الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الجزائر وألمانيا.. شراكة استراتيجية لتعزيز الصناعة وتوطين المعرفة

Author
إيمان عبروس 16 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الجزائر وجمهورية ألمانيا الاتحادية ديناميكية متسارعة وغير مسبوقة، تدفعها رغبة حقيقية وإرادة سياسية صلبة من كلا البلدين لتعزيز وتوسيع آفاق التعاون والشراكة في مجالات حيوية متعددة تشمل الصناعة، والطاقات المتجددة، والتكنولوجيا الحديثة، والتكوين المهني، والتحول الرقمي. 

وفي ظل الإصلاحات الهيكلية والجذرية الشاملة التي تبنتها الدولة الجزائرية في الآونة الأخيرة لتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، تبرز هذه الشراكة الاستراتيجية كبوابة رئيسية ونموذجية لنقل المعرفة، وتوطين الخبرات الألمانية الرائدة، وتنويع الاقتصاد الوطني خارج قطاع المحروقات، ورفع حجم المبادلات التجارية والاستثمارية ذات القيمة المضافة العالية، بما يحقق المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة لكلا الطرفين في إطار معادلة رابح-رابح.

هذا الزخم المتنامي يطرح تساؤلا جوهريا حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه العلاقات الاقتصادية الواعدة، وكيف يمكن تحويلها من مجرد مبادلات تجارية تقليدية قائمة على التوريد والاستهلاك، إلى شراكة استراتيجية حقيقية تدعم التحول الهيكلي للاقتصاد الجزائري، وتساهم في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية متينة تضمن السيادة الاقتصادية وتدفع بقطار التنمية المستدامة إلى آفاق أرحب.

الانتقال نحو الاستثمار المنتج والشراكة المستدامة

وفي هذا الإطار، أكد الخبير في الشأن الاقتصادي، الأستاذ هواري تيغرسي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن المقومات والظروف الراهنة التي يمر بها الاقتصاد العالمي والوطني تؤهل العلاقات الجزائرية الألمانية بشكل كامل للارتقاء الفوري من صيغ التبادل التجاري التقليدي المتمثل في استيراد السلع والآلات والمعدات، إلى فضاء الشراكة الاستراتيجية المنتجة والمستدامة.

وأوضح تيغرسي أن تجسيد هذا المسار الطموح على أرض الواقع يظل رهيناً بمدى قدرة البلدين على تحويل الإرادة السياسية والمصالح المشتركة إلى مشاريع إنتاجية وصناعية كبرى ملموسة على المدى الطويل، والتخلي التام عن منطق الوكالة التجارية البسيطة.

وأشار إلى أن الجزائر دخلت بالفعل عهدا جديدا من الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية الجريئة، والتي ترتكز أساسا على قانون الاستثمار الجديد الذي يمنح ضمانات وحوافز غير مسبوقة للمستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء. وتستهدف هذه الإصلاحات تذليل العقبات البيروقراطية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتطوير المناطق الصناعية واللوجستية بمواصفات عالمية، فضلا عن تسريع وتيرة رقمنة الإدارات والمؤسسات العمومية، ودعم قطاع المؤسسات الناشئة والمصغرة، ورفع مساهمة القطاع الخاص الوطني في الناتج المحلي الإجمالي.

في سياق متصل أوضح، تيغرسي أن ألمانيا تعيش تحولات اقتصادية وجيوسياسية عميقة تدفعها للبحث المستمر عن شركاء استراتيجيين موثوقين لتأمين سلاسل الإمداد العالمية، وتنويع مصادر الطاقة التقليدية والنظيفة، والتوسع الذكي نحو الأسواق الإفريقية الواعدة.

وهنا تبرز الجزائر كشريك مثالي وطبيعي للعملاق الألماني، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي كبوابة لشمال إفريقيا وحلقة وصل بين أوروبا والقارة السمراء، بالإضافة إلى وفرة الموارد الطبيعية والمواد الأولية، وامتلاكها لاتفاقيات تجارية تفاضلية مع الدول الإفريقية والعربية، فضلا عن البنية التحتية المتطورة من شبكات طرقات، وموانئ، ومطارات، وخطوط أنابيب نقل الطاقة.

قطاعات واعدة لتجسيد التكامل الصناعي وتوطين المعرفة

وفي سياق تفصيله للقطاعات الحيوية التي تشكل عماد هذا الصرح الاستراتيجي، حدد الخبير في الاقتصاد حزمة من المجالات ذات الأولوية القصوى القادرة على التأسيس لنموذج اقتصادي متكامل، ويأتي في طليعتها تطوير الصناعات التحويلية والميكانيكية عبر إقامة مصانع مشتركة لإنتاج قطع الغيار، والمكونات الإلكترونية، والصناعات الكهربائية والكيميائية محلياً، وهو ما يضمن اندماج النسيج الصناعي الوطني ضمن سلاسل التوريد العالمية للمجموعات الألمانية الكبرى. ويرتبط هذا المسار ارتباطا وثيقا بضرورة توطين التكنولوجيا وبناء شراكات بحثية علمية فاعلة تربط الجامعات والمدارس العليا بمراكز الابتكار ومؤسسات التصنيع الرائدة، تزامناً مع تبني النموذج الألماني المتميز في التكوين المهني المزدوج لتأهيل كفاءات شابة متمكنة تقنيا قادرة على تلبية متطلبات المشاريع الكبرى.

وتكتمل هذه الرؤية الاندماجية بالتوجه نحو التحوّل الرقمي وتطبيقات الصناعة الذكية، للاستفادة من حلول الأتمتة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في رفع كفاءة المؤسسات الإنتاجية وتحديث منظومتها التشغيلية واللوجستية وفق أعلى المعايير العالمية.

الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر كقاطرة للاقتصاد الجديد

وتحظى مشاريع الطاقة النظيفة والتنمية المستدامة بحيز استراتيجي بارز ورئيسي في مستقبل الشراكة بين الجزائر وبرلين، وأوضح تيغرسي أن العالم يعيش سباقا محموما نحو الحياد الكربوني وتقليل الانبعاثات الضارة، وهو ما يضع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر في قلب الاستراتيجيات الدولية.

وتعتبر الجزائر، بفضل مساحاتها الصحراوية الشاسعة، ومعدلات الإشعاع الشمسي الهائلة التي تصنف ضمن الأعلى عالمياً، فضلاً عن شبكة أنابيب الغاز الطبيعي العابرة للقارات والجاهزة للنقل والدمج، مرشحة طبيعية لتكون المصدر الأول والأكثر موثوقية للطاقة النظيفة نحو القارة الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا.

ومن جهتها، تمتلك ألمانيا التكنولوجيا والابتكارات الهندسية المتطورة لتوليد ونقل وتخزين الطاقات المتجددة، فضلاً عن حاجة سوقها الصناعية الكثيفة لإمدادات ضخمة ومستمرة من الطاقة الخضراء للحفاظ على تنافسيتها العالمية.

هذا الوضع يخلق تكاملا طاقويا واقتصاديا مثاليا ونموذجيا بين الطرفين، فالجزائر لا تريد فقط تصدير الطاقة كمادة خام، بل تطمح من خلال هذه الشراكة إلى توطين صناعة الألواح الشمسية، والمحولات، وأجهزة التحليل الكهربائي للهيدروجين الأخضر، وبناء الكفاءات الهندسية الوطنية القادرة على إدارة وتطوير هذه المنشآت الطاقوية المعقدة.

إن الاستثمار الألماني المباشر في هذا القطاع الحيوي سيساهم بشكل مباشر في دعم البرنامج الوطني الجزائري الطموح للطاقات المتجددة، ويسرّع من عملية الانتقال الطاقوي المحلي، ما يسمح بحفظ كميات هائلة من الغاز الطبيعي المستخدم حالياً في توليد الكهرباء محليا، وتوجيهه نحو الصناعات التحويلية البتروكيماوية ذات القيمة المضافة العالية، أو الحفاظ عليه كاحتياطي استراتيجي للأجيال القادمة.

عوائد هيكلية وآفاق تنموية واعدة

وعلى الصعيد الكلي، تفضي هذه الشراكة الاستراتيجية إلى تحقيق عوائد هيكلية ملموسة تضمن إعادة تشكيل البنية الاقتصادية الوطنية؛ ويتصدر هذه المكاسب تنويع مصادر الدخل عبر فك الارتباط التاريخي بقطاع الريع الطاقوي وتحصين الموازنة العامة من تقلبات أسواق النفط العالمية. وتتكامل هذه الخطوة مع تعزيز القدرة التنافسية للمنتج المحلي عبر إخضاعه لدفاتر شروط ومقاييس جودة تتوافق مع المعايير الأوروبية الصارمة، ما يمهد لنفاذ السلع الوطنية إلى الأسواق الدولية ويسرع من وتيرة التصدير خارج المحروقات.

كما تتيح هذه التوأمة الصناعية إنعاش سوق العمل من خلال استحداث آلاف الوظائف النوعية المستدامة لشباب الجامعات والمعاهد العليا في قطاعات تقنية دقيقة ذات قيمة مضافة عالية، وصولا إلى إدماج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة العالمية عبر تحويلها إلى مناول ومورد أساسي للمجمعات الصناعية الألمانية الرائدة، الأمر الذي يضمن تدويل نشاطها ويسرّع وتيرة نموها.

هندسة بيئة الاستثمار ومقومات التمكين الميداني

إن الانتقال الفعلي بالعلاقات الاقتصادية نحو آفاق استراتيجية مستدامة، يستلزم مرافقة ميدانية مرنة لترسيخ الثقة وتأسيس بيئة أعمال متطورة تمنح المستثمر رؤية واضحة طويلة المدى.

ولضمان النجاح الميداني لهذه المشاريع الطموحة، شدد الأستاذ هواري تيغرسي على حتمية مواصلة الجهود لتذليل العقبات الهيكلية واللوجستية، مبرزا الأهمية البالغة لتسريع المعاملات الإدارية المرتبطة بالاستثمار، وتكريس استقرار قانوني وتشريعي بعيد المدى يضمن الطمأنينة لأصحاب الرساميل ويحفز الشركات الألمانية على ضخ استثمارات ضخمة بثقة تامة.

وفي السياق ذاته، أشار الخبير في الاقتصاد إلى ضرورة تسريع الرقمنة الشاملة للمنظومة المصرفية، وتسييل المعاملات المالية وتسهيل تحويل الأرباح وفق الأطر التنظيمية الحديثة، جنبا إلى جنب مع تحديث المنشآت اللوجستية وتطوير شبكات النقل البحري والسكك الحديدية لضمان انسيابية حركة البضائع والمواد الأولية، وتخفيض تكاليف الإنتاج الكلية، بما يجعل الجزائر القطب الاستثماري الأكثر تنافسية وجاذبية في المنطقة.

أبعاد السيادة الاقتصادية وبناء جزائر الغد

وفي ختام تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أكد الخبير في الاقتصاد، الأستاذ هواري تيغرسي، أن مستقبل الشراكة الجزائرية الألمانية يرتبط بمدى القدرة على تحويل التقارب السياسي والإصلاحات الاقتصادية إلى استثمارات إنتاجية حقيقية ومشاريع صناعية مشتركة ذات أثر مستدام.

وأوضح أن بناء هذه الشراكة على أسس نقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وتطوير الكفاءات الوطنية، من شأنه أن يعزز تنافسية الاقتصاد الجزائري، ويدعم مسار التنويع الاقتصادي، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الثنائي القائم على القيمة المضافة والابتكار والمصالح المشتركة.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑