الجمعة، 17 يوليو 2026 — 30 محرم 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

الجزائر.. هكذا استخدمت نساء «آث يني» لغة التشفير والرموز التعبيرية!

Author
علي مغازي 14 مايو 2022
X Facebook TikTok Instagram

تنتصب «آث يني» ـ الواقعة جنوب ولاية تيزي وزو ـ كقطعة سحرية محاطة بهيبة جبال جرجرة ضمن منطقة القبائل الجزائرية حيث تبدو كرسم خالد في شكل مشبع بالدلالات، لا يختلف عن تلك الأشكال التي تشتهر بها الحلي التقليدية هناك وقد عايشت مختلف الأجيال المتعاقبة محتفظة بمكانتها كأفضل وسيلة تستخدمها النساء للظهور في أبهي حلة، إلى جانب تلك القدرة الهائلة على الترميز، فكل قطعة حلي هي بمثابة رسالة لها دلالاتها ومعانيها. 

ويؤكد صائغون تقليديون ـ ومنهم «عز الدين كبوس» و«قاسي شويشي» و«مليك مالكي» ـ خلال حديثهم للصحافة عن التراث المادي المرتبط بالحلي التقليدية بـ«آث يني»، أن شهادات اللذين سبقوهم من كبار السن، تشير دائما إلى “أن ارتداء الحلي في الماضي كان له دلالات مشفرة”.

وذكر هؤلاء على سبيل المثال أن “ارتداء الحلي في الماضي لم يكن عشوائيا، وليس مستحبا في أي وقت كان”، فـ«تاعصافث» مثلا (وهي قطعة من الحلي ما بين التاج والقلادة، تُوضع على الجبهة) مخصصة حصريا للنساء المتزوجات، بينما كانت الفتاة غير المتزوجة تضع «ثافزيمت» على صدرها في حين تضعها المتزوجة على الجبهة وتلحقها المرأة التي لديها أولاد ببعض المجوهرات المتدلية.

وكانت المرأة التي فقدت زوجها تضع «الأدوير» (الدائرة) بالمقلوب كرمز حداد، وهي قطعة حلي كبيرة مستديرة مرصعة في الوسط بقطعة مستديرة من المرجان ومزخرفة بمادة لامعة مختلفة الألوان وكرات من الفضة والمرجان.

كما أكدت الشهادات المستقاة لدى عدد من السيدات بالمنطقة، أن في نوع المجوهرات التي ترتديها المرأة رسائل لنظيراتها من النساء، كالتعريف مثلا خلال أعراس الختان بمن هي أم الطفل المختون، أو أن تخبر زوجها العائد من رحلة بوجود حداد بالقرية، أو أن تعبر عن عدم رغبتها أو عدم استطاعتها الرقص خلال حفلة ما أو حتى الإعلان عن فتاة مخطوبة.

كما تعرف المرأة العازبة بارتدائها لازرار نلحرز أو عقد الصندوق (عقد التميمة) ترتديه حول عنقها وهو مغلق، في حين ترتديه المتزوجة فوق فستانها القبائلي بحيث تقوم بتعليقه على مستوى الكتف بقطعتين فضيتين صغيرتين مزينتين بالمرجان على شكل مثلث.

حلي تكيفت مع الزمن

وترتبط حلي «آث يني» ارتباطا وثيقا بالزى الأمازيغي التقليدي في الجزائر، حيث رافقت تطوره على مر السنين وتكيف الاثنان مع المتغيرات التي استحدثتها الأجيال المتعاقبة دون التخلي عن أصالتهما.

كما رافق صائغ الحلي التقليدية هدا التطور من خلال التحديث المستمر لأساليب ووسائل عمله مع الاحتفاظ بطابعها التقليدي، في الوقت الذي تم فيه تكييف الحلي مع متطلبات السوق وذلك من خلال تقليص أحجامها موازاة مع التركيز أكثر على جماليتها، وهو ما أدى بحلي «آث يني» إلى تغيير وظيفتها بتحولها إلى حلي خاصة بالزينة مضحية بذلك التعبير المشفر التي تحمله، وفق توضيحات مالكي وكبوس وشويشي.

كما نفى هؤلاء الحرفيون الأطروحة التي تروج لعائلة آث عباس من بجاية أنها هي أول من جلبت مهنة صناعة الحلي إلى المنطقة، بالرغم من استحالة، كما قالوا، “تحديد فترة ظهور حلي «آث يني» المصنوعة من الفضة والمزينة بتلك الألوان المميزة من الأخضر والأصفر والأزرق والكرات الفضية والمرجانية، بدقة، بسبب قدميتها”، على حسب قولهم.

كما أشار  شويشي في هدا الصدد إلى وجود “روايات تاريخية، من بينها رواية إميل كاري، تفيد بخروج نساء «آث يني» لدى وصول سجناء آث عباس (علام)، وهن متحليات بقطع كبيرة من المجوهرات احتفالا بانتصار مملكة كوكو على آث عباس (بجاية)”.

كما اعترف المتحدث “أن عرش علام التابع لـ«آث عباس» قد عملوا، عقب استقرارهم بقرية آث لربعا (آث يني) على إضفاء بصمتهم الخاصة على حلي هناك يني، ما زادها قيمة مضافة”.

وأضاف أن حلي «آث يني» هي ثمرة خبرة طويلة في الميدان، مبرزا خصوصيتها المتميزة بـ”تقنية التزيين بالألوان، والتي قد تعود إلى العهد البيزنطي”، وفق المؤرخين في المجال.

وكان حدادّو «آث يني»، وفق ذات المصدر، يمتهنون صناعة الأسلحة والأدوات الزراعية والحلي على حد سواء، من خلال تقنية الطرق، وهكذا بقيت حلي «آث يني» متميزة عبر العصور، بفضل تقنية تصنيعها، التي تطورت عبر السنين مع الاحتفاظ بخاصيتها التقليدية بفضل خبرة صائغي المجوهرات التي ورثوها عن أسلافهم، وتحكمهم في السبائك والأحماض والطلاء بالكروم واستغلال المرجان الجاف.

وبالفعل ينفرد صائغو «آث يني» عن غيرهم بكونهم الوحيدين الذين يتحكمون في تقنية استغلال هده المادة الأولية (المرجان) وهي جافة من لاستعمال مسحوق المرجان كمادة مساعدة على التئام الجروح، وفق توضيحات كبوس وشويشي ومالكي.

كما أكد العديد من محترفي هده المهنة أن “الحلي بالنسبة لنا ليست مجرد إكسسوارات تتزين بها النساء، بل هي فعل ثقافي، وناقلة لتراث وخبرة وهوية من آلاف السنين، ما يستدعي ضرورة المحافظة عليها وحمايتها بشكل استعجالي عبر تصنيفها وتوسيمها لمواجهة التقليد ومحاولات احتكار هدا التراث القديم من قبل بعض البلدان”.