الأربعاء، 13 مايو 2026 — 25 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الجزائر منارة التسامح الكوني.. اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر

Author
هارون عمري 03 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

اتجهت الأنظار يوم الخميس الماضي، نحو مركز الجزائر الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال”، حيث اختُتمت فعاليات الطبعة الأولى من “اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر”، وهي التظاهرة التي وُلدت كبيرة تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، وبإشراف مباشر من وزيرة الثقافة والفنون السيدة مليكة بن دودة.

على مدار يومين كاملين برزت الجزائر بوصفها عاصمة للفلسفة والتأمل، مستعيدةً أحد أعظم أبنائها، القديس أوغسطين، لا كشخصية تاريخية غابرة، بل كـ “تجلي جزائري، إفريقي، ومتوسطي” بامتياز، قادر على الإجابة عن أزمات الإنسان المعاصر.

ولإثراء هذا الحدث الاستثنائي وقراءته من زوايا متعددة، استنطقت صحيفة «الأيام نيوز» نخبة من المفكرين، الأكاديميين، والمبدعين الذين واكبوا هذه اللقاءات.

ففي حين اعتبرت الدكتورة حليمة مولاي هذا الحدث “حالة استثنائية” تعيد الاعتبار للفكر، غاص البروفيسور سويرت بن عمار في أبعاد “الاعترافات” وفلسفة الخلاص الأوغسطينية، بينما فكّك المخرج رشيد بلحاج شخصية أوغسطين بوصفه “أول سيناريست في التاريخ”.

ومن منظور المواجهة الحضارية، رأى الروائي والإعلامي اللبناني أحمد علي الزين في استحضار هذه الشخصية مواجهة واعية لتوحش العالم، وعلى صعيد حماية الذاكرة، أكد البروفيسور عبد القادر دحدوح والشاعر محمد حراث على أهمية “مسار أوغسطين” في تعزيز الذاكرة الوطنية والتراث العالمي، وهو ما تقاطع مع رؤية الناشط كريم كرار الذي دعا إلى مقاربة تشاركية تجعل من المجتمع المدني حارساً لهذا التراث.

الافتتاح الرسمي.. الجزائر مرجعاً عالمياً لخطاب التسامح وصون كرامة الإنسان

كانت وزيرة الثقافة والفنون، السيدة مليكة بن دودة، قد افتتحت فعاليات هذا المحفل الفكري يوم الأربعاء المنصرم، بكلمة حملت أبعاداً سياسية وثقافية عميقة، حيث أكدت أن الجزائر تواصل تثبيت أقدامها في التاريخ كراعية لخطاب المحبة، ومرجعاً راسخاً للحقوق والمبادئ التي تسمو بالإنسان.

وأوضحت أن البلاد التي امتد فيها مفهوم الدولة عبر قرون، كانت دائماً ملجأ الشرفاء ومنبع الأصالة، مشددة على أن هذا المسار الملتزم بالقيم الإنسانية يمتد من القديس أغسطين وصولاً إلى الأمير عبد القادر.

إن اختيار شخصية أوغسطين ليكون محور الطبعة الأولى يعكس إرادة الدولة في استرجاع أبنائها الذين صنعوا فكر العالم؛ فالجزائر، كما ذكرت السيدة الوزيرة، هي أرض القديسين والعلماء والمجاهدين، وهي الأجدر بأن تكون محفلاً لفكر التسامح وعنواناً لنداء السلام.

ولم يفتها التأكيد على الدور الريادي للجامعات الجزائرية بوصفها منارات تحتضن الباحثين عن المعرفة من كل أفق، مراهنة على وعي المواطنين في دفع عجلة التنمية العلمية والمعرفية.

شهد هذا المحفل الفكري حضوراً رسمياً ودبلوماسياً رفيع المستوى، يتقدمهم رئيسة المحكمة الدستورية وأعضاء من البرلمان بغرفتيه، إلى جانب وزيرة الشؤون الثقافية للجمهورية التونسية الشقيقة، وسفراء وممثلي السلك الدبلوماسي، مما يؤكد أن الحدث يتجاوز البعد الثقافي الصرف ليصبح أداة من أدوات الدبلوماسية الناعمة للجزائر في فضائها المتوسطي والإفريقي.

إعادة الاعتبار للفكر.. بناء مسارات الحوار الفلسفي كفعل حضاري مستدام

يعتبر استحضار هذه الرموز الفكرية ضرورة تاريخية لربط الأجيال بجذورها المعرفية.

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة في التاريخ الحديث والمعاصر والباحثة في نفس الاختصاص، حليمة مولاي، في تصريح خصّت به «الأيام نيوز»، أن انطلاق اللقاءات الأفرومتوسطية للفكر مثل “حالة استثنائية” في المشهد الثقافي الجزائر، مشيرة إلى أن هذه المبادرة التي أطلقتها وزيرة الثقافة والفنون، الدكتورة مليكة بن دودة، ستُسجَّل كخطوة مفصلية في إعادة الاعتبار للفكر داخل الفضاء الثقافي الوطني.

وأوضحت أن تخصيص الطبعة الأولى لشخصية أوغسطين يندرج ضمن رؤية أوسع، ستشمل مستقبلاً مفكرين جزائريين أسهموا في إثراء الفكر الفلسفي والتاريخي، ليس فقط في الجزائر، بل في إفريقيا والفضاء المتوسطي والعالم، مؤكدة أن هذه الشخصيات تحمل أبعاداً إنسانية وثقافية وفكرية عميقة، تصل إلى مستوى البعد الوجودي المرتبط بالإنسان وتفكيره وحياته وعلاقاته.

وأضافت أن استحضار هذه الرموز الفكرية يعكس حقيقة تاريخية مفادها أن الجزائري كان حاضراً في إنتاج الفكر والمعرفة منذ القدم، وهو ما يستدعي اليوم إعادة قراءة هذا الإرث وتثمينه ضمن مشاريع فكرية معاصرة.

وفي امتداد لهذا الطرح، شددت على أن مبادرات النقاش والتفكير، انطلاقاً من شخصيات مثل أوغسطين، تمثل فعلاً حضارياً يصنع الاستثناء، ويحوّل الجزائر إلى فضاء منتج للفكر والمعنى، معتبرة أن بناء مسارات للحوار الفلسفي يسهم في إعادة تشكيل وعي الإنسان بذاته وبعالمه.

كما أبرزت أن المشروع الذي تعمل عليه وزارة الثقافة والفنون يهدف إلى تخليد صورة الجزائر المعاصرة ضمن سجل الدول الرائدة فكرياً، من خلال استعادة القيم الإنسانية والأخلاقية التي ميزت تاريخها، وتفعيل تبادل المعارف، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى، وتطوير التفكير النقدي.

وختمت بالتأكيد على أن توجيه هذه المبادرات إلى الجمهور الواسع دون استثناء يعكس وعياً بأهمية ديمقراطية الفكر، ويمنح هذه اللقاءات بعداً حضارياً يعيد للثقافة دورها في بناء الإنسان، الذي أنهكته تحولات العصر وبات في حاجة إلى استعادة معنى وجوده ضمن أفق إنساني أوسع.

 تفكيك “أغسطين المخضرم” والبرزخ بين عالمين

انطلقت المجريات الأكاديمية يوم الأربعاء الماضي بمحاضرة افتتاحية للأستاذ الدكتور زين محمد شوقي تحت عنوان “أغسطين المخضرم والبرزخ بين عالمين”، مهدت الطريق للجلسة العلمية الأولى “الإنسان الفيلسوف الروحي”.

هذه الجلسة التي ترأسها الدكتور معز مديوني، غاصت في علاقة أوغسطين بالتراث القديم من خلال مداخلة الدكتور هرفي باسكوا حول “مدينة الله والمدينة الأرضية”، مبرزةً كيف استوعب هذا الفيلسوف الإرث اليوناني والروماني ليصبه في قوالب فكرية جديدة.

كما شهد اليوم الأول طرح تساؤلات أكاديمية دقيقة، منها مداخلة الدكتورة تنسي ليلى حول “الموسيقى عند أوغسطين: علم أم فن؟”، والتي كشفت عن أبعاد جمالية غير مطروقة في السرديات التقليدية حول شخصية القديس.

ثم تلتها الجلسة العلمية الثانية التي بحثت في “الانتماء الثلاثي” (جزائري وإفريقي ومتوسطي) برئاسة الدكتورة حياة بن بوزيد، حيث تم التأكيد على أن أوغسطين هو “ابن إفريقيا” الذي انطلق من المحلي ليخاطب الكوني، وهو ما جسدته مداخلات الدكتور محمد عفيان والدكتورة ليلى لوفيفر.

هذا الحراك الفكري يهدف بالأساس إلى كسر احتكار الضفة الشمالية للمتوسط لشخصية أوغسطين، وإعادة موضعتها في سياقها الجغرافي والثقافي الأصلي.

فالجزائر اليوم لا تستعرض تاريخاً ميتاً، بل تستنطق فكراً حياً قادراً على منح إجابات لأسئلة الانتماء والهوية في ظل العولمة الجارفة، مؤكدة أن “المشرق والمغرب” يلتقيان في الفكر الأوغسطيني كما أشار الدكتور محمد محجوب في ختام جلسات ذلك اليوم.

من فلسفة “الاعترافات” إلى “الرجاء”.. تحليل في سيكولوجيا الروح الجزائرية

في سياق الغوص في عمق الروحانية الأوغسطينية، أكد الأستاذ بقسم الفلسفة بجامعة وهران، سويرت بن عمار، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، أن استحضار شخصية القديس أوغسطين حمل “تحية فلسفية مليئة بالأوغسطينيات”، حيث حضرت الروحانيات، وبالدرجة الأولى مفهوم الرجاء، أي التطلع إلى السعادة المطلقة.

البروفيسور سويرت بن عمار

وأوضح أن أوغسطين، بوصفه شخصية جزائرية إفريقية ومتوسطية، استحق لقب “فيلسوف الكونية”، لما قدّمه من مفاهيم عميقة، أبرزها “الاعترافات” التي كتبها بصيغة الجمع، في دلالة على حجم المعاناة والآلام التي عاشها، مشيراً إلى أن هذا العمل يُعد من أوائل النصوص التي أسست للسيرة الذاتية الروحية في العصر الوسيط.

وأضاف أن “الاعترافات” تعكس انشغال أوغسطين بالحياة الباطنية، وطرحه لسؤال فلسفي محوري حول كيفية انتصار الإنسان على “اختلالات الداخل” في علاقته بالخالق، مبرزاً أن هذا المسار الروحي لم يكن سهلاً، إذ مرّ أوغسطين بمرحلة وثنية، وكان متأثراً بالنزعة الأبيقورية، قبل أن يهتدي بعد معاناة طويلة.

وأشار إلى الدور الحاسم لأمه “مونيكا” (أو “منى” بالأمازيغية بمعنى الأمل)، التي مثلت البعد الروحي في حياته، وأسهمت في توجيهه نحو الإيمان، ليصبح لاحقاً أحد أبرز رموز الفكر اللاهوتي.

وفي تحليله، بيّن أن فكر أوغسطين يقوم على ثنائية “الاعترافات” كخطاب فردي ذاتي، و”مدينة الله” كتصور جماعي وسياسي، حيث يتجلى الصراع بين “مدينة السماء” و”مدينة الناس”، مع محاولة تحقيق توازن بينهما، وفتح أفق جديد للفكر اللاهوتي يقوم على إمكانية الخطأ والتطهر.

وأوضح أن هذا المفهوم، الذي عُرف في الفكر الأوروبي بـ“المكان الثالث”، يشبه في الثقافة الإسلامية مفهوم “البرزخ”، معتبراً أن أوغسطين استطاع، من خلال هذا المسار، أن ينتصر لمعاناته، ويبلغ مرتبة “القداسة” التي تعبر عن الصحة الروحية.

وفي سياق متصل، شدد على أن الجزائر تزخر بشخصيات فكرية أخرى تستحق إبرازها، مقترحاً في هذا الإطار استحضار “اللحظة الرشدية” مع ابن رشد، إلى جانب أسماء معاصرة مثل محمد أركون، مالك بن نبي، وعبد المجيد مزيان، فضلأ عن مفكرين آخرين تم تهميشهم رغم عمق أطروحاتهم.

وختم بالتأكيد على ضرورة إعادة الاعتبار لهذه الأسماء، من أجل بناء مسار فلسفي متجدد في الجزائر، قائم على التفكير والتأمل واستمرارية الإنتاج الفكري.

أوغسطين في مرآة الفن والسينما.. استعادة الحضور وتجاوز سوء الفهم

لم تتوقف اللقاءات عند حدود الورق والخطاب الفلسفي، وقد امتدت لتشمل الصورة والسينما كأدوات معاصرة لاستحضار الذاكرة، وفي هذا السياق، يؤكد المخرج الجزائري المقيم في إيطاليا، رشيد بلحاج، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، أنه بصدد الاشتغال على رؤية سينمائية بعنوان “Saint Augustin Cinema”، معتبرًا أن القديس أوغسطين يُعد، من وجهة نظره، “أول سيناريست في العالم”.

وأوضح أن هذا التصور ينبع من كتاب «الاعترافات»، حيث يبرز أوغسطين، في القرن الرابع، كأول من قدّم سردًا ذاتيًا عميقًا، يتحدث فيه عن نفسه بضمير “أنا”، ويخاطب الله مباشرة، وهو ما شكّل، بحسبه، تحولًا جذريًا في الفلسفة آنذاك، قائلاً: «هو أول من بدأ يحكي الداخل الإنساني، ويعرض تجربته بكل تفاصيلها».

وأشار إلى أن أوغسطين لم يكن فقط فيلسوفًا، وقد لعب دورًا مهمًا في التواصل، خاصة بعد توليه الأسقفية في هيبون (عنابة)، حيث واجه تحدي مخاطبة جمهور بسيط لا يقرأ ولا يكتب، فابتكر أساليب جديدة، منها كتابة نصوص تُغنّى لتسهيل إيصال أفكاره، معتبرًا أن ذلك يعكس وعيًا مبكرًا بإشكالية “نقل الرسالة”.

وفي حديثه عن الجدل القائم حول هوية أوغسطين، أوضح أن الإيطاليين يعتبرونه “واحدًا منهم”، بحكم مروره بروما وميلانو، غير أن مساره العلمي والفكري يثبت جذوره الجزائرية، مشيرًا إلى أنه كان أستاذًا للبلاغة في روما، قبل أن يُستدعى إلى ميلانو لكتابة خطب الإمبراطور، رغم ما واجهه من تحديات، منها لهجته المحلية.

وأضاف أن مرحلة التحول في حياة أوغسطين، بعد لقائه بالقديس أمبروز، شكّلت بداية مسار فكري عميق، حيث أسس أول دير، واشتغل مع مجموعة من المثقفين على النصوص الدينية، ليصبح لاحقًا أحد أعمدة الفكر المسيحي، ويؤثر في الفلسفة الغربية، من ديكارت إلى غيره، مؤكدًا أن «الفلسفة الغربية الحديثة لها جذور جزائرية».

وكشف بلحاج عن مشروع فيلم اشتغل عليه منذ أكثر من 15 سنة حول أوغسطين، بمشاركة أسماء عالمية، غير أن الخلاف مع المنتجين كان حول زاوية الطرح، حيث أرادوا التركيز فقط على مرحلة التحول الديني، بينما يرى هو أن القيمة الحقيقية تبدأ بعد ذلك، من خلال إنتاجه الفكري الضخم الذي بلغ أكثر من 253 كتابًا، إضافة إلى الخطب.

وانتقد في هذا السياق ما وصفه بـ“الانتقائية الغربية” في قراءة أوغسطين، مقابل “سوء الفهم المحلي” لشخصيته، مستشهدًا بموقف سابق لمسؤول ثقافي رفض فكرة إنجاز فيلم عنه بدعوى كونه شخصية مسيحية، ليرد قائلاً: «نحن في القرن الرابع، والإسلام جاء بعده بثلاثة قرون، ليس ذنبه».

وختم بالتأكيد على أن استعادة أوغسطين كرمز فكري جزائري تمثل ضرورة تاريخية وثقافية، بعيدًا عن التوظيفات الضيقة، داعيًا إلى قراءة موضوعية لتراثه، باعتباره أحد المؤسسين الكبار للفكر الإنساني.

الفكر في مواجهة التوحش.. أوغسطين كدرع فلسفي ضد القسوة المعاصرة

إن استحضار شخصية بوزن القديس أوغسطين في الراهن العربي والعالمي ليس مجرد ترف أكاديمي أو استرجاع لمجد غابر، فهو “فعل مقاومة فكرية” واعية، تسعى لاستعادة الإنسان من براثن التشييء والعدمية.

وفي هذا السياق، يؤكد الروائي والإعلامي اللبناني القدير، أحمد علي الزين، في تصريح حصري خصّ به جريدة «الأيام نيوز»، أن “أوغسطين يمثل تجلّيًا جزائريًا إفريقيًا ومتوسطيًا”، معتبراً أن “استحضار هذه الشخصية في هذا الزمن تحديدًا، الذي يشهد توحشًا وكثيرًا من القسوة والحروب التي تلتهم البشر والحجر، يُعد من أبرز المبادرات التي قامت بها وزارة الثقافة”.

ويرى الزين أن العودة إلى الجذور الفلسفية للأرض الجزائرية هي عودة إلى قيم التسامح التي تأسست قبل قرون، لتقف اليوم سداً منيعاً أمام خطابات الكراهية والإقصاء التي تفتك بالمجتمعات الحديثة.

وأوضح الإعلامي اللبناني في حديثه المعمق، أن “مجرد استحضار هذه الشخصية التاريخية، هذا القديس الفيلسوف، هو نوع من المجابهة الواعية الفكرية ضد هذا الظلم”، مؤكداً بلهجة الواثق أن “الإنسانية اليوم في حاجة ماسة إلى هذه الأفكار التي تقوم على الحب وتدعو إلى العدل”، بعيداً عن منطق القوة الغاشمة.

أشار الزين إلى أن “أوغسطين شخصية ثرية جداً، حيث كُتب حوله مئات الأبحاث والكتب، ولا يمكن فتح نص فلسفي دون أن يُذكر اسمه، لما له من تجليات فكرية واسعة امتدت حتى إلى الموسيقى”، وهو ما يجعل منه مرجعاً كونياً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن تشكل الوعي البشري وتطور مفاهيم الروح والجسد في الفلسفة العالمية.

وفي قراءة جمالية لافتة لما تم تداوله في أروقة “اللقاءات الأفرومتوسطية”، أضاف أحمد علي الزين أن “الندوات التي جرت تناولت هذه الشخصية من زوايا متعددة، كلٌّ بحسب اهتمامه وتخصصه، لافتًا إلى أن ما شدّ انتباهه هو (أوغسطين الموسيقي)؛ هذا البعد الذي يستحضر قول جلال الدين الرومي: (إن كل الطرق توصل إلى الله، وأنا اخترت طريق الرقص والموسيقى)”.

وأكد الزين أن “هذا الطرح يمثل دعوة كبرى للحب والفرح ولمعنى الإنسانية، ولمعنى أن نكون ضيوفًا على هذا الكوكب الذي يستحق الكثير من الجمال والخير، رغم أن الشر، للأسف، ما يزال يبدو غالبًا”.

وختم كلامه بالتأكيد على أن “هذه الندوات وهذه الأفكار وهذه المساعي التي يقوم بها الفاعلون الثقافيون، وتحديداً هذا اللقاء، تمثل مسعى جميلاً وخيّرًا في مواجهة هذا الشر المنتشر في العالم، وتعكس دور الفكر والثقافة في إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية”، مشدداً على أن الفكر هو السلاح الأنبل في معركة البقاء الأخلاقي للإنسان المعاصر.

مسار أوغسطين الأثري.. مشروع حضاري لتصنيف الذاكرة الجزائرية عالمياً

بعيداً عن الأروقة الأكاديمية المغلقة، يمتد إرث القديس أوغسطين ليتجاوز حدود النصوص الفلسفية ويشمل الجغرافيا الجزائرية في أبعادها الأثرية والتاريخية الشاملة؛ حيث يتحول الفكر هنا إلى “خارطة طريق” ملموسة تربط بين مدن الشرق والوسط والجنوب الكبير.

وفي هذا السياق، يؤكد البروفيسور عبد القادر دحدوح، الأستاذ بالمركز الجامعي بتيبازة، المتخصص في الآثار الإسلامية والباحث المرموق في التراث الثقافي، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، أن “المؤتمر الدولي الذي اختتمت أشغاله يبرز شخصية تاريخية جزائرية ذات أبعاد عالمية، أسهمت بعمق في الفكر الإنساني وخلّفت أثرًا علميًا وروحيًا ممتدًا منذ العصور القديمة”، معتبراً أن استعادة هذا الرمز هي استعادة لجزء أصيل من العبقرية الجغرافية للأرض الجزائرية التي احتضنت أولى بذور الفلسفة الكونية.

وأوضح البروفيسور دحدوح في معرض تحليله للأهمية الاستراتيجية لهذا الحدث، أن هذه الشخصية تمثل اليوم محور اهتمام رسمي متزايد، يعكس إرادة الدولة في تثمين رموزها، وذلك “من خلال جهود وزارة الثقافة والفنون لتثمين تراثها والترويج له، عبر إعداد ملف متكامل لتصنيف (مسار القديس أوغسطين) ضمن قائمة التراث العالمي، باعتباره مشروعًا حضاريًا يتجاوز البعد المحلي”.

وأشار إلى أن هذا المسار لا يقتصر في رؤيته التقنية على مدينة واحدة أو معلم معزول، فهو “يشمل شبكة من المدن التاريخية التي ارتبطت بحياة أوغسطين وترحاله، من هيبون (عنابة) إلى قالمة، ومداوروش، وخميسة، وسوق أهراس، وتيديس، وسطيف، وشرشال، وتنس، وتبسة، وطبنة، وهي مواقع لا تزال تحتفظ بمعالمها الأثرية وتشكل شاهدًا حيًا على هذا الإرث” العابر للقرون.

وفي قراءة سوسيولوجية وأثرية لرهانات هذا التصنيف الدولي، أضاف البروفيسور دحدوح أن القيمة التاريخية لهذا المشروع الطموح تكمن في قدرته على الجمع بين بعدين أساسيين لا ينفصلان: “الأول يتمثل في غنى هذه المدن بمواقع أثرية قائمة إلى اليوم، والثاني في احتضانها لشخصية عالمية بمكانة أوغسطين، الذي لا يزال تأثيره الفكري محل دراسة وتمحيص في مختلف أنحاء العالم”.

وختم البروفيسور تصريحه بالتأكيد على أن الهدف الأسمى من هذه التحركات الدبلوماسية والثقافية هو تحقيق قفزة في الوعي الوطني والدولي، مشدداً على أن “تصنيف هذا المسار ضمن التراث العالمي من شأنه أن يعزز حضور الجزائر الثقافي دوليًا، ويكرّس الوعي بأهمية التراث كرافد للهوية ووسيلة للتنمية الثقافية المستدامة”، بما يضمن تحويل المواقع الأثرية من مجرد “أطلال صامتة” إلى محركات معرفية واقتصادية تخدم مستقبل الأجيال.

استعادة الجذور الفكرية.. تعزيز الذاكرة الوطنية في مواجهة التغريب

يمثل القديس أوغسطين حلقة وصل جوهرية وفريدة بين الماضي السحيق والحاضر المتجدد، وبين الهوية الضاربة في عمق التراب والكونية المنفتحة على آفاق الروح الإنسانية؛ إذ لا يمكن فهم تطور الفكر العالمي بمعزل عن الإسهام الجزائري الأصيل.

وفي هذا السياق، يؤكد الشاعر والخبير لدى المجلس الأعلى للغة العربية، د. محمد حراث، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، أن “استحضار شخصية القديس أوغسطين في اللقاءات الأفرومتوسطية للفكر يحمل دلالة رمزية عميقة، تتجاوز مجرد الاحتفاء بشخصية تاريخية، إلى إعادة وصل الحاضر بجذور فكرية ضاربة في عمق التاريخ”، معتبراً أن هذا الفعل الثقافي هو بمثابة استرداد لـ “السيادة الذهنية” التي حاول الاستعمار طويلاً طمس معالمها أو تجييرها لصالح الضفة الأخرى.

وأوضح د. محمد حراث في معرض تحليله الفلسفي، أن “أوغسطين ليس مجرد مفكر ديني” كما يحاول البعض اختزاله، “فهو أحد أعمدة الفكر الإنساني العالمي، الذي أسهم بعبقريته في تشكيل ملامح الفلسفة الغربية وطرح أسئلة كبرى ومفصلية حول الوجود الإنساني، والزمن، والذاكرة”، وهو ما يجعل من “استدعائه في السياق الجزائري المعاصر خطوة جبارة وضرورية لتعزيز الذاكرة الثقافية الوطنية” وحمايتها من موجات التغريب التي تحاول عزل الإنسان الجزائري عن تاريخه الفلسفي المجيد.

ويرى حراث أن قوة أوغسطين تكمن في قدرته على مخاطبة العقل البشري في كل زمان ومكان، انطلاقاً من بيئة محلية أنتجت هذا النسق المعرفي الرفيع.

وأضاف الخبير لدى المجلس الأعلى للغة العربية، أن “هذا الاستحضار يرسخ فكرة أن الجزائر ليست فقط فضاءً جغرافيًا” يزخر بالثروات المادية، “فهي حاضنة تاريخية كبرى للفكر والإبداع، حيث أنجبت عبر العصور شخصيات استثنائية أثّرت بشكل جذري في مسار الحضارة الإنسانية”، مؤكداً أن تسليط الضوء على هذه الحقائق “هو ما يعزز الشعور بالانتماء والفخر لدى الناشئة، ويدفع النخبة والمثقفين إلى إعادة قراءة التراث بروح نقدية ومعاصرة” قادرة على تفكيك المركزية الغربية وإعادة الاعتبار للمساهمة الإفريقية والمتوسطية في بناء العقل العالمي.

وختم د. محمد حراث تصريحه لـ «الأيام نيوز» بالتأكيد على أن “هذه المبادرات الفكرية الرائدة تمثل رسالة استراتيجية موجهة للأجيال الصاعدة، مفادها أن الاستثمار في الذاكرة الثقافية هو الأساس المتين لبناء وعي حضاري متماسك، قادر على التفاعل الإيجابي مع تحديات الحاضر واستشراف آفاق المستقبل بنظرة واثقة”.

إن هذا الطرح الشامل يضع أوغسطين في قلب مفهوم “الأمن الثقافي” للجزائر، مؤكداً بعبارات قاطعة أن “الحداثة الحقيقية لا تبدأ من الفراغ أو التقليد الأعمى، ولكنها تنبثق من استيعاب وتثمين العبقرية المحلية العابرة للقرون”، والتي يظل أوغسطين أحد أبرز مناراتها التي لا تنطفئ.

دور المجتمع المدني.. تشاركية تثمين التراث وتحويله لمورد مستدام

لا يمكن للمشاريع الثقافية الكبرى أن تنجح دون انخراط حقيقي للمجتمع المدني، وفي هذا السياق، يؤكد الناشط السياحي والكاتب، كريم كرار، في تصريح خصّ به «الأيام نيوز»، أن تنظيم اللقاءات الفكرية مثل خطوة استراتيجية لتثمين التراث الثقافي الجزائري، سواء بشقيه المادي أو اللامادي، وتعزيز حضوره محليًا ودوليًا ضمن رؤية تشاركية تتجاوز الإطار المؤسساتي الضيق.

وأوضح أن مثل هذه المبادرات لا ينبغي أن تظل حكرًا على المؤسسات الرسمية، ولكنها تستوجب إشراك المجتمع المدني في مختلف مراحلها، من التحسيس بأهمية الحفاظ على التراث، إلى التعريف به والترويج له سياحيًا وثقافيًا، بما يضمن استدامة هذا الجهد وتحقيق أثر فعلي على أرض الواقع.

وأشار إلى أن اعتماد مقاربة تشاركية يتماشى مع متطلبات الهيئات الدولية، وعلى رأسها اليونسكو، التي تشترط إشراك المجتمع المدني في مسارات تصنيف التراث، لافتًا إلى أن الجزائر قطعت أشواطًا في هذا المجال من خلال إشراك الفاعلين المحليين في عدة مشاريع، من بينها ملف المسارات الأوغسطينية.

وأضاف أن هذا النوع من المشاريع يعزز دور المجتمع المدني كقوة اقتراح وتجسيد، ويساهم في دعم ملفات التصنيف، غير أن الاعتماد على التوثيق الدولي وحده يظل غير كافٍ، إذ تسبقه مرحلة أساسية تتمثل في إدراج المعالم ضمن قائمة التراث الوطني، مع ضرورة توفير آليات قبلية وبعدية لضمان النجاعة والاستمرارية.

ختم بالتأكيد على أن اللقاءات الفكرية شكلت منصة حيوية لربط التراث بالبحث العلمي والسياحة الثقافية، بما يفتح آفاقًا جديدة لتثمين الهوية الوطنية وتحويلها إلى مورد معرفي واقتصادي مستدام.

نهاية الأشغال.. من ارتحال المعارف إلى سحر الضريح

استأنف المشاركون يوم الخميس المنصرم جلساتهم العلمية، حيث انطلقت الجلسة الثالثة حول “فكر أغسطين ضمن ارتحال المعارف” برئاسة الدكتورة زبيدة معمرية، وقد شهدت هذه الجلسة مداخلات قيمة تناولت “ميلانو أغسطين وأمبروز” للدكتورة مونيكا شولتز، و”وحدة النسق المعرفي” للدكتور كحول سعودي، وموضوع “التثاقف” للدكتور ميزينغي جورج.

كما خُصصت الجلسة الرابعة لذلك النهار لبحث “الصحة الحضارية وأزمات الإنسان المعاصر” برئاسة الدكتور بويش محرز، بمشاركة السفير فو هو ساهي ألفونس، الذي طرح رؤية حول “دبلوماسية الثقافات”، فيما حلل الدكتور مديوني معز الشخصية الكونية لأغسطينوس.

واختُتمت الأعمال الأكاديمية بالجلسة الخامسة حول “الاتصال الثقافي” برئاسة الدكتور زين محمد شوقي، والتي شهدت عرض المخرج رشيد بلحاج لموضوع السينما واستعادة الحضور الجزائري، حيث هدفت هذه الجلسات إلى إسقاط الفكر الأوغسطيني على الواقع المعاش، والبحث في كيفية توظيف “الرحمة والرجاء” لمواجهة الابتلاءات الإنسانية المعاصرة.

اختُتمت الفعاليات مساء الخميس الماضي بجلسة “استئناس فلسفي” أخيرة تناولت العلاقة بين أغسطين وأمه “مونيكا”، قدمتها السيدة سيغولان روايال وأدارها الدكتور سليمان حاشي، في لمسة وفاء للجذور العاطفية التي صنعت العبقرية، وتبع ذلك قراءة التوصيات الختامية والكلمة الرسمية للسيدة وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، التي وضعت النقاط على الحروف بخصوص استمرارية هذا المشروع الفكري.

وكما بدأ الحدث بكلمة الروح، انتهى بسحر الفن، حيث شهد مساء الخميس حفلاً فنياً افتتاحياً استثنائياً على مستوى الضريح الملكي الموريتاني بولاية تيبازة، وهو اختيار مكاني له دلالات عميقة، فهو يربط بين الفكر وبين شواهد الحضارة المادية، ليعلن للعام أن الجزائر تظل دائماً “أرض اللقاء” ومنبعاً لا ينضب للإبداع الكوني.

لقد نجحت الجزائر في هذه الطبعة الأولى من اللقاءات الأفرومتوسطية للفكر في أن تجعل من أوغسطين جسراً حقيقياً، ليس فقط بين الماضي والحاضر، وإنما بين ضفتي المتوسط، مؤكدة أن السيادة الحقيقية تبدأ من “السيادة على المعنى” واستعادة الرموز التي طالما حاول الآخرون اختزالها أو تغييب جذورها الأصلية.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"