الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر والكونغو الديمقراطية.. تعاون طاقوي برؤية إفريقية مشتركة

Author
إيمان عبروس 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يؤكد اتفاق التعاون الموقّع بين الجزائر وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في مجال المحروقات، توجها جزائريا متزايدا نحو تعزيز الشراكات الإفريقية وبناء فضاءات جديدة للتعاون الاقتصادي والطاقوي داخل القارة.

ويأتي هذا الاتفاق في ظرف دولي تتزايد فيه أهمية الأمن الطاقوي وتتسارع فيه التحولات المرتبطة بمستقبل الطاقة، ما يمنح هذه الخطوة أبعادا استراتيجية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية نحو رهانات إقليمية وقارية أوسع.

ويرى الخبراء أن الاتفاق يعكس رؤية جزائرية قائمة على دعم التكامل الإفريقي وتبادل الخبرات وتثمين الموارد الطبيعية، بما يسمح للدول الإفريقية بالاستفادة من إمكاناتها الذاتية وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة قائمة على حسن استغلال الثروات الوطنية.

انفتاح متواصل على العمق الإفريقي

أكد الخبير في الشأن الطاقوي، أحمد طرطار، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن اتفاق الشراكة مع جمهورية الكونغو الديمقراطية يندرج ضمن مسار أوسع تعمل الجزائر على ترسيخه منذ سنوات، يقوم على تعزيز حضورها في القارة الإفريقية وتوسيع شبكة التعاون مع العديد من الدول الشقيقة.

وأوضح أن الجزائر، في العقود الأخيرة، عززت علاقاتها الاقتصادية والطاقوية مع عدد من الدول الإفريقية على غرار النيجر وتشاد ونيجيريا وموريتانيا وليبيا وغيرها، في إطار رؤية تستهدف تعميق التعاون مع المحيط الإفريقي والاستفادة من الإمكانات المتوفرة لدى مختلف الدول.

وأشار طرطار إلى أن هذا التوجه يعكس قناعة جزائرية راسخة بأهمية دعم التنمية داخل القارة الإفريقية، من خلال مرافقة الدول الإفريقية في مساعيها الرامية إلى تطوير قطاعاتها الاقتصادية وتحسين استغلال مواردها الطبيعية وتوظيفها في خدمة التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

من دعم التحرر إلى دعم التنمية

ويرى المتحدث أن الجزائر التي ارتبط اسمها تاريخيا بدعم حركات التحرر الإفريقية، تسعى اليوم إلى توظيف خبرتها وإمكاناتها الاقتصادية في خدمة مسار جديد يقوم على دعم التنمية الاقتصادية داخل القارة.

وأضاف أن الجزائر تعمل على تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية وفق مقاربة تقوم على الشراكة وتبادل المصالح والخبرات، بما يساهم في تمكين هذه الدول من الاستفادة من مواردها الطبيعية وتحقيق التنمية المستدامة التي تنعكس إيجابا على الشعوب الإفريقية.

كما اعتبر أن هذا التوجه ينسجم مع السياسة الجزائرية الرامية إلى ترسيخ التعاون جنوب-جنوب، وتعزيز استقلالية الاقتصادات الإفريقية من خلال تطوير القدرات المحلية ورفع مستويات الكفاءة في القطاعات الاستراتيجية.

شراكة متكاملة في مختلف حلقات الصناعة الطاقوية

وفي قراءته لمضمون الاتفاق، أوضح أحمد طرطار أن التعاون بين الجزائر والكونغو الديمقراطية لا يقتصر على جانب واحد من النشاط الطاقوي، بل يشمل مختلف مراحل سلسلة القيمة في قطاع المحروقات.

وأوضح أن الاتفاق يفتح المجال أمام التعاون في ميادين الاستكشاف والبحث والتطوير والإنتاج والتكرير، بما يسمح ببناء استراتيجية متكاملة لاستغلال الموارد الطاقوية المتاحة في الكونغو الديمقراطية.

وأكد أن الجزائر تمتلك خبرة معتبرة في مختلف حلقات صناعة النفط والغاز، الأمر الذي يؤهلها لمرافقة الدول الإفريقية في تطوير مشاريعها الطاقوية وتحقيق قيمة مضافة أكبر لثرواتها الطبيعية.

إطار مؤسساتي لتبادل الخبرات وتكوين الكفاءات

ومن بين أهم المكاسب التي أشار إليها الخبير في الطاقة، توفير إطار مؤسساتي دائم للتعاون بين البلدين يسمح بتبادل الخبرات والتجارب وتطوير الكفاءات البشرية.

وأكد أن الاتفاق من شأنه أن يساهم في تعزيز برامج التكوين ونقل المعرفة التقنية، بما يتيح للكوادر الكونغولية الاستفادة من التجربة الجزائرية في مجالات الطاقة المختلفة.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل الحاجة المتزايدة داخل العديد من الدول الإفريقية إلى تطوير الموارد البشرية المؤهلة والقادرة على إدارة المشاريع الطاقوية الكبرى وفق المعايير الدولية الحديثة.

بوابة نحو الانتقال الطاقوي

ولم يقتصر الحديث على المحروقات فقط، بل شمل أيضا آفاق التعاون في مجال الانتقال الطاقوي والطاقات المتجددة.

وأكد طرطار أن الجزائر تستطيع مرافقة الدول الإفريقية في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من الطاقات النظيفة، مستفيدة من التجارب التي أطلقتها خلال العقود الأخيرة في هذا المجال.

ويكتسب هذا البعد أهمية متزايدة في ظل التحولات العالمية نحو الطاقات النظيفة، وما تتيحه القارة الإفريقية من إمكانات كبيرة تؤهلها لتكون أحد أهم الأقطاب المستقبلية في مجال الطاقات المتجددة.

نحو تكتلات اقتصادية وطاقوية إفريقية

ومن بين النقاط التي ركز عليها أحمد طرطار، قدرة هذا النوع من الاتفاقيات على تمهيد الطريق أمام بناء تكتلات اقتصادية وطاقوية داخل القارة الإفريقية.

وأشار إلى أن توسيع التعاون بين الدول الإفريقية في قطاع الطاقة يمكن أن يشكل قاعدة لبناء فضاءات اقتصادية أكثر تكاملا وقدرة على استغلال الموارد الطبيعية بشكل جماعي وفعال.

ويرى أن الجزائر تمتلك المؤهلات اللازمة لقيادة مثل هذه المبادرات، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وخبرتها الصناعية وعمق علاقاتها مع مختلف الدول الإفريقية والعربية.

الجزائر تمتلك مقومات القيادة الطاقوية الإفريقية

من جانبه، أكد عبد الرحمان هادف، المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الاتفاق يأتي في سياق إفريقي ودولي يتسم بتزايد أهمية الأمن الطاقوي وبروز الحاجة إلى بناء شراكات قارية أكثر فاعلية.

وأوضح أن الجزائر تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها لأداء دور محوري في دعم التنمية الطاقوية الإفريقية، بفضل الخبرة التي راكمتها خلال عقود في مجالات النفط والغاز، إلى جانب القدرات التقنية والهندسية التي طورتها مؤسساتها الوطنية.

وأشار إلى أن شركة سوناطراك أصبحت تمتلك رصيدا معتبرا من الخبرة والمعرفة في مجالات الاستكشاف والإنتاج والنقل والتحويل والتسويق، وهو ما يجعلها شريكا مهما للدول الإفريقية الساعية إلى تطوير قطاعاتها الطاقوية.

الكونغو الديمقراطية.. شريك واعد في إفريقيا

ويرى هادف أن جمهورية الكونغو الديمقراطية تمتلك إمكانات كبيرة في مجالي الطاقة والموارد المعدنية، الأمر الذي يمنح التعاون مع الجزائر أهمية استراتيجية خاصة.

وأوضح أن هذا التعاون يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام المؤسسات الجزائرية للمساهمة في مشاريع تطوير البنى التحتية الطاقوية والاستثمار في مختلف حلقات صناعة النفط والغاز، فضلا عن تعزيز تبادل الخبرات بين الجانبين.

كما يسمح هذا التقارب بتطوير مشاريع مشتركة تستفيد من الإمكانات المتوفرة لدى البلدين، بما يحقق مكاسب اقتصادية متبادلة ويدعم أهداف التنمية في القارة الإفريقية.

الطاقة أداة لتعزيز الحضور الجزائري في إفريقيا

وأكد الخبير أن الاتفاق ينسجم مع التوجه الجديد للسياسة الاقتصادية الجزائرية الرامي إلى تعزيز الحضور في الأسواق الإفريقية، وتفعيل آليات التعاون الاقتصادي القاري.

وأوضح أن الطاقة أصبحت تمثل إحدى أهم أدوات التأثير الاقتصادي والدبلوماسي في العالم، وأن تطوير الشراكات الطاقوية يمنح الجزائر فرصا إضافية لتعزيز مكانتها داخل القارة الإفريقية.

كما يساهم هذا المسار في بناء علاقات اقتصادية طويلة الأمد قائمة على المصالح المشتركة، ويفتح المجال أمام مشاريع استثمارية جديدة تدعم التكامل الاقتصادي الإفريقي.

نحو قطب طاقوي إفريقي

أجمع الخبيران على أن اتفاق التعاون الجزائري-الكونغولي يمثل أكثر من مجرد اتفاق ثنائي في مجال المحروقات، بل يعكس رؤية استراتيجية تقوم على تعزيز التعاون الإفريقي وتطوير الشراكات الاقتصادية المستدامة.

كما يشكل خطوة إضافية في مسار ترسيخ مكانة الجزائر كفاعل محوري في قطاع الطاقة الإفريقي، مستفيدة من خبرتها الطويلة وإمكاناتها البشرية والتقنية وقدرتها على بناء شراكات قائمة على تبادل المنافع والخبرات.

ومع توسع شبكة التعاون الجزائرية داخل القارة، تتعزز فرص بناء منظومة طاقوية إفريقية أكثر تكاملا، قادرة على تثمين الموارد الطبيعية وتحويلها إلى محرك حقيقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يرسخ مكانة الجزائر كقطب طاقوي وقاري فاعل في إفريقيا.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي