الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

الجزائر والنيجر.. نحو بناء محور للتعاون في الساحل

Author
الأيام نيوز 03 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتقدم العلاقات – بين الجزائر والنيجر – نحو صياغة أنموذج أوسع للتعاون في الساحل، مستفيدة من حركية سياسية متسارعة وإرادة مشتركة لتحويل الاتفاقيات والمشاريع إلى شراكات اقتصادية وصناعية وصحية وأمنية أكثر رسوخا. وتأتي الطاقة والصناعة الصيدلانية في مقدمة القطاعات التي تحمل هذا التوجه، إلى جانب الكهرباء والنقل والاتصالات والتكوين، بينما يعمل البلدان على توسيع شبكة المصالح المشتركة وربطها بمشاريع ذات بعد إقليمي.

وتأتي هذه الحركية بعد الاجتماع الموسع بين الوفدين الجزائري والنيجري الذي انعقد بالجزائر الخميس 28 أوت، حيث أكد الوزير الأول، سيفي غريب، أن العلاقات بين البلدين تشهد “ديناميكية غير مسبوقة”، مبرزا الإرادة السياسية المشتركة للارتقاء بالتعاون إلى مستوى تطلعات الشعبين. وربط غريب هذه الديناميكية بتوالي اللقاءات رفيعة المستوى وبالمتابعة المباشرة لتنفيذ الاتفاقيات والمشاريع التي اتفق عليها البلدان خلال الدورة الثانية للجنة الكبرى المشتركة المنعقدة في مارس الماضي.

وتحضر ملفات الطاقة والصناعة الصيدلانية بقوة ضمن هذا المسار، بالنظر إلى طبيعة المشاريع التي دخلت مراحل عملية، والفرص التي توفرها لتوسيع التعاون من المبادلات التجارية إلى الاستثمار ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية. ويمنح هذا التنوع الشراكة الجزائرية ـ النيجرية قاعدة اقتصادية أوسع، خصوصا مع ارتباطها بمشاريع البنية التحتية التي يمكن أن تدعم حركة السلع والطاقة والأشخاص بين البلدين ودول المنطقة.

“كفرا” يفتح مسارا جديدا أمام التعاون النفطي

يحتل مشروع حقل “كفرا” النفطي موقعا محوريا في الشراكة الجديدة، بعدما أشرف الوزير الأول الجزائري ونظيره النيجري على انطلاق حفر البئر الاستكشافي في الحقل. وأوضح سيفي غريب أن المشروع يمثل حلقة أولى ضمن شراكة أوسع تغطي مختلف سلاسل القيمة في الصناعة البترولية، مع إمكانية إنشاء شركات مختلطة، معربا عن أمله في أن تتيح نتائج الاستكشاف للنيجر فرصا جديدة لتطوير مواردها ورفع إنتاجها الوطني من المحروقات.

ويعطي المشروع لسوناطراك مجالا لتوسيع حضورها في النيجر، مستفيدة من خبرتها في الاستكشاف والإنتاج والتكرير والخدمات النفطية. ويرى الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي مراد كواشي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الشراكة الجزائرية ـ النيجرية في قطاع النفط تتجه نحو بناء تعاون متكامل يغطي مختلف مراحل الصناعة النفطية، وهو ما يسمح للجزائر بمرافقة النيجر في تطوير مواردها ونقل الخبرة والتكنولوجيا وبناء قدرات محلية قادرة على مواكبة توسع القطاع.

ويربط كواشي أهمية هذا التعاون بالمكانة التي تحتلها الطاقة في الاقتصاد النيجري، إلى جانب الزراعة والثروة الحيوانية واستغلال الموارد الطبيعية. وتتوفر النيجر على إمكانات نفطية قابلة للتطوير، غير أن تحويلها إلى قيمة اقتصادية أكبر يحتاج إلى استثمارات وتقنيات وبنى تحتية تغطي الإنتاج والتكرير والنقل والتسويق. وتوفر الخبرة الجزائرية فرصة للجمع بين الموارد النيجرية والقدرات التقنية التي طورتها سوناطراك عبر عقود من النشاط في الصناعة النفطية.

الجزائر والنيجر نحو بناء محور للتعاون في الساحل

وتأخذ المرافقة الجزائرية في هذا المجال طابعا عمليا، إذ جدد الوزير الأول التزام الجزائر بمساندة برنامج الصيانة الكبرى لمصفاة “زندر”، ودعم النيجر في تسويق النفط الخام وتزويد السوق النيجري بمشتقات المحروقات، إلى جانب تطوير قدرات التخزين والتوزيع. وتمنح هذه المحاور المؤسسات الجزائرية مجالا للمساهمة في تطوير حلقات أساسية من المنظومة النفطية النيجرية، بما يساعد على رفع كفاءة المنشآت وتحسين انتظام التموين.

نفطال وسونيداب.. توسيع التعاون إلى التخزين والتوزيع

ويمتد التعاون النفطي بين البلدين إلى الجانب التجاري واللوجستي، في ظل تحرك المؤسسات الجزائرية والنيجرية لتطوير قدرات التخزين والتوزيع والتموين. وفي هذا السياق، استقبل المدير العام لشركة نفطال، جمال شردود، الثلاثاء الماضي بمقر المديرية العامة للشركة، المدير العام للشركة النيجرية للبترول سونيداب “SONIDEP”، علي سيبو حساني، مرفوقا بوفد رفيع المستوى، لبحث متابعة وتعزيز علاقات التعاون والشراكة بين المؤسستين.

وخصص اللقاء لاستعراض مدى تقدم مختلف ملفات التعاون، ودراسة الإجراءات التي يمكن أن تسرع تجسيد المشاريع ذات الاهتمام المشترك، خصوصا في مجالات تخزين وتوزيع المنتجات البترولية وتطوير المنشآت، إلى جانب التكوين وتبادل الخبرات. ويضيف هذا المسار بعدا عمليا إلى التعاون في قطاع المحروقات، من خلال ربط الخبرة الجزائرية باحتياجات السوق النيجرية في التموين والتخزين والتوزيع.

وناقش مسؤولو نفطال وسونيداب آفاق توسيع الشراكة في مختلف المجالات ذات الاهتمام المشترك، مع التركيز على تطوير قدرات التموين والتوزيع والاستفادة المتبادلة من الخبرات والتجارب. ويمنح التعاون بين المؤسستين فرصة لتطوير حلقات مرتبطة مباشرة بوصول المنتجات البترولية إلى السوق، وتعزيز كفاءة المنشآت والخدمات المرتبطة بها.

واتفق الطرفان على عقد اجتماع عمل ثان الثلاثاء المقبل عبر تقنية التحاضر عن بعد، يخصص لدراسة الإجراءات الكفيلة بتسريع تنفيذ المشاريع المدرجة ضمن بروتوكول الاتفاق الذي أبرمته نفطال وسونيداب. ويعطي هذا الاجتماع المرتقب للمؤسستين آلية إضافية لمتابعة الملفات وتحديد الأولويات ودفع المشاريع نحو مراحل أكثر تقدما، بما ينسجم مع الإرادة المشتركة لتعزيز التعاون الطاقوي والاقتصادي بين الجزائر والنيجر.

مراد كواشي أستاذ جامعي وخبير اقتصادي.
مراد كواشي أستاذ جامعي وخبير اقتصادي.

ويرى مراد كواشي أن هذا النوع من التعاون يمنح الشراكة النفطية بعدا أوسع، لأن تطوير القطاع يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من الاستكشاف والإنتاج وتمتد إلى التكرير والتخزين والنقل والتوزيع والتسويق. ويتيح حضور المؤسسات الجزائرية في هذه الحلقات للنيجر الاستفادة من تجربة متراكمة، بينما يفتح أمام الشركات الوطنية فرصا للنشاط والاستثمار في السوق النيجري.

ويرى مراد كواشي أن مساعدة النيجر على تسويق نفطها الخام تحمل أهمية خاصة بالنظر إلى موقعها الجغرافي كدولة حبيسة، وما يفرضه ذلك من تحديات أمام نقل مواردها إلى الأسواق الدولية. ويشير إلى أن تطوير مسارات النقل الإقليمية والبنية التحتية يمكن أن يوفر خيارات إضافية أمام النفط النيجري، خصوصا مع إمكانية دراسة فرص الاستفادة من شبكات النقل والمنشآت الطاقوية القريبة من الحدود الجزائرية وفق الشروط التقنية والاقتصادية التي يحددها الطرفان.

وقد تفتح بعض الحقول النفطية القريبة من الحدود الجزائرية مجالا لدراسة مسارات جديدة لتثمين الموارد النيجرية وربطها بشبكات نقل وممرات تجارية أكثر تنوعا. ويرى الخبير أن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى دراسات دقيقة حول الجدوى الاقتصادية والطاقة الاستيعابية للبنى التحتية، غير أنها تستطيع مستقبلا توسيع المصالح المشتركة وتعزيز موقع الجزائر والنيجر داخل شبكة المبادلات الإقليمية.

من الاستكشاف إلى سلسلة القيمة النفطية

ويمنح “كفرا” للشراكة الجزائرية ـ النيجرية فرصة للانتقال إلى مستوى أوسع من التعاون النفطي، خصوصا مع طرح إمكانية إنشاء شركات مختلطة وتوسيع النشاط نحو الخدمات والاستثمار. ويعتبر كواشي أن المشروع يمكن أن يشكل قاعدة لتوسيع نشاط سوناطراك في النيجر، سواء تعلق الأمر بالاستكشاف والإنتاج أو بالخدمات النفطية والتقنية، فضلا عن دراسة فرص جديدة للاستثمار في الرقع النفطية التي تمتلك إمكانات واعدة.

ولا ترتبط قيمة هذا التعاون بحجم الإنتاج المرتقب وحده، بل بقدرته على خلق سلسلة من الأنشطة الاقتصادية المحيطة بالصناعة النفطية. ويمكن للشراكة أن تشمل الخدمات التقنية والصيانة والتكوين ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية، بما يرفع مساهمة القطاع في الاقتصاد النيجري ويمنح المؤسسات الجزائرية فرصا جديدة للنشاط في السوق الإفريقية.

ويضع هذا التصور التكوين في موقع أساسي ضمن الشراكة. فقد أكد الوزير الأول استعداد الجزائر لمواصلة تكوين الفرق التقنية النيجرية ونقل الخبرات في مختلف فروع الصناعة النفطية، بينما يرى مراد كواشي أن سوناطراك تستطيع دعم تكوين المهندسين والتقنيين، خصوصا في صيانة منشآت التكرير والمنشآت النفطية، إلى جانب مجالات الإنتاج والخدمات التقنية.

ويعتبر الخبير أن الاستثمار في الكفاءات المحلية شرط رئيسي لاستدامة المشاريع النفطية، لأن توسع المنشآت يحتاج إلى مهندسين وتقنيين قادرين على تشغيلها وصيانتها وتطويرها. ويسمح إدراج التكوين ضمن برامج التعاون ببناء قاعدة بشرية ترافق نمو قطاع المحروقات، وتمنح النيجر قدرة أكبر على إدارة منشآتها، بينما تعزز الجزائر موقعها كشريك ينقل الخبرة إلى جانب الاستثمار.

الصناعة الصيدلانية.. بوابة أخرى للشراكة

وتفتح الصناعة الصيدلانية مسارا موازيا في العلاقات الجزائرية ـ النيجرية، إذ بحث المدير العام لمجمع “صيدال”، يونس بوعرعارة، الثلاثاء الماضي بالجزائر العاصمة، مع سفير النيجر لدى الجزائر أمينو مالام مانزو، سبل تعزيز التعاون في المجال الصيدلاني، مع التركيز على توفير الأدوية الأساسية المنتجة محليا في الجزائر استجابة لطلب تقدمت به السلطات النيجرية.

وعقد اللقاء بمقر المديرية العامة لمجمع “صيدال” ضمن توجه لدعم التعاون الصحي والصيدلاني وتطوير القدرات الإنتاجية في النيجر. وناقش الطرفان توفير الأدوية الأساسية الجزائرية في أقرب الآجال، إلى جانب نقل التكنولوجيا والخبرات وتكوين الكفاءات النيجرية ودراسة إمكانية إنتاج أدوية موجهة للسوق النيجرية عبر الوحدات الصناعية الجزائرية، خلال الفترة التي تحتاجها النيجر لاستكمال تطوير منشآتها المحلية للصناعة الدوائية.

مسؤولو نفطال وسونيداب آفاق توسيع الشراكة

ويمنح هذا المسار للتعاون بعدا صحيا واقتصاديا في الوقت نفسه، خصوصا مع ارتباط الدواء بالأمن الصحي واستقرار التموين. ويرى الخبير الاقتصادي خالد الوافي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تزويد النيجر بالأدوية الأساسية الجزائرية يمثل مدخلا عمليا لبناء شراكة صحية وصيدلانية مستدامة، ويمنح الجزائر فرصة للاستجابة لاحتياجات السوق النيجرية مع فتح مجال أوسع أمام المؤسسات الوطنية داخل الأسواق الإفريقية.

ويشير الوافي إلى أن توفير الأدوية من مصدر إقليمي قريب يمكن أن يساعد النيجر على تنويع مصادر الإمداد وتقليل هشاشة سلاسل التوريد، خصوصا في ظل اضطرابات الأسواق الدولية والصعوبات التي تواجه دولا في منطقة الساحل للحصول على المنتجات الطبية بصورة منتظمة. ويربط الخبير نجاح هذا المسار بوجود آليات واضحة للتسجيل الدوائي والتنسيق بين الهيئات والمؤسسات المعنية في البلدين.

وتتجاوز فرص التعاون في هذا المجال عملية توريد المنتجات النهائية، إذ تناولت المباحثات إمكانية نقل التكنولوجيا والخبرات وتكوين وتأهيل الكفاءات النيجرية. ويؤكد خالد الوافي أن بناء هذا المسار يحتاج إلى برنامج مؤسساتي طويل المدى يشمل الجوانب البشرية والتقنية والتنظيمية، مع توجيه برامج التدريب نحو احتياجات الصناعة الصيدلانية.

ويمكن للبرنامج المقترح أن يشمل تكوين الصيادلة والمهندسين والتقنيين في التصنيع ومراقبة الجودة والمخابر والصيانة الصناعية والتخزين والتنظيم الصيدلاني، مع الاستفادة من التجربة الجزائرية في تطبيق معايير التصنيع الجيد وضمان جودة المنتجات الدوائية وسلامتها. ويقترح الوافي اتفاقيات مباشرة بين المؤسسات الجزائرية والنيجرية تسمح بتبادل الخبراء والتأطير التقني وتدريب الكفاءات النيجرية داخل الوحدات الصناعية الجزائرية.

من توريد الدواء إلى الإنتاج المشترك

وتوفر الوحدات الصناعية الجزائرية، وفق خالد الوافي، إمكانية إنتاج أدوية موجهة إلى الاحتياجات الصحية في النيجر خلال المرحلة الأولى، مع ضمان استمرارية التموين واحترام المتطلبات التنظيمية والصحية. ويمنح هذا النموذج الجزائر فرصة لاستغلال قدراتها الإنتاجية القائمة، بينما تستفيد النيجر من الخبرة الجزائرية خلال الفترة التي تحتاجها لتطوير بنيتها التحتية للصناعة الصيدلانية.

ويربط الخبير نجاح الشراكة الإنتاجية بتحديد قائمة دقيقة للأدوية ذات الأولوية، وتسهيل إجراءات التسجيل والاعتماد، وضمان مطابقة المنتجات للمعايير المطلوبة، إلى جانب اعتماد نموذج اقتصادي يحافظ على استمرارية الإنتاج والتموين. ويمكن للطرفين بعد ذلك الانتقال نحو الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا بصورة تدريجية، وصولا إلى توطين بعض خطوط الإنتاج داخل النيجر.

خالد الوافي خبير اقتصادي.
خالد الوافي خبير اقتصادي.

وفي الإطار ذاته، استعرض يونس بوعرعارة المشاريع الاستراتيجية لمجمع “صيدال”، خصوصا المشاريع المرتبطة بإنتاج المواد الأولية لصناعة الأدوية، ضمن توجه يهدف إلى تعزيز القدرات المحلية وضمان السيادة الصيدلانية وتوسيع حضور المنتجات الجزائرية في الأسواق الإفريقية. ويمنح تطوير هذه القدرات المؤسسات الوطنية قاعدة أقوى للدخول في شراكات إنتاجية مع دول القارة.

ويعتقد خالد الوافي أن التعاون الصيدلاني الجزائري ـ النيجري يمكن أن يشكل نموذجا لتوسع الصناعة الوطنية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، خصوصا إذا جمعت المؤسسات الجزائرية بين التصدير والاستثمار ونقل التكنولوجيا والتكوين والإنتاج المشترك. وتمنح هذه الصيغة الدول الشريكة فرصة تطوير قدراتها المحلية، بينما توفر للمؤسسات الجزائرية أسواقا جديدة وفرصا للاستثمار والتوسع.

الكهرباء والبنية التحتية تدعمان الشراكة

وتتسع الشراكة الجزائرية ـ النيجرية خارج قطاع المحروقات والصناعة الصيدلانية لتشمل الكهرباء والبنية التحتية. وأشار سيفي غريب إلى مواصلة الفرق التقنية الجزائرية والنيجرية مشاوراتها لدعم مشاريع إعادة تأهيل شبكات التوزيع ومحطات توليد الكهرباء، بعد إنجاز محطة نيامي بقدرة 2×20 ميغاواط وتكوين عدد من التقنيين النيجريين.

وتمنح هذه المشاريع التعاون الطاقوي بعدا إضافيا، لأن تطوير الكهرباء يدعم النشاط الصناعي والخدماتي ويعزز قدرة الاقتصاد النيجري على استغلال موارده. ويرى مراد كواشي أن الجمع بين النفط والكهرباء والتكوين يتيح للجزائر تقديم خبرة متكاملة في قطاع الطاقة، بدل حصر التعاون في مشروع واحد أو مجال محدد.

وتحضر البنية التحتية أيضا ضمن الرؤية المشتركة، من خلال مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، ومشروع الألياف البصرية العابرة للصحراء، إلى جانب مشاريع الطرق والسكك الحديدية. وأوضح الوزير الأول أن الجزائر تدرج هذه المشاريع ضمن توجه يهدف إلى تعزيز المبادلات التجارية الإفريقية البينية واستكمال الربط مع النيجر، بما يتيح لها الاستفادة من رواق بري نحو الموانئ الجزائرية على البحر الأبيض المتوسط.

ويربط كواشي بين هذه المشاريع وبين فرص بناء فضاء اقتصادي أكثر ترابطا في منطقة الساحل. فالطرق والسكك والألياف البصرية ومشاريع الطاقة يمكن أن تدعم حركة السلع والخدمات والاستثمارات، وتخفض تكاليف الاتصال والنقل، وتمنح المشاريع الاقتصادية المشتركة فرصا أفضل للوصول إلى الأسواق.

تعاون يتجاوز الاقتصاد

وتشمل العلاقات الجزائرية ـ النيجرية مجالات اجتماعية وإنسانية، من بينها الصحة والتعليم والتكوين. وأشار سيفي غريب إلى مشاريع العيادة متعددة الخدمات ومركز تصفية الدم بأغاديز والمركز الإسلامي بالمدينة، إلى جانب مواصلة استقبال الطلبة والمتربصين النيجريين في الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين الجزائرية.

ويضيف هذا الجانب بعدا بشريا إلى الشراكة، لأن تكوين الطلبة والمتربصين والكوادر التقنية يساعد على بناء روابط طويلة المدى بين المؤسسات والمجتمعات. وتنسجم هذه السياسة مع برامج التكوين التي ترافق مشاريع الطاقة والصناعة الصيدلانية، بما يجعل تنمية الموارد البشرية جزءا من التعاون الاقتصادي نفسه.

وفي المجال الأمني والدفاعي، أشار الوزير الأول إلى الهبة التي قدمتها الجزائر للنيجر في 9 أوت الماضي، وضمت أربع مروحيات وتجهيزات عسكرية، ضمن دعم قدرات الجيش النيجري في العتاد والتكوين وتبادل الخبرات. وربط غريب التعاون الأمني بقناعة مشتركة تقوم على أن أمن واستقرار النيجر يرتبطان بأمن واستقرار الجزائر.

ويحمل هذا الترابط أهمية خاصة في منطقة الساحل، التي تواجه تحديات أمنية وتنموية متداخلة. وتتيح الشراكة متعددة المجالات للبلدين التعامل مع الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ضمن شبكة واحدة من المصالح، مع الحفاظ على خصوصية كل قطاع وآلياته.

نحو نموذج جزائري ـ نيجري قابل للتوسع

وتمنح تعددية المشاريع المطروحة بين الجزائر والنيجر الشراكة قاعدة تتجاوز التعاون القطاعي المنفصل. فمشروع “كفرا” يفتح مجالا أمام الاستكشاف والإنتاج والخدمات النفطية، ومصفاة “زندر” تربط التعاون بالتكرير والصيانة، بينما يوفر تسويق النفط الخام مجالا لتطوير النقل والمبادلات.

ويضيف التعاون بين نفطال وسونيداب حلقات التخزين والتوزيع والتموين إلى هذه المنظومة، في حين يفتح المجال الصيدلاني طريقا أمام توريد الأدوية ونقل التكنولوجيا والتكوين والإنتاج المشترك، وتدعم الكهرباء والطرق والسكك والألياف البصرية البيئة اللازمة لنمو هذه الأنشطة.

ويرى مراد كواشي أن هذا التنوع يمنح الجزائر فرصة لتوسيع حضورها الاقتصادي في منطقة الساحل اعتمادا على الخبرة التي تمتلكها المؤسسات الوطنية، خصوصا سوناطراك، مع ربط الاستثمار بنقل التكنولوجيا والتكوين. ويمنح النيجر في المقابل إمكانية الاستفادة من قدرات جزائرية في قطاعات تحتاج إلى استثمارات وخبرات وبنى تحتية لتطوير مواردها.

ويؤكد خالد الوافي أن التجربة الصيدلانية يمكن أن تسير في الاتجاه نفسه، إذ تستطيع الجزائر الجمع بين تصدير الأدوية وتكوين الكفاءات ونقل التكنولوجيا وإقامة شراكات إنتاجية. ويرى أن هذا النموذج يمكن أن يفتح للصناعة الصيدلانية الوطنية مجالا أوسع داخل الأسواق الإفريقية، خصوصا في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، مع دعم قدرة الدول الشريكة على تطوير صناعاتها المحلية.

وتبرز مشاريع الطاقة والصناعة والدواء والبنية التحتية، في هذا السياق، ضمن شبكة من المصالح الاقتصادية التي تستطيع دعم التنمية في البلدين. وتمنح المشاريع العابرة للحدود، من أنبوب الغاز إلى الألياف البصرية والطرق، فرصا لتعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي، بينما توفر مشاريع الإنتاج والتكوين آليات لبناء قدرات محلية أكثر استدامة.

ويكتمل هذا المسار من خلال إنشاء فريق عمل مشترك لمتابعة ملفات التعاون الصيدلاني، وهو توجه يمكن أن يوفر آلية عملية لتحديد الأولويات وتسهيل الإجراءات وتقييم المشاريع. وتحتاج مختلف مجالات الشراكة، من الطاقة إلى الدواء، إلى آليات متابعة مماثلة تضمن التنسيق بين المؤسسات وتحويل الاتفاقيات إلى برامج ومشاريع ذات آجال واضحة.

الجزائر والنيجر

وتشير الحركية السياسية التي شهدتها العلاقات خلال الأشهر الأخيرة إلى رغبة مشتركة في رفع مستوى التعاون، خصوصا مع انعقاد اللجنة الكبرى المشتركة وتوالي الزيارات واللقاءات الوزارية والميدانية. ويمنح هذا الزخم المشاريع الاقتصادية فرصة للتحرك ضمن إطار سياسي داعم، بينما تتيح النتائج العملية لهذه المشاريع ترسيخ الثقة وتوسيع مجالات التعاون.

وتضع الجزائر والنيجر أمامهما، وفق هذه المعطيات، مسارا يقوم على تكامل الموارد والخبرات والبنية التحتية. وتملك النيجر موارد طبيعية واحتياجات استثمارية وتنموية واسعة، بينما تمتلك الجزائر خبرات صناعية وطاقوية وصيدلانية وقدرات لوجستية وتكوينية يمكن توظيفها في شراكات متعددة المستويات.

وتشير رؤية الوزير الأول سيفي غريب إلى رغبة الجزائر في مواصلة تطوير علاقات الأخوة والتعاون مع النيجر وبناء فضاء جهوي وقاري أكثر تكاملا وازدهارا، انسجاما مع أهداف أجندة الاتحاد الإفريقي 2063. ويعطي هذا التوجه للمشاريع الثنائية بعدا يتجاوز المصالح المباشرة للبلدين نحو دعم التنمية والتكامل الاقتصادي في منطقة الساحل.

ومع تقدم مشاريع “كفرا” ومصفاة “زندر” والكهرباء والتكوين وتسويق النفط، بالتوازي مع التعاون بين نفطال وسونيداب في التخزين والتوزيع، والتعاون الصيدلاني في توريد الأدوية ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، تتشكل أمام الجزائر والنيجر فرص لبناء نموذج شراكة متعدد القطاعات. ويمنح هذا النموذج الطاقة والصناعة والدواء والبنية التحتية أدوارا مترابطة في دعم الاقتصاد، بينما يضع التكوين ونقل الخبرة في قلب الجهود الرامية إلى بناء قدرات محلية قادرة على مواصلة المشاريع وتوسيعها.

وتفتح هذه الديناميكية الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية ـ النيجرية، تقوم على الانتقال من التعاون في ملفات منفردة إلى شبكة أوسع من المصالح والمشاريع. ويستطيع البلدان، عبر استكمال الدراسات وتوفير التمويل وتبسيط الإجراءات وتعزيز التنسيق المؤسساتي، تحويل الإمكانات المتاحة إلى شراكات إنتاجية واستثمارية تدعم الاقتصادين وتمنح منطقة الساحل مسارات إضافية للتنمية والاستقرار.

↑