الجمعة، 15 مايو 2026 — 27 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر–موريتانيا.. شراكة تكاملية بعلامة 10 على 10

Author
حميد سعدون 16 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد العلاقات الجزائرية–الموريتانية، ديناميكية متصاعدة، تعكس إرادة سياسية مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي وتوسيع آفاق الشراكة الاقتصادية والطاقوية والبرلمانية بين البلدين. وتترجم هذه الديناميكية من خلال سلسلة من المبادرات واللقاءات والفعاليات الاقتصادية التي تهدف إلى تحويل التقارب السياسي والتاريخي بين الجزائر وموريتانيا، إلى مشاريع ملموسة ومصالح مشتركة تخدم الشعبين، في إطار رؤية تقوم على التكامل الإقليمي وتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.

 وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات عن تنظيم الطبعة الثامنة للمعرض الخاص بالمنتجات والخدمات الجزائرية في العاصمة الموريتانية نواكشوط، خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 11 ماي 2026. ويعد هذا الموعد الاقتصادي محطة مهمة لتعزيز المبادلات التجارية الثنائية وإبراز القدرات الإنتاجية والتصديرية للاقتصاد الجزائري نحو الأسواق الإفريقية، وعلى رأسها السوق الموريتانية التي تشكل شريكا استراتيجيا للجزائر في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

ويمثل هذا المعرض فضاء اقتصاديا يجمع المتعاملين الاقتصاديين من البلدين، حيث سيعرف مشاركة عدد معتبر من المؤسسات والشركات الجزائرية الناشطة في مجالات متنوعة تشمل الصناعات الغذائية والمنتجات الفلاحية والصناعات الصيدلانية ومواد التجميل والتنظيف، إلى جانب مواد البناء والتجهيزات الصناعية ومختلف الصناعات التحويلية، فضلا عن الخدمات الصحية والسياحية. ومن شأن هذه المشاركة المتنوعة أن تفتح المجال أمام إقامة شراكات مباشرة بين رجال الأعمال في البلدين، بما يعزز فرص الاستثمار ويشجع على نقل الخبرات وتطوير المبادلات التجارية.

ويأتي تنظيم هذه التظاهرة الاقتصادية في إطار تجسيد الإرادة المشتركة للسلطات في الجزائر وموريتانيا الرامية إلى الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية والتجارية إلى مستويات أكثر تقدما، خاصة في ظل التوجه المتزايد نحو تنويع الشراكات الاقتصادية وتوسيع حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الإفريقية. كما يشكل المعرض فرصة مهمة لتعريف المتعاملين الموريتانيين بمختلف الإمكانات الصناعية والخدماتية التي بات الاقتصاد الجزائري يوفرها في عدة قطاعات، وهو ما يعزز فرص التعاون الاقتصادي طويل المدى بين البلدين.

تعاون برلماني يعزز مسار التكامل بين الجزائر وموريتانيا

ولا يقتصر التقارب بين الجزائر وموريتانيا على المجال الاقتصادي فحسب، بل يشمل أيضا التعاون البرلماني والمؤسساتي الذي شهد بدوره تقدما ملحوظا خلال الأشهر الماضية. ففي فيفري الماضي، احتضنت الجزائر العاصمة أشغال الدورة الأولى للجنة البرلمانية الكبرى الجزائرية–الموريتانية، التي انعقدت يومي 13 و14 فيفري تحت إشراف رئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي ورئيس الجمعية الوطنية الموريتانية محمد بمب مكت.

وقد توجت هذه الدورة ببيان ختامي أكد التزام الطرفين بالعمل المشترك لدعم الجهود الحكومية الرامية إلى رفع مستوى التعاون والشراكة الثنائية، مع التشديد على أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسستان التشريعيتان في البلدين في مرافقة السياسات الحكومية وتعزيز التنسيق البرلماني في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.

كما أبرز البيان مستوى التعاون البرلماني القائم بين الجزائر وموريتانيا، مؤكدا عزم الجانبين على تنفيذ التوصيات التي خرجت بها هذه الدورة وتحويلها إلى مشاريع عملية ذات أثر تنموي مباشر. ويعكس إنشاء هذه اللجنة البرلمانية الكبرى المكانة الخاصة التي تحظى بها العلاقات الثنائية، حيث تعد موريتانيا أول دولة يؤسس معها المجلس الشعبي الوطني مثل هذه الآلية البرلمانية، وهو ما يعكس عمق الثقة المتبادلة والإرادة السياسية القوية لدى قيادتي البلدين لتطوير التعاون المشترك.

وقد ركزت التوصيات المنبثقة عن هذه الدورة على عدد من المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتكامل الاقتصادي بين البلدين، من بينها العمل على إنشاء سلسلة إنتاج مشتركة، ومشروع خط السكة الحديدية الرابط بين تندوف وزويرات، إلى جانب إشراك القطاع الخاص ورجال الأعمال في أشغال اللجنة البرلمانية المقبلة.

كما دعت التوصيات إلى إنشاء قطب صناعي مشترك في مجال الصيد البحري والمنتجات الصيدية، وتطوير الخطوط البحرية والبرية والجوية التجارية بما يتماشى مع متطلبات السوق، إضافة إلى تعزيز الشراكة في القطاع الفلاحي والعمل على إنشاء منطقة حرة مشتركة بين البلدين. وشملت المقترحات كذلك وضع أطر قانونية وإجرائية لتنظيم استيراد وتصدير المواشي، فضلا عن إعداد اتفاقية إطار لمواءمة التشريعات المتعلقة بالجمارك والاستثمار.

وفي السياق ذاته، أوصى الطرفان بتشكيل لجنة فرعية لمتابعة تنفيذ المشاريع المتفق عليها وتنظيم زيارات ميدانية برلمانية للاطلاع على تقدم المشاريع المشتركة، إلى جانب دعم إنشاء مشاريع تعاون في مجال الصناعة الصيدلانية وتسهيل تسجيل الأدوية الجزائرية في موريتانيا، بما يعزز التعاون الصحي بين البلدين.

خبرة جزائرية لدعم تطوير قطاع الطاقة في موريتانيا

إلى جانب هذا التعاون السياسي والاقتصادي، يشهد التعاون الطاقوي بين الجزائر وموريتانيا بدوره تقدما لافتا، وهو ما برز خلال الزيارة التي قام بها وزير الطاقة والنفط الموريتاني يوم 17 فيفري الماضي إلى مقر مسير المنظومة الكهربائية بالجزائر، مرفوقا بوفد رفيع المستوى يضم مسؤولين من قطاع الطاقة والكهرباء والمحروقات في موريتانيا.

 وخلال هذه الزيارة، قدمت للوفد الموريتاني شروحات مفصلة حول كيفية تسيير المنظومة الكهربائية في الجزائر والتقنيات الحديثة المعتمدة في إدارة الشبكة الوطنية للطاقة، قبل أن يعقد الطرفان محادثات موسعة تناولت مجالات التعاون الممكنة بين البلدين، خاصة في ما يتعلق بتطوير شبكة نقل الكهرباء في موريتانيا والاستفادة من الخبرة الجزائرية في مجالات الهندسة الكهربائية والتموين بالعتاد الطاقوي.

كما بحث الجانبان سبل التعاون في مجال تكوين المهندسين والتقنيين الموريتانيين، حيث أبدى المسؤولون الجزائريون استعدادهم لفتح مدارس التكوين المتخصصة التابعة لمجمع سونلغاز أمام الإطارات والطلبة الموريتانيين، في إطار دعم نقل المعرفة وتعزيز القدرات التقنية في قطاع الطاقة.

وأكد مسؤولو المجمع استعدادهم لمرافقة الشركة الموريتانية للكهرباء في مختلف مراحل تطوير قطاع الطاقة، سواء في مجال إنتاج الكهرباء أو نقلها وتوزيعها، إلى جانب تبادل الخبرات في مجالات الطاقات المتجددة والتحكم في الشبكات الكهربائية.

وفي ختام الزيارة، أكد وزير الطاقة والنفط الموريتاني حرص بلاده على تعزيز علاقات التعاون مع الجزائر في إطار اتفاقيات ثنائية تشمل التموين بالعتاد الكهربائي وتبادل الخبرات والتكوين، بما يسهم في دعم الأمن الطاقوي في القارة الإفريقية ومواكبة التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة على المستويين الإقليمي والدولي.

وتعكس هذه المبادرات المتعددة—سواء في المجال الاقتصادي أو البرلماني أو الطاقوي—حيوية العلاقات الجزائرية الموريتانية وعمق الروابط التي تجمع البلدين، كما تؤكد وجود إرادة مشتركة لتحويل هذه العلاقات إلى نموذج للتعاون الإقليمي القائم على التكامل الاقتصادي وتبادل المصالح والخبرات.

ومع استمرار تكثيف اللقاءات الثنائية وإطلاق مشاريع مشتركة في مختلف المجالات، تبدو آفاق التعاون بين الجزائر وموريتانيا واعدة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وهو ما يجعل من هذا التقارب ركيزة أساسية لتعزيز التنمية والاستقرار في الفضاء المغاربي والإفريقي.