الثلاثاء، 19 مايو 2026 — 1 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الجزائر في معادلة التوازنات الدولية.. نحو دور إقليمي أكثر فاعلية


في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، تبرز الجزائر كفاعل إقليمي يمتلك مقومات متنامية تؤهله للاضطلاع بدور محوري في تعزيز الاستقرار وصناعة التوازنات، مستفيدة من رصيدها الدبلوماسي وتجربتها الأمنية ومكانتها الاستراتيجية في سوق الطاقة.

هذا الحضور المتصاعد يعكس توجهاً نحو تعزيز الدور الخارجي وتكريس موقع أكثر فاعلية في محيط إقليمي ودولي يشهد تنافساً محتدماً وتداخلاً في المصالح.

وفي هذا السياق، أكد الخبير في الشؤون السياسية، العيد زغلامي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجزائر تملك مؤهلات معتبرة تخولها للعب دور إقليمي فاعل، شرط توظيفها ضمن مقاربة واقعية تقوم على الانفتاح المحسوب واستثمار أوراق القوة، لاسيما في مجالي الطاقة ومكافحة الإرهاب، مع التمسك بالحلول السلمية وتجنب الانخراط في أدوار تتجاوز قدراتها.

من جانبه، يرى المحلّل السياسي، عبد الحق بن سعدي، أن الجزائر تبدي إرادة سياسية واضحة لتعزيز مكانتها الدولية، مستندة إلى مقومات استراتيجية متعددة، ومتبنية نهجاً دبلوماسياً مرناً يوازن بين احترام المبادئ وخدمة المصالح الوطنية، بما يعزز قدرتها على التكيف مع التحولات الدولية والإسهام في ترسيخ الاستقرار.

في هذا الصدد، أبرز زغلامي، أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة تفرض مقاربة واقعية لموقع الجزائر، موضحاً أن البلاد تمتلك مؤهلات وإمكانات معتبرة تؤهلها لأن تكون قوة إقليمية فاعلة، ولكن ضمن حدود الموضوعية، إذ “ليست سرة العالم” وليست مطالبة بحمل أعباء دولية تتجاوز قدراتها.

تجربة رائدة ومرجع دولي في مكافحة الإرهاب

وأشار المتحدث، إلى أن من أبرز عناصر قوة الجزائر تجربتها الرائدة في مكافحة الإرهاب، والتي تحولت إلى نموذج يُحتذى به ومرجع دولي في معالجة هذه الظاهرة، مبرزاً في السياق ذاته قدراتها الطاقوية التي جعلت منها مركزاً استراتيجياً في مجال الطاقة، الأمر الذي يفسر الحركية الدبلوماسية المكثفة التي تشهدها البلاد في الآونة الأخيرة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية.

ونوّه الخبير في السياسة، إلى أن توافد الوفود الأجنبية إلى الجزائر لا يعكس بالضرورة “جاذبية مجانية”، بل تحكمه بالأساس مصالح هذه الدول، ما يفرض على الجزائر توظيف هذا الاهتمام الدولي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، خاصة في ما يتعلق باتفاقيات الطاقة والغاز، مؤكداً ضرورة تجاوز المقاربة المالية الضيقة نحو مقاربة شاملة تراعي الأبعاد السيادية والإقليمية، مستحضراً بعض التجارب السابقة التي لم تكن في صالح الجزائر من حيث العوائد والمكاسب.

وأكد زغلامي أن الجزائر مطالبة اليوم بتثمين قدراتها وتفعيل أدواتها، بما يعزز تحصين جبهتها الداخلية ويجنبها أي شكل من أشكال العزلة الدبلوماسية، مشدداً على أن الانفتاح يجب أن يكون محسوباً ومبنياً على قاعدة المصالح المتبادلة.

وفي سياق متصل، أوضح أن دور الجزائر يتركز أساساً في محيطها الإقليمي، لاسيما في منطقة الساحل والبحر الأبيض المتوسط، حيث أشار إلى أن التطورات الأمنية في دول الجوار، وعلى رأسها مالي، لها انعكاسات مباشرة على الجزائر، بالنظر إلى الامتداد الحدودي الكبير بين البلدين، ما يجعلها معنية بشكل مباشر بأي انفلات أمني في المنطقة.

وأشار إلى أن الجزائر تتمسك بمبدأ الحلول السلمية ورفض التدخلات الخارجية، حيث دعت باستمرار إلى تغليب الحوار بين الأطراف الداخلية، خاصة في مالي، والعمل على تحقيق المصالحة الوطنية، مؤكداً أن المقاربة الجزائرية ترتكز على البعد السياسي والدبلوماسي إلى جانب البعد الأمني، باعتبار أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية لمعالجة الأزمات.

علاقات متوازنة مع القوى الدولية

كما أفاد زغلامي أن الجزائر تحافظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية، موضحاً أن علاقاتها مع بعض الشركاء كالصين وروسيا تستند إلى أبعاد تاريخية، في حين تبقى علاقاتها مع الولايات المتحدة محكومة بمنطق المصالح، معتبراً أنها “ليست حليفاً تقليدياً” للجزائر، خاصة في ظل وجود تحالفات أخرى لواشنطن في المنطقة، وهو ما يستدعي تعاملاً حذراً وواقعياً.

ونوّه أيضاً إلى أن بعض التحركات العسكرية في المنطقة، بالتوازي مع زيارات دبلوماسية إلى الجزائر، تعكس تنافساً دولياً على النفوذ، ما يتطلب يقظة دبلوماسية وقدرة على قراءة التوازنات بدقة، دون الانخراط في محاور متصارعة.

وأكد المتحدث أن الجزائر تحظى اليوم بمكانة معتبرة في مجال مكافحة الإرهاب على المستوى الإفريقي، حيث أُسندت إليها أدوار قيادية في تنسيق الجهود في هذا المجال، وهو ما يعزز موقعها التفاوضي مع القوى الكبرى، شريطة أن يتم ذلك في إطار الاحترام المتبادل وعدم المساس بالسيادة الوطنية.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، شدد زغلامي على أن العالم يشهد حالة من التفكك والتنافس الحاد بين القوى، ما يفرض على الجزائر تحصين جبهتها الداخلية والحفاظ على وحدتها واستقلال قرارها، مع الاستعداد للعب دور إقليمي فاعل عند الحاجة، دون السعي إلى أدوار تتجاوز نطاقها الطبيعي، مؤكداً أن قوتها تكمن في توازنها، واستقلاليتها، وتمسكها بمبادئها القائمة على السلم وعدم التدخل.

إرادة سياسية ومؤهلات استراتيجية تعزز مكانة الجزائر إقليمياً

من جانبه، يرى المحلّل السياسي، عبد الحق بن سعدي، أن الجزائر تمتلك إرادة سياسية واضحة وطموحاً متزايداً لتكريس موقعها كدولة محورية فاعلة على الساحتين الإقليمية والدولية.

وأشار بن سعدي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن هذا التوجه يتأسس على قراءة رسمية تُقرّ بأن البلاد شهدت في فترات سابقة نوعاً من الانكفاء والتراجع عن أدوارها الخارجية، سواء بفعل الظروف الداخلية أو نتيجة خيارات السياسة الخارجية، خلال مراحل سابقة.

وأوضح المتحدث، أن الواقع الحالي يعكس امتلاك الجزائر لمقومات الدولة المحورية، سواء من حيث موقعها الجغرافي الاستراتيجي، أو قدراتها البشرية، وثرواتها الطبيعية، إلى جانب جاهزيتها العسكرية واستقرارها الداخلي، وهي عناصر تؤهلها لمواكبة التحولات الجيو-استراتيجية التي يشهدها العالم، في ظل توجهه نحو نظام دولي جديد تحكمه موازين القوة والذكاء.

وأشار بن سعدي، إلى أن التحديات الأمنية المتصاعدة على حدود الجزائر، والانهيارات التي تعرفها بعض دول الجوار، شكّلت اختباراً حقيقياً لقدرات الدولة، مؤكداً أن الجزائر نجحت في إدارة هذه التهديدات بفعالية، من خلال تعزيز جاهزيتها العسكرية وتكثيف إنفاقها الأمني، ما مكنها من التحكم في الأوضاع واستباق المخاطر، وهو ما لقي اعترافاً دولياً، بما في ذلك من قبل قوى كبرى، بقدرة الجزائر على التأقلم مع التحولات واستعادة دورها الخارجي.

ونوّه المتحدث بأن أزمة الطاقة العالمية مثّلت فرصة استراتيجية للجزائر، حيث دفعت الدول الأوروبية إلى تعزيز شراكاتها معها باعتبارها مُورداً موثوقاً للغاز، مؤكداً أن هذا المعطى يبرز أهمية توظيف الأزمات بشكل إيجابي لخدمة المصالح الوطنية وتعزيز المكانة الدولية.

وأضاف أن المقاربة الجزائرية في سياستها الخارجية تقوم على التوفيق بين التمسك بالمبادئ واحترام القانون الدولي من جهة، وتحقيق المصلحة الوطنية من جهة أخرى، وهو ما يمنحها هامشاً من المرونة يمكنها من التكيف مع التحولات الدولية المتسارعة.

وأبرز المحلّل السياسي، أن التاريخ الدبلوماسي الجزائري حافل بالمواقف التي أسهمت في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي، مشيراً إلى أن الجزائر ما تزال تمتلك الإرادة والقدرة على مواصلة هذا النهج، كما برز ذلك في أدائها داخل مجلس الأمن الدولي، وتعاملها مع الأزمات في منطقة الساحل والقرن الإفريقي.

خِتاماً، أكد عبد الحق بن سعدي، على أن تعزيز الدور الجزائري يظل مرتبطاً بحسن توظيف الإمكانات الوطنية وإدارة الأوراق الدبلوماسية بفعالية، في إطار البحث عن المصالح المشتركة، بما يعزز من رصيد الثقة والمصداقية الذي تحظى به الجزائر على الساحة الدولية، ويؤهلها للإسهام بشكل فعّال في تحقيق التوازنات الإقليمية وترسيخ الاستقرار الدولي.

 

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي