الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر من مستهلك رئيسي إلى فاعل في سوق الهيدروجين

Author
صبرينة عيلان 21 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يشهد سوق الهيدروجين في القارة الإفريقية تحولات متسارعة، خلال السنوات الأخيرة، مدفوعا بتزايد الطلب على الاستخدامات الصناعية المرتبطة بإنتاج الأمونيا والأسمدة والمنتجات البتروكيميائية، في ظل تنامي الاهتمام العالمي بمصادر الطاقة الجديدة والانتقال نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات الكربونية.

وتعكس المؤشرات الحديثة هذا المسار التصاعدي، بعدما قفز الطلب الإفريقي على الهيدروجين بأكثر من 72 بالمئة، خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2024، ليرتفع من 1,8 مليون طن، إلى 3,1 مليون طن، بما يكشف عن تغيرات تدريجية في خريطة الطاقة والصناعة داخل القارة.

وقد برزت الجزائر كأحد أهم الفاعلين في السوق الإفريقية، بعدما احتلت المرتبة الثانية قاريا بحصة بلغت 20 بالمئة من إجمالي الطلب، مع ارتفاع استهلاكها إلى نحو 0,7 مليون طن سنة 2024، أي ما يعادل أربعة أضعاف مستويات الاستهلاك قبل اثني عشر عاما.

وبين المؤشرات التي تعكس توسع السوق الإفريقية والرهانات الدولية المرتبطة بالتحول الطاقوي، تبرز قدرة الجزائر على استثمار موقعها الحالي، ليس فقط كسوق كبيرة لاستهلاك الهيدروجين، وإنما كفاعل إقليمي قادر على تحويل موارده وإمكاناته إلى قيمة اقتصادية وصناعية مضافة، تفتح آفاقا جديدة للتنويع الاقتصادي وتعزيز الحضور الجزائري في أسواق الطاقة المستقبلية.

الجزائر من الاستهلاك إلى مركز إنتاج الهيدروجين الإقليمي

وفي الموضوع، يرى الدكتور أحمد طرطار، الخبير في مجال الطاقة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الارتفاع المتسارع للطلب على الهيدروجين في القارة الإفريقية، خلال السنوات الأخيرة، ليس مؤشرا ظرفيا أو مرتبطا بعوامل قصيرة المدى، بل يعكس تحولات هيكلية عميقة تعرفها الاقتصادات الإفريقية والقطاع الطاقوي العالمي.

ويؤكد أن قفز الطلب على الهيدروجين في إفريقيا بأكثر من 72 بالمئة خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2024، من 1,8 مليون طن إلى 3,1 مليون طن، يكشف عن دخول القارة تدريجيا في مرحلة جديدة تتداخل فيها اعتبارات التصنيع والأمن الغذائي والتحول الطاقوي ومتطلبات خفض الانبعاثات.

وأوضح أن أحد أبرز العوامل التي تقف وراء هذا النمو يتمثل في التوسع الكبير للصناعات المرتبطة بالهيدروجين، وعلى رأسها صناعة الأمونيا والأسمدة النيتروجينية التي أصبحت تشكل إحدى القضايا الاستراتيجية بالنسبة للقارة الإفريقية في ظل تحديات الأمن الغذائي. فالأرقام تشير إلى أن قطاع إنتاج الأمونيا استحوذ وحده على 75 بالمائة من إجمالي الطلب الإفريقي على الهيدروجين خلال سنة 2024، وهي نسبة تكشف أن الجزء الأكبر من الاستهلاك مرتبط مباشرة بالقطاع الزراعي والغذائي.

وأضاف طرطار أن القارة الإفريقية تواجه ضغوطا متزايدة مرتبطة بالنمو السكاني والطلب المتصاعد على الغذاء، ما يفرض رفع الإنتاج الزراعي وتحسين استعمال الأسمدة، وبالتالي زيادة الحاجة إلى الهيدروجين باعتباره مادة أساسية في تصنيع الأمونيا والأسمدة النيتروجينية.

وأشار إلى أن التقرير ذاته يتوقع إمكانية خلق طلب إضافي يصل إلى 1,5 مليون طن من الهيدروجين في حال نجحت الدول الإفريقية في تنفيذ أهدافها الخاصة بزيادة استعمال الأسمدة، وهو ما يعني أن السوق الإفريقية ما تزال في بداية مسار نمو طويل الأمد.

في حين أظهر تقرير حديث لوحدة أبحاث الطاقة، أن الجزائر رفعت استهلاكها من الهيدروجين بنحو أربعة أضعاف خلال الفترة نفسها، ليصل إلى 0,7 مليون طن في عام 2024، ما جعلها واحدة من أكبر أسواق الهيدروجين في إفريقيا إلى جانب مصر ونيجيريا.

وبحسب توزيع الطلب على الهيدروجين في القارة، استحوذت 6 دول فقط من أصل 54 دولة أفريقية على كامل الطلب تقريبا، وجاءت مصر في الصدارة بنسبة 49%، تلتها الجزائر بـ20%، ثم نيجيريا بـ17%، وليبيا وجنوب إفريقيا بنسبة 5% لكل منهما، وغينيا الاستوائية بـ3%.

وسجلت نيجيريا أكبر معدل نمو خلال الفترة محل الدراسة، إذ ارتفع الطلب على الهيدروجين بأكثر من 11 مرة ليصل إلى أكثر من 0,6 مليون طن، بينما ارتفع الطلب في مصر من 1,2 مليون طن عام 2012 إلى نحو1,5 مليون طن في 2024.

ويُظهر التقرير أن الهيدروجين المنتج من الغاز الطبيعي هيمن على السوق الإفريقية خلال 2024، بعدما لبّى 90% من إجمالي الطلب، مستهلكًا نحو 6% من إنتاج القارة من الغاز الطبيعي البالغ 240 مليار متر مكعب.

في المقابل، ساهم الهيدروجين المنتج من الفحم في تلبية 3% من الطلب الإفريقي، بينما جاءت نسبة 7% المتبقية من المنتجات الثانوية، مثل الهيدروجين الناتج عن عمليات التكرير.

وعلى مستوى القطاعات المستهلكة، استحوذ إنتاج الأمونيا على 75% من إجمالي الطلب على الهيدروجين في إفريقيا خلال 2024، متقدمًا على قطاع التكرير الذي استحوذ على 13%.

وتقود مصر الطلب على الهيدروجين المستخدم في إنتاج الأمونيا، مستفيدة من مكانتها بين أكبر منتجي الأمونيا عالميًا، بإنتاج بلغ 4 ملايين طن خلال عام 2025.
كما تمتلك إفريقيا 14 محطة لإنتاج الأمونيا، بينها 4 محطات فقط تقع في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

الجزائر تفرض حضورها في سوق الهيدروجين الإفريقية

وبخصوص احتلال الجزائر المرتبة الثانية إفريقيا بحصة بلغت 20 بالمئة من إجمالي الطلب، يرى الدكتور طرطار أن الأمر ليس حدثا مفاجئا، بل نتيجة مباشرة لتراكمات صناعية وبنية طاقوية قوية تمتلكها الجزائر منذ عقود.

وقال طرطار إن الجزائر تمتلك صناعة بترولية وغازية كبيرة، إضافة إلى شبكة واسعة من الصناعات البتروكيميائية والتكرير وإنتاج الأسمدة والمنتجات الكيميائية، وهي قطاعات تعتمد بشكل كبير على الهيدروجين.

وأوضح أن الجزائر رفعت استهلاكها من الهيدروجين بنحو أربعة أضعاف خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2024 ليصل إلى نحو 0,7 مليون طن، وهو تطور يعكس ديناميكية مهمة في النشاط الاقتصادي والصناعي الوطني.

وأضاف أن تموقع الجزائر مباشرة خلف مصر التي تستحوذ على 49 بالمائة من الطلب الإفريقي، وأمام دول كبرى مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا، يؤكد أن الجزائر أصبحت أحد الفاعلين الرئيسيين في سوق الهيدروجين الإفريقية.

وأشار إلى أن هذا الموقع يرتبط أيضا بامتلاك الجزائر احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي وبنية تحتية متطورة تشمل الأنابيب ومحطات المعالجة ومركبات إنتاج الأسمدة ومصافي التكرير.

ويرى الدكتور أحمد طرطار أن تضاعف استهلاك الجزائر للهيدروجين لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة فقط، بل يعكس عاملين متداخلين.

وأوضح أن العامل الأول يرتبط بتوسع النشاط الصناعي التقليدي، خصوصا في مجالات التكرير والبتروكيمياء وإنتاج الأسمدة، وهي قطاعات تستعمل الهيدروجين بصورة مباشرة.
أما العامل الثاني، فيرتبط ببداية تشكل رؤية استراتيجية لدى الجزائر مرتبطة باقتصاد الهيدروجين كمجال مستقبلي.
وأضاف المتحدث أن الجزائر لم تعد تنظر إلى الهيدروجين كمادة صناعية فقط، وإنما كأحد رهانات المستقبل الطاقوي العالمي، خاصة مع التحولات الدولية نحو الطاقات النظيفة.
وأشار إلى أن الجزائر بدأت، خلال السنوات الأخيرة، في إطلاق مشاريع وشراكات مرتبطة بالهيدروجين الأخضر، خصوصا مع شركاء أوروبيين، ما يعكس إدراكا مبكرا للتحولات الجارية في الأسواق العالمية للطاقة.

وأكد أن هذا التطور يضع الجزائر أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل موقعها في الاقتصاد الطاقوي الدولي.

من سوق مستهلك إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الهيدروجين

وأكد الدكتور طرطار أن الجزائر تمتلك فعليا معظم المقومات التي تسمح لها بالانتقال من مجرد سوق مستهلك للهيدروجين إلى مركز إقليمي لإنتاجه وتصديره.
وأوضح أن أول عناصر القوة يتمثل في الموقع الجغرافي الاستراتيجي للجزائر باعتبارها أقرب نقطة إفريقية نحو الأسواق الأوروبية التي يتوقع أن تصبح أكبر مستهلك عالمي للهيدروجين خلال العقود القادمة.

وأضاف أن الجزائر تمتلك أيضاً شبكة أنابيب غاز ضخمة تربطها مباشرة بالقارة الأوروبية، وهو عنصر يمكن استغلاله مستقبلاً لنقل الهيدروجين أو مزجه مع الغاز الطبيعي.

كما أشار إلى توفر احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي يمكن استخدامها في إنتاج الهيدروجين الأزرق، إضافة إلى الإمكانات الشمسية الهائلة التي تسمح بإنتاج الهيدروجين الأخضر.

وقال طرطار إن الجزائر تمتلك آلاف الساعات السنوية من الإشعاع الشمسي، وهو ما يمنحها أفضلية تنافسية مهمة في إنتاج الكهرباء النظيفة اللازمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر بتكاليف أقل مستقبلا.

وأوضح أن الانتقال من الاستهلاك إلى التصدير يتطلب استثمارات ضخمة وتطوير التكنولوجيا وتكوين الكفاءات وإنشاء منظومات صناعية متكاملة.
وبشأن هيمنة الهيدروجين المنتج من الغاز الطبيعي على السوق الإفريقية بنسبة 90 بالمئة، خلال سنة 2024، يرى الدكتور طرطار أن هذا الأمر يبدو منطقياً بالنظر إلى طبيعة الموارد الإفريقية الحالية.

وأوضح أن إنتاج الهيدروجين من الغاز الطبيعي يعد أقل تكلفة وأكثر انتشارا من الناحية التقنية، خاصة بالنسبة للدول التي تمتلك احتياطيات غازية معتبرة مثل الجزائر ومصر ونيجيريا.

لكنه أشار في المقابل إلى أن هذا الوضع قد يتحول مستقبلا إلى تحد حقيقي في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الهيدروجين الأخضر منخفض الانبعاثات الكربونية.

وأضاف أن العالم اليوم لا يبحث فقط عن الهيدروجين، وإنما يبحث عن الهيدروجين منخفض البصمة الكربونية.

وأكد أن الأسواق الأوروبية تحديدا بدأت تضع معايير بيئية صارمة قد تؤثر مستقبلا على تنافسية الهيدروجين المنتج بالطرق التقليدية.

ويرى أن الجزائر تمتلك فرصة لتجنب هذا التحدي من خلال تطوير نموذج مزدوج يجمع بين الهيدروجين الأزرق المعتمد على الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر المعتمد على الطاقة الشمسية.

وشدد الدكتور أحمد طرطار على أن ملف الهيدروجين لا ينبغي النظر إليه من زاوية الطاقة فقط، بل باعتباره مشروعا اقتصاديا وصناعيا وتنمويا متكاملا.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية