نفسها بقوة على الساحة الدولية.

هذه التحولات لم تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي أثرت على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والاستقرار المالي.

وفي قلب هذه التحولات، برزت منطقة الشرق الأوسط كبؤرة توتر رئيسية، حيث تتداخل الصراعات السياسية مع الحسابات الاقتصادية، ما يجعل أي تصعيد فيها ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي، خاصة من خلال تقلبات أسعار النفط والغاز.

ويرى هادف أن هذه البيئة الدولية المعقدة تفرض على الدول تبني سياسات خارجية مرنة وقادرة على التكيف، وهو ما نجحت الجزائر في تحقيقه من خلال تبني نهج دبلوماسي يقوم على التوازن وتغليب الحوار على التصعيد.

ثوابت راسخة.. أساس الدبلوماسية الجزائرية

منذ استقلالها، تبنت الجزائر سياسة خارجية تقوم على مجموعة من المبادئ الثابتة، في مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، إضافة إلى التمسك بالحلول السلمية للنزاعات.

هذه المبادئ لم تكن مجرد إطار نظري، بل شكلت قاعدة عملية لتحركات الجزائر في مختلف القضايا الدولية، ما ساهم في بناء صورة دولة تحظى بالاحترام والثقة في المحافل الدولية.

ويؤكد هادف أن تمسك الجزائر بهذه الثوابت هو ما منحها القدرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، دون الانخراط في محاور متصارعة، وهو ما يُعد مكسباً استراتيجياً في ظل عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب.

وفي عالم تحكمه التوازنات الدقيقة، تمثل القدرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف إحدى أهم أدوات القوة الناعمة. وقد نجحت الجزائر في استثمار هذا المعطى من خلال بناء شبكة علاقات دولية متنوعة، تجمع بين التعاون مع القوى الكبرى والشراكات الإقليمية.

هذا التوازن منح الجزائر هامشاً أكبر للمناورة الدبلوماسية، وجعلها قادرة على لعب أدوار بناءة في العديد من الملفات الدولية، خاصة تلك التي تتطلب وساطة محايدة ومصداقية عالية.

ويشير هادف إلى أن هذا النهج يكتسب أهمية أكبر في ظل الأزمات الراهنة، حيث تصبح الدول القادرة على التواصل مع مختلف الأطراف أكثر قدرة على المساهمة في تخفيف التوترات.

الشرق الأوسط.. تداعيات تتجاوز الجغرافيا

تُعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق حساسية في العالم، نظراً لتداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية فيها، خاصة ما يتعلق بأسواق الطاقة العالمية. ومع تصاعد التوترات، تتزايد المخاوف من انعكاسات هذه الأزمات على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل التوريد.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المواقف الدبلوماسية التي تدعو إلى التهدئة والحوار، وهو الدور الذي تسعى الجزائر إلى لعبه من خلال دعم الحلول السياسية وتشجيع المساعي السلمية.

ويؤكد هادف أن استقرار هذه المنطقة لا يهم دولها فقط، بل يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، ما يجعل من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تهدئة الأوضاع ضرورة ملحة.

إلى جانب دورها السياسي، تمتلك الجزائر ورقة قوة مهمة تتمثل في موقعها في الجيوسياسة الطاقوية. فهي تعد من أبرز الدول المنتجة والمصدرة للنفط والغاز، ما يمنحها ثقلاً كبيراً في معادلة الطاقة العالمية.

وقد لعبت الجزائر دوراً مهماً في استقرار الأسواق النفطية من خلال مشاركتها في آليات التنسيق بين الدول المنتجة، كما ساهمت في تعزيز التعاون في مجال الغاز عبر الأطر الدولية المختصة.

ويرى هادف أن هذا الدور لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد السياسي، حيث يمكن للجزائر أن تستخدم موقعها الطاقوي لتعزيز الحوار بين المنتجين والمستهلكين، والمساهمة في تحقيق استقرار الأسواق.

بين أمن الطاقة ومتطلبات الانتقال الطاقوي

في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، خاصة مع تزايد الاهتمام بالطاقات المتجددة، تواجه الدول المنتجة تحديات جديدة تتعلق بالتوفيق بين ضمان أمن الإمدادات والاستجابة لمتطلبات الانتقال الطاقوي.

وفي هذا السياق، يمكن للجزائر أن تلعب دوراً مهماً في دعم التوازن بين هذه المتطلبات، من خلال تعزيز التعاون الدولي وتطوير آليات التنسيق بين مختلف الفاعلين في قطاع الطاقة.

ويؤكد هادف أن الجزائر تمتلك الإمكانيات والخبرة التي تؤهلها للعب دور محوري في هذا المجال، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية والتحولات الاقتصادية العالمية.

لا يمكن الحديث عن الدور الجزائري في الساحة الدولية دون التطرق إلى رصيدها التاريخي في مجال الوساطة. فقد لعبت الجزائر أدواراً بارزة في حل العديد من النزاعات، ما عزز صورتها كوسيط نزيه وموثوق.

ومن أبرز هذه المحطات، رعايتها لاتفاقية 1975 بين إيران والعراق، التي ساهمت في تسوية نزاع حدودي معقد، إضافة إلى دورها في إنهاء أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران، وهي من أبرز الأزمات التي شهدها العالم خلال تلك الفترة.

هذه التجارب، بحسب هادف، شكلت أساساً لمصداقية الجزائر، وجعلتها تحظى بثقة الأطراف المختلفة، وهو ما يُعد عنصراً أساسياً في نجاح أي وساطة دبلوماسية.

وساطة قائمة على الثقة لا المصالح الضيّقة

ما يميز الدبلوماسية الجزائرية، وفق هادف، هو اعتمادها على مقاربة تقوم على بناء الثقة بين الأطراف، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو البحث عن مكاسب آنية.

هذا النهج يعزز فرص نجاح الوساطات، خاصة في النزاعات المعقدة التي تتطلب طرفاً محايداً يحظى باحترام جميع الأطراف.

كما أن تمسك الجزائر بمبدأ الحلول السياسية يعكس قناعة راسخة بأن الاستقرار الدائم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الحوار والتوافق، وليس عبر القوة.

مع التوجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تبرز الحاجة إلى فاعلين قادرين على لعب دور الوسيط، وهو ما يفتح أمام الجزائر آفاقاً جديدة لتعزيز حضورها الدولي.

ويرى هادف أن الجزائر، بفضل موقعها الجغرافي ورصيدها الدبلوماسي وثقلها الطاقوي، تمتلك كل المقومات التي تؤهلها للعب دور أكبر في هذا السياق.

كما أن استقلالية قرارها السياسي تمنحها مرونة أكبر في التحرك، وتجعلها قادرة على التفاعل مع مختلف الأطراف دون قيود.

الدبلوماسية الاقتصادية.. امتداد طبيعي للدور السياسي

إلى جانب دورها السياسي، تسعى الجزائر إلى تعزيز حضورها من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، التي أصبحت تشكل أحد أهم أدوات التأثير في العلاقات الدولية.

وفي هذا الإطار، تعمل الجزائر على تطوير شراكات اقتصادية مع مختلف الدول، خاصة في إفريقيا، بما يعزز موقعها كفاعل إقليمي ويساهم في تحقيق التنمية المشتركة.

ويؤكد هادف أن الربط بين الدبلوماسية السياسية والاقتصادية يمثل توجهاً استراتيجياً يعزز من قدرة الجزائر على التأثير في محيطها الإقليمي والدولي.

في المحصلة، يعكس النهج الذي تتبناه الجزائر في سياستها الخارجية رؤية متكاملة تقوم على تحقيق التوازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية، مع التركيز على تعزيز الاستقرار والسلم الدوليين.

ففي عالم يتسم بعدم اليقين، تصبح الدول التي تعتمد على الحوار والتوازن أكثر قدرة على لعب أدوار إيجابية، وهو ما ينطبق على التجربة الجزائرية التي أثبتت قدرتها على التكيف مع التحولات الدولية.

ويخلص هادف إلى أن الجزائر، من خلال دبلوماسيتها المتوازنة ورصيدها التاريخي ومكانتها في الجيوسياسة الطاقوية، تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتعزيز دورها كفاعل دولي يسهم في تخفيف التوترات وبناء نظام دولي أكثر استقراراً وتوازناً.

 الجزائر.. صوت العقل في زمن الأزمات

في زمن تتصاعد فيه الأزمات وتتعقد فيه العلاقات الدولية، تبدو الحاجة ملحّة إلى نماذج دبلوماسية قادرة على إعادة التوازن إلى المشهد العالمي. وفي هذا الإطار، تقدم الجزائر مثالاً لدولة استطاعت أن تحافظ على استقلالية قرارها، وأن تبني علاقات متوازنة، وأن تسهم في تعزيز الحوار والتفاهم بين الدول.

هذا النموذج، الذي يجمع بين الحكمة السياسية والبراغماتية الاقتصادية، يجعل من الجزائر فاعلاً مهماً في عالم يبحث عن الاستقرار، ويؤكد أن الدبلوماسية المتوازنة ليست مجرد خيار، بل ضرورة في مواجهة تحديات عالمية متزايدة التعقيد.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑