الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الجزائر وألمانيا.. شراكة تصنعها الطاقة وتوسعها الصناعة

Author
الأيام نيوز 16 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تفتتح الجزائر وألمانيا مرحلة جديدة في علاقاتهما، ترتكز على المصالح الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، والتنافس الدولي على بناء سلاسل إمداد أكثر أمنا، والبحث عن شركاء يمتلكون الاستقرار السياسي والقدرة الإنتاجية والموارد الطبيعية. وتأتي الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية – بدعوة من الرئيس فرانك فالتر شتاينماير – لتمنح هذا المسار زخما سياسيا واقتصاديا، وتفتح الباب أمام مرحلة أوسع من التعاون تتجاوز العلاقات التجارية التقليدية نحو شراكات إنتاجية وصناعية طويلة الأمد.

تحمل الزيارة الرسمية لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى ألمانيا أبعادا سياسية واقتصادية واستراتيجية، إذ تندرج ضمن رؤية مشتركة يقودها رئيسا البلدين لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والصناعة والاستثمار والتكنولوجيا، إلى جانب مواصلة التنسيق السياسي بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. وتؤكد اللقاءات المنتظرة بين الرئيسين حرص الجزائر وألمانيا على البناء على ما تحقق خلال السنوات الأخيرة، وتوسيع مجالات الشراكة بما ينسجم مع الإمكانات التي يمتلكها البلدان ويخدم مصالحهما المشتركة.

وترتكز العلاقات الجزائرية-الألمانية على ثقة سياسية تراكمت عبر سنوات من الحوار المنتظم والتشاور المستمر بين قيادتي البلدين، وهو ما وفر قاعدة صلبة لتوسيع الشراكة الثنائية. وأكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في أكثر من مناسبة، أهمية الارتقاء بهذا التعاون، معتبرا ألمانيا نموذجا صناعيا واقتصاديا يمكن الاستفادة من خبراته في مسار التنمية الذي تنتهجه الجزائر. وأعرب الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، بدوره، عن رغبة بلاده في تطوير التعاون مع الجزائر، خاصة في مجالات الهيدروجين والطاقات المتجددة، انطلاقا من مكانتها كشريك استراتيجي.

وتزامن هذا التقارب مع تحولات عميقة شهدتها أسواق الطاقة العالمية، دفعت أوروبا إلى إعادة صياغة أولوياتها في مجال أمن الإمدادات. وفي ظل هذا الواقع، تعززت مكانة الجزائر بفضل احتياطياتها من الغاز الطبيعي، وشبكة أنابيبها المتصلة بالقارة الأوروبية، وسجلها في احترام التزاماتها التعاقدية حتى خلال فترات الاضطراب التي عرفتها الأسواق الدولية.

وتمثل الجزائر بالنسبة لألمانيا أكثر من مورد موثوق للطاقة، إذ تمتلك مقومات تؤهلها للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج الطاقات النظيفة. فالبلاد تزخر بإمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، إلى جانب موقع جغرافي يمنحها أفضلية في الربط بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط. وتفتح هذه المعطيات المجال أمام شراكة تقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك، بدلا من العلاقة التقليدية التي تجمع بين المورد والمستهلك.

ويبرز مشروع “ساوث 2 كوريدور” بوصفه أحد أبرز المشاريع التي تمنح هذه الشراكة بعدا استراتيجيا. ويهدف المشروع إلى نقل الهيدروجين المنتج في الجزائر نحو أوروبا عبر تونس وإيطاليا وصولا إلى ألمانيا، وهو ما ينسجم مع الاستراتيجية الألمانية الرامية إلى تأمين احتياجاتها المستقبلية من الهيدروجين النظيف، في وقت تعمل فيه الجزائر على تثمين مواردها الطبيعية والدخول بقوة إلى سوق الطاقة منخفضة الانبعاثات.

ويمثل هذا المشروع جزءا من رؤية أشمل تسعى الجزائر من خلالها إلى الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تطوير صناعات متقدمة تعتمد على التكنولوجيا والقيمة المضافة. ولهذا السبب، يكتسب التعاون مع ألمانيا أهمية خاصة، بالنظر إلى الخبرة التي تمتلكها في مجالات الهندسة الصناعية، والطاقات المتجددة، والتجهيزات الكهربائية، والرقمنة، والبحث العلمي.

وتؤكد المؤشرات الاقتصادية أن العلاقات الثنائية لم تعد محصورة في قطاع الطاقة، إذ شهدت السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا في مجالات الصناعة، والصناعة الصيدلانية، والفلاحة، والميكانيك، والتكنولوجيا. ويعزز هذا المسار حضور أكثر من خمسين شركة ألمانية تنشط في السوق الجزائرية، إلى جانب اهتمام متزايد من مؤسسات صناعية كبرى بدراسة فرص الاستثمار التي أتاحها قانون الاستثمار الجديد والإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر.

وشكل إطلاق برنامج التوأمة المؤسساتية بين الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار والوزارة الفيدرالية الألمانية للشؤون الاقتصادية والطاقة مؤشرا إضافيا على رغبة الطرفين في الارتقاء بالتعاون إلى مستويات أكثر عمقا. ويستهدف البرنامج تبادل الخبرات في مجال جذب الاستثمارات النوعية، وتطوير آليات مرافقة المستثمرين، والاستفادة من التجربة الألمانية في بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية، بما يدعم جهود الجزائر الرامية إلى تنويع اقتصادها.

صناعة السيارات في صدارة أجندة الشراكة الثنائية

وتحظى صناعة السيارات بمكانة خاصة ضمن الملفات المطروحة على طاولة التعاون، بعد أن أبدت ست شركات ألمانية متخصصة اهتمامها بالسوق الجزائرية. ولا يرتبط هذا الاهتمام بحجم الطلب المحلي فقط، بل يستند أيضا إلى الموقع الجغرافي للجزائر، واتساع السوق الإفريقية، وتوفر مصادر الطاقة، وتطور البنية التحتية، وهي عناصر تمنح المستثمر الصناعي فرصا أكبر لبناء مشاريع إنتاجية تستهدف السوق الوطنية والأسواق الخارجية في الوقت نفسه.

وتفتح هذه المعطيات الباب أمام مرحلة مختلفة من التعاون الاقتصادي، تقوم على الاستثمار في التصنيع المحلي، ورفع نسبة الإدماج الصناعي، وإقامة شراكات طويلة المدى بين المؤسسات الجزائرية والألمانية. ويعزز هذا التوجه رغبة الجزائر في استقطاب استثمارات توفر التكنولوجيا والخبرة والتكوين، بما يرفع تنافسية الصناعة الوطنية ويمنحها قدرة أكبر على الاندماج في سلاسل الإنتاج الدولية.

ولا ينفصل هذا المسار عن الرؤية الاقتصادية التي تعتمدها الجزائر لتنويع مصادر الدخل الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات. ويبرز التعاون مع ألمانيا باعتباره فرصة لبناء قاعدة صناعية حديثة تستفيد من الخبرة الأوروبية، وتستثمر في المقابل الإمكانات الطبيعية والبشرية التي تمتلكها الجزائر، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية بعدا استراتيجيا يتجاوز الحسابات التجارية الآنية نحو شراكة قادرة على تحقيق مكاسب مستدامة للطرفين.

ويرى خبراء الاقتصاد أن قطاع صناعة السيارات يمثل أحد أكثر المجالات قدرة على منح العلاقات الجزائرية-الألمانية بعدا استراتيجيا جديدا، خاصة بعد التحولات التي شهدتها السياسة الصناعية في الجزائر، والتي وضعت التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا في صدارة أولوياتها. ويؤكد هؤلاء أن نجاح أي مشروع جديد لن يرتبط بعدد المركبات التي تغادر خطوط الإنتاج، وإنما بقدرته على تأسيس صناعة متكاملة تنخرط فيها المؤسسات المحلية وتستفيد منها اليد العاملة الوطنية.

دريد عبد الله، خبير الاقتصاد الدولي المقيم في ألمانيا.

وفي هذا السياق، أوضح دريد عبد الله، خبير الاقتصاد الدولي المقيم في ألمانيا، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الاهتمام الألماني بالسوق الجزائرية يعكس تغيرا في نظرة الشركات الصناعية الكبرى إلى المنطقة، بعد أن أصبحت الجزائر توفر عوامل استثمار يصعب تجاهلها، سواء من حيث الموقع الجغرافي أو البيئة الاقتصادية أو حجم الأسواق التي يمكن الوصول إليها انطلاقا من أراضيها.

وأشار إلى أن الشركات الألمانية لا تبحث عن إنشاء مصانع تقتصر مهامها على تركيب المركبات، بل تفضل الاستثمار داخل منظومات صناعية قادرة على إنتاج القيمة المضافة. وانطلاقا من هذا المنظور، يرى عبد الله أن الجزائر تمتلك فرصة حقيقية لاستقطاب هذا النوع من المشاريع، بفضل الإصلاحات التي مست مناخ الأعمال، إلى جانب موقعها القريب من أوروبا وارتباطها بأسواق إفريقية واسعة تشهد طلبا متزايدا على المنتجات الصناعية.

واعتبر المتحدث أن بناء صناعة سيارات تنافسية يتطلب رؤية أشمل من إنشاء وحدات إنتاج نهائية، إذ ينبغي أن تشمل الخطة تصنيع المكونات محليا، وتوسيع شبكة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تزود المصانع بالقطع والتجهيزات، مع الاستثمار في تكوين الكفاءات الوطنية ونقل المعرفة الصناعية. ويرى أن هذه العناصر تشكل الأساس الذي يسمح برفع نسبة الإدماج المحلي، وتقليص فاتورة الواردات، وخلق مناصب عمل مستقرة، فضلا عن رفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

وتوقف الخبير عند البعد الإفريقي لهذا المشروع، موضحا أن دخول منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ يمنح الجزائر أفضلية إضافية، لأنها تستطيع التحول إلى منصة إنتاج وتصدير نحو أسواق تضم أكثر من مليار مستهلك. ويعتقد أن هذا العامل يمنح الشركات الألمانية فرصة لتوسيع نشاطها خارج الأسواق الأوروبية انطلاقا من قاعدة صناعية تقع على الضفة الجنوبية للمتوسط.

وأشار عبد الله إلى أن نجاح هذا المسار يرتبط بتوفير بيئة استثمار مستقرة تحافظ على وضوح القوانين، وتسرع الإجراءات الإدارية، وتطور البنية التحتية والخدمات اللوجستية. ويرى أن هذه المقومات ستشجع المؤسسات الألمانية على توجيه استثمارات طويلة الأجل نحو الجزائر، بما يرسخ شراكة صناعية قادرة على خدمة مصالح الطرفين لعقود قادمة.

وضاح طه، خبير اقتصادي وعضو الجمعية العالمية لاقتصاديات الطاقة.

ويتقاطع هذا الطرح مع القراءة التي قدمها وضاح طه، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية العالمية لاقتصاديات الطاقة، الذي يرى أن فرص الاستثمار الألماني في صناعة السيارات أصبحت أكثر نضجا نتيجة توافق المصالح الاقتصادية بين الجزائر وألمانيا. وأوضح، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن برلين تسعى إلى إنشاء قواعد إنتاج جديدة تضمن لها الوصول السريع إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية، بينما تعمل الجزائر على بناء صناعة سيارات تقوم على التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا، وهو ما يوفر أرضية مشتركة للتعاون.

وأوضح طه أن الجزائر عززت جاذبيتها الاستثمارية من خلال مجموعة من العوامل الاقتصادية، يتقدمها توفر الطاقة بأسعار تنافسية، وتحسن البنية التحتية، وتطوير التشريعات المنظمة للاستثمار، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يمنح المستثمر الصناعي قدرة على الوصول إلى أسواق متعددة في زمن وتكلفة أقل مقارنة بمناطق أخرى.

ولفت إلى أن الشركات الألمانية تبني قراراتها الاستثمارية على معايير دقيقة، تشمل استقرار البيئة الاقتصادية، وكفاءة سلاسل الإمداد، وسهولة الحصول على الخدمات اللوجستية، وتوفر الموردين المحليين. ولهذا السبب، فإن نجاح الجزائر في استكمال هذه المنظومة سيمنحها موقعا متقدما ضمن الوجهات الصناعية التي تستهدفها المؤسسات الأوروبية.

وتابع الخبير أن صناعة السيارات لا تقوم على المصنع النهائي وحده، بل تعتمد على شبكة واسعة من الصناعات المرافقة، تشمل إنتاج المكونات الميكانيكية والإلكترونية، وصناعة الأسلاك، والمواد البلاستيكية، والمطاط، والزجاج، والخدمات الهندسية، والبرمجيات الصناعية. ويعتقد أن بناء هذه الشبكة سيمنح الاقتصاد الوطني قيمة مضافة أكبر، وسيسهم في ظهور مؤسسات جزائرية قادرة على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية.

واعتبر طه أن نقل التكنولوجيا يمثل المعيار الحقيقي لنجاح أي استثمار صناعي، لأن الصناعة الحديثة تعتمد على المعرفة بقدر اعتمادها على رأس المال. ومن هذا المنطلق، دعا إلى تشجيع إقامة مراكز للتكوين والبحث والتطوير بالشراكة مع المؤسسات الألمانية، حتى تكتسب الكفاءات الجزائرية الخبرة اللازمة لتطوير الصناعة الوطنية ومواكبة التحولات التقنية التي يعرفها قطاع السيارات.

وأشار إلى أن رفع نسبة الإدماج المحلي ينبغي أن يتم وفق برنامج تدريجي يرتكز على تطوير المؤسسات الوطنية المنتجة للمكونات، وليس عبر فرض نسب مرتفعة في فترات زمنية قصيرة. ويرى أن هذا الأسلوب يمنح الصناعة المحلية فرصة للنمو وفق أسس اقتصادية سليمة، ويشجع المستثمر الأجنبي على توسيع نشاطه داخل الجزائر.

ويتفق الخبيران على أن السوق الجزائرية دخلت مرحلة جديدة تختلف عن التجارب السابقة، لأن الدولة تتجه نحو استقطاب استثمارات إنتاجية حقيقية تمنح الأولوية للتصنيع ونقل المعرفة، بدلا من الأنشطة التي تكتفي بالتجميع أو التركيب. ويؤكدان أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات التي تعرفها الصناعة العالمية، حيث تبحث الشركات الكبرى عن شركاء قادرين على توفير بيئة مستقرة، وسوق واعدة، وبنية تحتية تسمح ببناء مشاريع طويلة المدى.

وتبرز هذه الرؤية أهمية المنتدى الاقتصادي الجزائري-الألماني، الذي ينعقد على هامش زيارة رئيس الجمهورية، باعتباره منصة تجمع المسؤولين الحكوميين وممثلي الشركات والمؤسسات المالية ورجال الأعمال من البلدين. وينتظر أن يوفر المنتدى فضاء مباشرا لعرض الفرص الاستثمارية، وبحث المشاريع المشتركة، وتوسيع قنوات التواصل بين المتعاملين الاقتصاديين، بما يحول التفاهمات السياسية إلى مشاريع إنتاجية قابلة للتجسيد.

وتفتح هذه الديناميكية الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وألمانيا، قوامها الاستثمار الصناعي، وتبادل الخبرات، وتطوير القدرات البشرية، ورفع نسبة الإدماج المحلي، وهو ما يمنح التعاون الثنائي بعدا أكثر استدامة، ويؤسس لشراكة تقوم على الإنتاج والابتكار والتنافسية، بدلا من الاقتصار على المبادلات التجارية التقليدية.

الجزائر وألمانيا.. تحالف الطاقة يتوسع

ويفرض قطاع الطاقة نفسه بوصفه المحرك الرئيس في مسار الشراكة الجزائرية-الألمانية، في وقت تتسارع فيه التحولات داخل السوق العالمية، وتبحث الدول الصناعية عن مصادر مستقرة تضمن أمن الإمدادات وتدعم خطط الانتقال نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات. ويمنح هذا الواقع الجزائر موقعا متقدما بفضل احتياطياتها من الغاز الطبيعي، وإمكاناتها الكبيرة في الطاقات المتجددة، فضلا عن قربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية.

الدكتور بغداد مندوش، خبير دولي في شؤون الطاقة والمحروقات.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور بغداد مندوش، الخبير الدولي في شؤون الطاقة والمحروقات، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن زيارة رئيس الجمهورية إلى ألمانيا تأتي في مرحلة مفصلية بالنسبة للطرفين، لأن برلين تعمل على تنويع مصادر تموينها بالطاقة، بينما تواصل الجزائر تنفيذ برامجها الرامية إلى تثمين مواردها الطبيعية، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير الصناعات الطاقوية بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

وأشار مندوش إلى أن التغيرات التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية رفعت من أهمية الشراكة بين الجزائر وألمانيا، خاصة مع استمرار اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي خلال المرحلة الانتقالية التي تسبق التوسع الكامل في استخدام الطاقات النظيفة. ويرى أن الجزائر رسخت مكانتها خلال السنوات الأخيرة موردا يتمتع بالمصداقية والالتزام، الأمر الذي عزز ثقة الشركاء الأوروبيين في قدرتها على توفير إمدادات مستقرة حتى خلال الفترات التي شهدت اضطرابات حادة في الأسواق الدولية.

وأوضح أن الجزائر تمتلك منظومة متكاملة تمنحها أفضلية واضحة، تشمل احتياطيات معتبرة من الغاز، وبرامج استثمار واسعة في الاستكشاف والإنتاج، ومنشآت حديثة لتسييل الغاز، إضافة إلى شبكة أنابيب تربطها مباشرة بالقارة الأوروبية. ويعتقد أن هذه المقومات تفتح المجال أمام اتفاقيات جديدة تخص التموين طويل الأجل، والاستثمار في تطوير الحقول، وتوسيع البنية التحتية الخاصة بالنقل والتخزين.

وتوقف الخبير عند ملف الهيدروجين الأخضر، معتبرا إياه أحد أهم الملفات التي ستحدد شكل التعاون بين البلدين خلال السنوات المقبلة. وأوضح أن ألمانيا وضعت هذا المورد ضمن أولوياتها الاستراتيجية لتأمين احتياجاتها المستقبلية من الطاقة النظيفة، في حين تمتلك الجزائر عناصر إنتاج تنافسية، بفضل المساحات الصحراوية الواسعة، ومستويات الإشعاع الشمسي المرتفعة، والخبرة التي راكمتها في قطاع الطاقة.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى مندوش أن التعاون يمكن أن يتوسع ليشمل مشاريع مشتركة لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، إلى جانب إنشاء بنى تحتية للنقل والتخزين، والاستفادة من التكنولوجيا الألمانية في مجالات التحويل الصناعي. ويعتقد أن هذا التوجه سيمنح الجزائر فرصة للانتقال من تصدير الموارد الخام إلى إنتاج طاقات ذات قيمة مضافة أعلى.

واسترسل موضحا أن العلاقات الطاقوية بين البلدين تتجه نحو مرحلة تعتمد على توطين التكنولوجيا وبناء القدرات الصناعية، مستشهدا بما تمتلكه ألمانيا من خبرة في الطاقات المتجددة، والشبكات الذكية، وتقنيات تخزين الطاقة. وأوضح أن هذه الخبرات تنسجم مع المشاريع الوطنية التي أطلقتها الجزائر لتطوير الطاقة الشمسية ورفع مساهمة الطاقات النظيفة في المزيج الطاقوي الوطني.

ويعتقد الخبير أن الشركات الألمانية تستطيع أداء دور مهم في إنشاء صناعات محلية مرتبطة بالطاقة الشمسية، وتصنيع التجهيزات داخل الجزائر، وتأهيل الكفاءات الوطنية، الأمر الذي يعزز الإدماج الصناعي ويرفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني. ويرى أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال إلى شراكة صناعية واستثمارية شاملة تشمل البحث العلمي، والهندسة، والرقمنة، وتكوين الموارد البشرية، بما يضمن استدامة التعاون ويمنحه بعدا استراتيجيا.

الدكتور محمد الصالح جمال، أستاذ العلاقات الدولية.

وتنسجم هذه الرؤية مع القراءة التي قدمها الدكتور محمد الصالح جمال، أستاذ العلاقات الدولية، الذي يرى أن الزيارة تتجاوز بعدها الاقتصادي، لأنها تفتح المجال أمام تعزيز التنسيق السياسي بين الجزائر وألمانيا في ظل المتغيرات الدولية الراهنة. وأوضح، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن البلدين يتبنيان مواقف متقاربة في عدد من الملفات الدولية، ترتكز على دعم الحلول السلمية، واحترام القانون الدولي، وتشجيع الحوار لتسوية النزاعات.

وأشار إلى أن هذا التفاهم السياسي يوفر أرضية صلبة لتوسيع الشراكة الاقتصادية، خاصة أن الاتفاقيات المنتظر توقيعها تشمل المحروقات، والطاقات المتجددة، والانتقال الطاقوي، والصناعة الصيدلانية، والصناعة التحويلية، والتكنولوجيا المتقدمة. ويرى أن هذه القطاعات تمتلك القدرة على إحداث تحول نوعي في الاقتصاد الجزائري إذا اقترنت ببرامج تنفيذ دقيقة وآليات متابعة فعالة.

وأوضح جمال أن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع تكمن في قدرتها على نقل التكنولوجيا الألمانية، وتطوير الكفاءات الوطنية، ورفع نسبة الإدماج الصناعي، بما يسمح ببناء قاعدة إنتاجية أكثر تنافسية. ويعتقد أن التعاون في مجال الطاقة سيعزز مكانة الجزائر داخل السوق الأوروبية، غير أن آفاق الشراكة ستتوسع بصورة أكبر مع تطور مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة.

وتناول أستاذ العلاقات الدولية الجانب الصناعي، موضحا أن التعاون مع ألمانيا يمكن أن يمنح الصناعة التحويلية والصناعة الصيدلانية دفعة قوية عبر مشاريع إنتاج مشتركة تعتمد على التصنيع المحلي ونقل المعرفة. ويرى أن هذه المشاريع ستخفض الواردات، وتدعم الإنتاج الوطني، وتفتح مناصب عمل جديدة، وترفع تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية.

ووصف المنتدى الاقتصادي الجزائري-الألماني بأنه إحدى أهم محطات الزيارة، لأنه يجمع المسؤولين الحكوميين والمستثمرين وممثلي المؤسسات الاقتصادية من البلدين، ويهيئ الظروف لتحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع عملية. وأضاف أن المنتدى يمنح المستثمرين الألمان فرصة للاطلاع على الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر، ويتيح للمؤسسات الجزائرية بناء شراكات مباشرة مع نظيراتها الألمانية في قطاعات الصناعة والطاقة والاقتصاد الرقمي والخدمات.

أحمد ملاعبة، خبير في شؤون الطاقة

ومن جانبه، يرى أحمد ملاعبة، الخبير في شؤون الطاقة، أن توقيت الزيارة يمنحها أهمية استثنائية في ظل توجه أوروبا إلى تعزيز أمنها الطاقوي والبحث عن شركاء يتمتعون بالاستقرار والقدرة على توفير الإمدادات. وأوضح، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الجزائر تجمع بين احتياطيات كبيرة من الغاز الطبيعي وإمكانات واسعة في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، وهو ما يجعلها شريكا قادرا على تلبية احتياجات المرحلة الحالية والاستجابة لمتطلبات التحول الطاقوي في المستقبل.

وأشار ملاعبة إلى أن الاتفاقيات المرتقبة تستطيع إحداث تحول مهم في العلاقات الثنائية إذا ركزت على نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وتأهيل الكفاءات الوطنية، بدلا من الاكتفاء بالمبادلات التجارية. ويرى أن ألمانيا تمتلك خبرة عالمية في التقنيات الصناعية والطاقات النظيفة، بينما تمتلك الجزائر الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي الذي يمنحها أفضلية في إنتاج وتصدير الطاقة بمختلف أشكالها، الأمر الذي يؤسس لشراكة قائمة على التكامل والمصالح المشتركة.

واعتبر الخبير أن المنتدى الاقتصادي يشكل فرصة عملية لإطلاق مشاريع استثمارية في الصناعة التحويلية، والصناعة الصيدلانية، والتكنولوجيا المتقدمة، والاقتصاد الأخضر، عبر جمع المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال من البلدين داخل فضاء واحد يسمح ببلورة شراكات طويلة الأمد.

وتتفق قراءات الخبراء على أن الزيارة تفتح صفحة جديدة في العلاقات الجزائرية-الألمانية، عنوانها الاستثمار المنتج، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات الحديثة، وتعزيز أمن الطاقة، وتوسيع مجالات التعاون نحو قطاعات المستقبل. ويبرز هذا التوجه انسجاما واضحا بين أولويات الجزائر الرامية إلى تنويع الاقتصاد ورفع مساهمة الصناعة في النمو، وبين حاجة ألمانيا إلى شريك مستقر يمتلك الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والقدرة على تطوير مشاريع استراتيجية طويلة الأمد.

وتشير مجمل المؤشرات إلى أن نجاح هذه الزيارة لن يرتبط بعدد الاتفاقيات التي يوقعها الطرفان، بل بقدرتهما على تحويلها إلى مشاريع إنتاجية قائمة على التصنيع، والابتكار، والبحث العلمي، وتكوين الكفاءات، وتعزيز الاندماج الصناعي. وعند تحقيق هذه الأهداف، ستدخل العلاقات الجزائرية-الألمانية مرحلة أكثر رسوخا، تجعل من البلدين شريكين في بناء منظومة اقتصادية وصناعية تستجيب لمتطلبات المستقبل، وتمنح التعاون الثنائي بعدا استراتيجيا يمتد لسنوات طويلة.