الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر والصومال.. نحو شراكة استراتيجية تتجاوز التعاون السياسي

Author
ربيعة خطاب 14 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في إطار الحركية الدبلوماسية والاقتصادية التي تشهدها الجزائر، نحو تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية، احتضنت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار لقاءً جمع مديرها العام، عمر ركاش، بسفير الجزائر الجديد لدى جمهورية الصومال الفيدرالية، محمد عليم. ويأتي هذا اللقاء في سياق توجه متزايد نحو توظيف الدبلوماسية الاقتصادية كأداة لدعم التعاون الثنائي وفتح آفاق جديدة للشراكة بين الجزائر ودول القارة، خاصة في المجالات ذات الطابع الاستثماري والتنموي.

وفي هذا السياق أكد الدبلوماسي السابق، الشافعي يوسف، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن اختلاف البنى الاقتصادية بين الجزائر والصومال لا يمثل عائقاً أمام تطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر قوة يسمح ببناء نموذج تعاون قائم على التكامل والاستفادة المتبادلة من الإمكانات المتوفرة لدى كل طرف.

وأوضح الشافعي يوسف أن الجزائر راكمت خبرة معتبرة في مجالات بناء المؤسسات، وتطوير البنى التحتية، وتسيير قطاعات استراتيجية على غرار الطاقة والزراعة والتعليم العالي والتكوين المهني، وهي خبرات يمكن أن تشكل قيمة مضافة بالنسبة للصومال الذي يسعى إلى إعادة بناء مؤسساته وتعزيز مساره التنموي بعد عقود من التحديات الأمنية والسياسية.

وأشار الشافعي يوسف إلى أن الصومال يمتلك مؤهلات اقتصادية واعدة، في مقدمتها امتلاكه لأطول ساحل في القارة الإفريقية يتجاوز 3300 كيلومتر، إضافة إلى ثروة سمكية كبيرة، وأراض زراعية خصبة، وموارد مهمة في مجال الثروة الحيوانية، فضلاً عن آفاق واعدة في قطاعات المعادن والطاقة، وهو ما يجعل من التعاون مع الجزائر فرصة لتحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع اقتصادية منتجة.

وشدد الشافعي يوسف على أن التجربة الجزائرية في دعم الدول الإفريقية والعربية تقوم على مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما ساهم في بناء رصيد من الثقة مع العديد من الدول، من بينها الصومال، ويفتح المجال أمام إقامة تعاون طويل المدى قائم على المصالح المشتركة.

وأبرز الشافعي يوسف أن العلاقات الجزائرية الصومالية شهدت، خلال السنوات الأخيرة، تطوراً ملحوظاً من خلال تعزيز التعاون في مجالات متعددة، تشمل التعليم والتكوين والتنسيق الدبلوماسي والأمني، معتبراً أن هذه الأرضية السياسية تشكل قاعدة مناسبة للانتقال نحو مرحلة جديدة عنوانها الشراكات الاقتصادية والاستثمارية.

وفي حديثه عن دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار والبعثات الدبلوماسية، أكد الشافعي يوسف أن نجاح الشراكات الاقتصادية لا يقاس بعدد اللقاءات الرسمية أو توقيع الاتفاقيات فقط، وإنما بمدى القدرة على تجسيد مشاريع ملموسة على أرض الواقع تحقق نتائج مباشرة لكلا الشعبين.

ويرى الشافعي يوسف أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تنسيقاً دائماً بين الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، والتمثيل الدبلوماسي الجزائري في مقديشو، والهيئات الحكومية الصومالية، من خلال إنشاء فرق عمل مشتركة تحدد القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها الثروة السمكية، والزراعة والصناعات الغذائية، والثروة الحيوانية، والموانئ والخدمات اللوجستية، إضافة إلى قطاعات الطاقة والمعادن والتكوين المهني.

كما أكد الدبلوماسي السابق، الشافعي يوسف، أن تنظيم بعثات اقتصادية متبادلة بين رجال الأعمال في البلدين يمثل خطوة أساسية للانتقال من مرحلة تبادل الأفكار إلى مرحلة الاستثمار الفعلي، مشيراً إلى أن الزيارات الميدانية تسمح للمستثمرين الجزائريين بالتعرف المباشر على الفرص المتاحة في الصومال واتخاذ قرارات مبنية على معطيات واقعية.

وأضاف الشافعي يوسف أن السلطات الصومالية تبدي استعدادا كبيرا لاستقبال الاستثمارات الجزائرية وتوفير التسهيلات اللازمة لإنجاحها، مؤكداً أن الاستثمار لا يحمل فقط بعدا اقتصاديا، بل يعد وسيلة فعالة لمواجهة تحديات الفقر والبطالة وتعزيز الاستقرار داخل الدول التي مرت بظروف نزاع وعدم استقرار.

وفي تقييمه للتوجه الجزائري نحو تعزيز حضورها الاقتصادي في إفريقيا، اعتبر الشافعي يوسف أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في استراتيجيتها الخارجية تقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية، والانفتاح بصورة أكبر على الأسواق الإفريقية التي تعد من أهم فضاءات النمو في العالم خلال العقود المقبلة.

وأكد الشافعي يوسف أن القارة الإفريقية تمتلك مقومات كبيرة تتمثل في الموارد الطبيعية الهائلة والأسواق الواسعة والطاقة البشرية الشابة، وهو ما يفرض على الدول الإفريقية تعزيز التكامل الاقتصادي فيما بينها بعيداً عن أنماط التعاون التقليدية.

كما أشار الشافعي يوسف إلى أن انفتاح الجزائر على دول إفريقية مثل الصومال وأنغولا والكونغو يعكس رؤية استراتيجية جديدة تهدف إلى بناء شراكات حقيقية قائمة على الاستثمار ونقل الخبرات وتبادل المنافع، بما يعزز مكانة الجزائر كفاعل اقتصادي ودبلوماسي داخل القارة.

وأكد الشافعي يوسف على أن مستقبل العلاقات الجزائرية الصومالية يجب ألا يقتصر على الجانب الدبلوماسي فقط، بل ينبغي أن يتطور إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل الاقتصاد والتنمية والتعليم والتكنولوجيا والأمن الغذائي، مشدداً على أن نجاح هذه الشراكة سيكون مكسباً مشتركاً للبلدين وخطوة نحو تعزيز التكامل الإفريقي والعربي، لأن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في تحويل فرص التعاون إلى مشاريع تنموية تخلق الثروة ومناصب العمل وتدعم الاستقرار للأجيال القادمة.

 

أبعاد التقارب الجزائري الصومالي

يرى الدبلوماسي السابق، الشافعي يوسف، أن تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا يمكن فصله عن التحولات التي تشهدها القارة الإفريقية، حيث أصبحت الدول الإفريقية أكثر وعيا بضرورة الاعتماد على إمكاناتها الذاتية وتطوير علاقات جنوب-جنوب قادرة على خلق نموذج تنموي مستقل يقوم على تبادل الخبرات والاستثمارات بدل الاكتفاء بالعلاقات التقليدية مع الشركاء الخارجيين.

وأكد الشافعي يوسف أن الجزائر، بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط شمال إفريقيا بعمقها الإفريقي، تمتلك مقومات تؤهلها لأداء دور محوري في تعزيز التكامل الاقتصادي داخل القارة، خاصة في ظل التوجه الرسمي نحو دعم المبادلات التجارية مع الدول الإفريقية والاستفادة من الفرص التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

وأضاف الشافعي يوسف أن تطوير التعاون مع الصومال يفتح المجال أمام آفاق جديدة للشركات الجزائرية، ليس فقط في مجال الاستثمار المباشر، وإنما أيضاً في مجالات تقديم الخدمات والخبرة التقنية، خاصة في قطاعات الهندسة، الأشغال العمومية، تكوين الإطارات، إدارة المؤسسات، وتطوير المنظومات الإدارية التي تشكل أحد المرتكزات الأساسية لأي عملية تنموية ناجحة.

كما أوضح الشافعي يوسف أن نجاح المشاريع الاقتصادية بين البلدين يتطلب كذلك توفير آليات متابعة وتقييم دورية، تضمن تنفيذ الاتفاقيات وتحويل الالتزامات السياسية إلى برامج عمل واضحة، مع أهمية إشراك القطاع الخاص وغرف التجارة ومراكز البحث والجامعات في صياغة رؤية مشتركة للتعاون طويل المدى.

ويرى الشافعي يوسف أن البعد الإنساني والثقافي يشكل عاملاً مكملاً للتقارب الاقتصادي، لأن بناء الثقة بين الشعوب يساهم في توفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والتبادل، ولهذا يمكن تعزيز التعاون من خلال المنح الدراسية، برامج التكوين، تبادل الخبرات الأكاديمية، وتنظيم اللقاءات الثقافية والعلمية بين المؤسسات في البلدين.

وشدد الشافعي يوسف على أن إفريقيا تحتاج اليوم إلى نماذج ناجحة للتعاون البيني تعتمد على استثمار الثروات المحلية ورفع قدرات الإنسان الإفريقي، معتبراً أن الشراكة بين الجزائر والصومال يمكن أن تشكل نموذجاً واعداً إذا ما ارتكزت على التخطيط الاستراتيجي والالتزام السياسي والمتابعة المستمرة.

وأكد الشافعي يوسف على أن الرؤية المستقبلية للعلاقات الجزائرية الصومالية ينبغي أن تتجاوز منطق التعاون الظرفي إلى بناء تحالف اقتصادي وتنموي طويل الأمد، يكون قادراً على مواجهة تحديات الأمن الغذائي، والتحولات الاقتصادية العالمية، ومتطلبات التنمية المستدامة، بما يحقق مصالح البلدين ويعزز مكانة إفريقيا في النظام الاقتصادي الدولي.