السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

الجزائر والتحول التنموي.. من الإدارة المغلقة إلى منطق الشراكة

Author
نورالدين عويمر 17 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لا تقوم نهضة الأمم على القوانين والمؤسسات فقط، بل على منظومة عميقة من القيم والعلاقات غير المكتوبة التي تضبط سلوك الدولة والمجتمع. هذا ما يمكن تسميته بـ”العقد غير المعلن” الذي يحكم علاقة السلطة بالمجتمع، والإدارة بالمواطن، والدولة بالاقتصاد. وقد يكون هذا العقد قائمًا على منطق السيطرة والوصاية وإعادة إنتاج الجمود، أو قائمًا على الشراكة والثقة وإطلاق ديناميكية التنمية. ومن هنا ينبع سؤال جوهري: أي منطق يحكم مسار الجزائر اليوم؟

الجزائر بين نموذجين: صراع عقليتين إداريتين

تعيش الجزائر اليوم مرحلة انتقالية هادئة ولكنها عميقة بين نموذجين في إدارة التنمية:

– نموذج الإدارة المغلقة:

يقوم على مركزية القرار وهرمية العلاقة بين الإدارة والمواطن، حيث تتحول الإدارة إلى جهاز رقابي يقدّم منطق التحكم على منطق المرافقة والدعم. في هذا النموذج يُنظر إلى المستثمر والمواطن باعتبارهما طالبَي ترخيص لا شريكين في التنمية، فتتشكل بيروقراطية تعطل المبادرات وتضعف روح الابتكار وتؤخر تنفيذ المشاريع، خصوصًا على المستوى المحلي.

– نموذج الإدارة المفتوحة والشراكة التنموية:

ينظر إلى الدولة باعتبارها محفزًا للتنمية لا مجرد جهاز رقابة. تقوم العلاقة هنا على التعاون والتكامل، وتتحول الإدارة إلى أداة لتسهيل الاستثمار وحل المشكلات ورفع القيود أمام الفاعلين الاقتصاديين. كما يصبح نجاح الإدارة مرتبطًا بقدرتها على خلق الثروة ومرافقة المشاريع وتحقيق الفعالية الميدانية.

إصلاحات الدولة: بين قوة الإرادة ومقاومة العقليات

أظهر خطاب الدولة في السنوات الأخيرة، تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، توجهًا واضحًا نحو كسر منطق الجمود الإداري وتحفيز مسار تنموي جديد، من خلال:

– إصدار قانون الاستثمار الجديد سنة 2022.

– إنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار بصلاحيات موسعة.

– تبني خطاب سياسي يدعو إلى تحرير المبادرة الاقتصادية ومواجهة العراقيل البيروقراطية.

غير أن جزءًا من الإشكال لا يتعلق بالنصوص القانونية أو بالإرادة السياسية المركزية فقط، بل بطريقة استقبال الإدارة المحلية لهذه الرسائل الإصلاحية. فما تزال بعض العقليات الإدارية تتحرك وفق منطق الحذر والوصاية أكثر من منطق المبادرة والتيسير، نتيجة إرث فكري وإداري تراكم عبر عقود طويلة، جعل الإدارة تميل إلى حماية نفسها بدل مرافقة التنمية.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في تحويل فلسفة الإدارة نفسها من إدارة تخشى المبادرة إلى إدارة تقيس نجاحها بقدرتها على حل المشكلات وتحقيق النتائج.

الحل الجذري: إعادة بناء العلاقة بين الدولة والتنمية

إن الانتقال نحو تنمية حقيقية لا يتحقق بالقرارات القانونية وحدها، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد على أساس الشراكة والفعالية. ويمكن أن يقوم هذا التحول على ثلاث ركائز أساسية:

أ. تحويل دور الإدارة من الرقابة إلى المرافقة:

عبر جعل وظيفة الإدارة تسهيل المشاريع وحل العراقيل بدل الاكتفاء بمنطق الرقابة الشكلية.

ب. تغيير مؤشرات تقييم الأداء الإداري:

بحيث لا يُقاس نجاح المسؤول بعدد الملفات المجمدة أو الإجراءات المعقدة، بل بسرعة معالجة المشاريع، ونوعية الخدمة، وقدرة الإدارة على خلق مناخ تنموي فعال.

ج. إصلاح تكوين الإطارات العمومية:

من خلال الانتقال من التكوين النظري التقليدي إلى تكوين عملي قائم على هندسة التنفيذ وحل المشكلات وثقافة خدمة المواطن والمستثمر.

خاتمة: نحو دولة الشراكة والفعالية

التنمية ليست مجرد أموال أو قوانين، بل هي قبل كل شيء طريقة في التفكير وإدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع. وإذا أرادت الجزائر تحقيق تحول تنموي حقيقي، فإن التحدي الأكبر يتمثل في بناء عقل إداري جديد قادر على تحويل توجيهات الدولة إلى ممارسة يومية قائمة على الثقة والتعاون والفعالية.

فالانتقال من إدارة مغلقة إلى إدارة مفتوحة ليس خيارًا إداريًا فقط، بل هو شرط أساسي لبناء دولة تنموية حديثة تجعل المواطن والمستثمر شريكين في صناعة المستقبل لا مجرد متلقين للقرارات.