الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الجزائر والنيجر.. شراكة تتجاوز ثنائية “المزوِّد والمستفيد”

Author
إيمان عبروس 05 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

يرى خبيران، تحدثت معها “الأيام نيوز”، أن إعادة بعث التعاون بين الجزائر والنيجر في قطاع الكهرباء، تمثل تحوّلا نوعيا في فلسفة الشراكة، إذ لم يعد يقتصر التعاون على تنفيذ المنشآت، بل أصبح يركّز على نقل المعرفة وبناء قدرات بشرية محلية تضمن استدامة المشاريع الطاقوية. ويعكس هذا النهج، استراتيجية طويلة تكرّس صورة الجزائر بوصفها شريكا موثوقا يقدّم حلولا متكاملة، تشمل التكوين الفني والمرافقة العملية، بعيدا عن العلاقات التقليدية بين مزوّد ومستفيد، ما يعزّز استقلالية النيجر الطاقوية ويضمن استدامة المشاريع العابرة للحدود.

 

في إطار تعزيز التعاون بين الجزائر والنيجر، حط فريق تقني من شركة الكهرباء “نيجيلاك” (النيجر) رحاله يوم الثلاثاء بالعاصمة الجزائرية، للاستفادة من تكوين متكامل في فرع سونلغاز – خدمات، ونيل الخبرة اللازمة لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء المزمع إنشاؤها في النيجر. ويأتي هذا التحرك تنفيذا لتوصيات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، الرامية إلى تفعيل التعاون بين البلدين الشقيقين، والتي جاءت تتويجا للزيارة الرسمية لرئيس النيجر إلى الجزائر في فبراير الماضي.

وأوضح بيان المجمع العمومي “سونلغاز” أن فريق دولة النيجر سيستفيد من برنامج تكويني متكامل في مدرسة التكوين في الهندسة التابعة لفرع سونلغاز-الخدمات بولاية أدرار، يمتد على مدى ثلاثة أسابيع. ويهدف هذا التكوين إلى تزويد المشاركين بالمعرفة النظرية والمهارات العملية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء بكفاءة واستقلالية، وهو ما يعكس تحول فلسفة التعاون بين البلدين من مجرد تنفيذ المشاريع إلى بناء القدرات المحلية وضمان استدامة المشاريع الطاقوية.

وقد شمل برنامج زيارة الوفد عقد اجتماع تحضيري على مستوى مدرسة التكوين في التسيير ببن عكنون، حيث تم تقديم عرض حول الخدمات التي تقدمها شركة سونلغاز – الخدمات، تلاه زيارة لمقر مركز التحكم في الشبكة الكهربائية، للاطلاع على نظام تسيير الشبكة وآليات التحكم فيها. وتأتي هذه الخطوة بعد سلسلة من التحضيرات، منها عقد اجتماعات تنسيقية عبر تقنية التحاضر المرئي عن بعد، جمعت مسؤولي الشركتين، بهدف تسريع وتيرة التعاون وضمان الانسجام بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك استكمال واعتماد الاتفاقيات قيد الدراسة.

عبد الرحمان هادف

في هذا الإطار، أشار عبد الرحمان هادف، مستشار دولي في التنمية الاقتصادية وخبير اقتصادي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، إلى أن إعادة بعث التعاون بين سونلغاز و”نيجيلاك” تمثل تحولا نوعيا في فلسفة الشراكة، حيث لم يعد التعاون يقتصر على إنجاز المنشآت، بل أصبح يرتكز على نقل المعرفة وبناء قدرات بشرية محلية قادرة على ضمان استدامة المشاريع الطاقوية. وأضاف هادف أن المحطات الكهربائية مهما بلغت جودتها التقنية تبقى رهينة بكفاءة من يديرها ويشرف على تشغيلها وصيانتها، ما يجعل الاستثمار في العنصر البشري الضامن الحقيقي لاستمرارية المشاريع.

 

تكوين متخصص يرسخ الاستقلالية التشغيلية

ومن أبرز مظاهر هذا التوجه، استقبال فريق تقني من “نيجيلاك” بولاية أدرار لمتابعة تكوين متخصص، يشمل التدريب النظري والتطبيقي على أنظمة إنتاج الكهرباء وآليات التشغيل والتحكم، إضافة إلى معايير السلامة الصناعية والصيانة الوقائية. ويتيح هذا التكوين لإطارات النيجر اكتساب مهارات عملية تؤهلها لإدارة المحطات المزمع إنشاؤها في النيجر بكفاءة واستقلالية، ما يضمن استمرارية تشغيلها دون الاعتماد الدائم على الخبرات الخارجية.

ويؤكد خبراء أن هذا النهج يعزز الثقة بين الطرفين، ويكرس صورة الجزائر كشريك يقدم حلولا متكاملة تشمل المرافقة التقنية طويلة المدى، بعيدا عن مجرد تسليم منشآت. كما يعكس استراتيجية طويلة المدى لإرساء شراكات مستدامة، قائمة على تبادل المعرفة والخبرة، وتجاوز العلاقة التقليدية بين مزود ومستفيد.

وتواجه النيجر تحديات كبيرة في مجال التغطية الكهربائية وارتفاع الطلب على الطاقة، خاصة مع النمو الديمغرافي والتوسع العمراني المتسارع. ويشكل مشروع محطة توليد الكهرباء المدعوم جزائريا خطوة مهمة لتحسين مستوى الخدمة وتوسيع قاعدة المستفيدين من الكهرباء، بما يتيح تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس. فالتيار الكهربائي يعد عصب التنمية الحديثة، إذ يسهم في تنشيط الاستثمار ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، فضلا عن تعزيز الاستقرار الاجتماعي.

وليس التعاون مقتصرا على التكوين داخل الجزائر، بل يشمل العمل الميداني في عاصمة النيجر نيامي، حيث يباشر فريق من خبراء سونلغاز مهمة تقنية لمرافقة نظرائهم من “نيجيلاك” في مراحل إنجاز محطة توليد الكهرباء. ويشمل هذا التعاون المشترك الدراسات الهندسية، تركيب المعدات، ضبط أنظمة التشغيل والتحكم، وتطبيق معايير السلامة والجودة. وتتيح هذه المقاربة نقل خبرة تطبيقية دقيقة، وضمان استعداد الكفاءات المحلية لتولي مسؤولية المشروع بعد دخوله حيز الخدمة، كما تعزز روح الفريق بين المؤسستين وترسخ مبدأ الشراكة المتوازنة القائمة على تبادل الخبرات.

وأكد هادف أن هذه التجربة تمثل فرصة لبناء نموذج متكامل في إدارة المشاريع العابرة للحدود، حيث تتعلم الأطراف المشاركة كيفية مواجهة التحديات التقنية والإدارية معا، بما يعزز قدرة النيجر على إدارة مشاريعها الطاقوية المستقبلية بكفاءة. ويضيف الخبير الطاقوي أحمد طرطار أن التعاون الطاقوي بين الجزائر والنيجر يتيح للنيجر الاستفادة من تجربة الجزائر في مجال الطاقة، بما يمكنها من تشغيل وصيانة محطات الكهرباء بكفاءة، ويعزز توحيد شبكة الكهرباء وتعميمها على كامل التراب الوطني، بما ينعكس إيجابا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

إطار تنظيمي واستراتيجي لضمان الاستدامة

حرص الطرفان على اعتماد تأطير قانوني وتنظيمي دقيق لضمان نجاح المشاريع الطاقوية، من خلال عقد اجتماعات دورية لمناقشة الجوانب التقنية والمالية واعتماد الاتفاقيات قيد الدراسة. ويعد هذا الإطار عاملا حاسما لضمان الشفافية والنجاعة، وتحديد المسؤوليات وآليات التمويل وآجال الإنجاز، ما يسهم في تقليل المخاطر ويمنح المشروع بعدا استراتيجيا طويل المدى يتجاوز الطابع الظرفي.

ويتيح هذا التأطير للمستثمرين ومؤسسات التمويل المحلية والدولية الاطمئنان إلى استدامة المشروع، وتحفيز المزيد من الاستثمارات في البنية التحتية الطاقوية، بما يعزز النمو الاقتصادي والإقلاع الصناعي في المنطقة. كما يحمل التعاون الطاقوي بين الجزائر والنيجر إمكانات واسعة لتكامل طاقوي في منطقة الساحل، وقد يشكل المشروع نواة لربط كهربائي مستقبلي بين دول المنطقة أو لإطلاق مشاريع مشتركة في مجال الطاقات المتجددة، بما فيها الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، ما يعكس التزام الدولتين بتحقيق أهداف التنمية المستدامة والتحول الطاقوي في إفريقيا.

ويتيح هذا التعاون أيضا تنويع الصادرات الجزائرية خارج المحروقات عبر تصدير الخدمات الهندسية وخبرات التسيير، ويبرز الكفاءات الجزائرية في مشاريع إقليمية، ما يعزز صورة الجزائر كشريك تنموي موثوق ويتيح للخبراء الجزائريين توسيع نطاق خبراتهم التطبيقية في أسواق إفريقية جديدة. ويعتبر هذا المسار جزءا من رؤية أشمل لتعزيز العمق الإفريقي للجزائر وتكريس الدبلوماسية الاقتصادية كرافعة للتنمية المشتركة، عبر نموذج تعاون جنوب -جنوب قائم على تبادل المنافع والاستثمار في الإنسان باعتباره حجر الزاوية في أي مسار تنموي مستدام.

رابط دائم
https://elayem.news/f0pml
Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي