الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر و”باوو” الصينية.. كيف تتحول الموارد الحديدية إلى قاعدة لصناعة متكاملة؟


تتجه الجزائر إلى تعزيز شراكاتها الصناعية مع كبرى المجموعات العالمية، في خطوة تعكس توجهها نحو تطوير التصنيع المحلي ورفع القيمة المضافة للموارد الوطنية.

في هذا السياق، يأتي استقبال وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، أمس الثلاثاء، وفدا عن مجمع “باوو” الصيني للصلب، أحد أكبر منتجي الصلب في العالم، ليطرح آفاقا جديدة للتعاون في مجال صناعة الحديد والصلب منخفضة الانبعاثات وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها.

ويتفق متحدثان إلى “الأيام نيوز” على أن أهمية هذه الشراكة تتجاوز إنتاج الحديد والصلب إلى توطين الصناعة، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرة الصينية، وتكوين الكفاءات الجزائرية، بما يسمح ببناء سلسلة صناعية متكاملة انطلاقا من الموارد الوطنية، وتعزيز القيمة المضافة وفتح آفاق أوسع أمام المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية.

في هذا الصدد، أفاد هواري تيغرسي، خبير في الشأن اقتصادي، بأن الشراكة بين الجزائر ومجمع “باوو” الصيني يمكن أن تتجاوز إقامة مشروع لإنتاج الحديد والصلب، لتتحول، إذا صُممت وفق شروط تضمن نقل التكنولوجيا ورفع الإدماج المحلي، إلى حلقة جديدة في بناء سلسلة صناعية جزائرية متكاملة، خصوصا أن المباحثات الحالية تشمل فرص شراكات صناعية واستثمارية في الجزائر، من بينها صناعة الصلب منخفض الكربون والصلب الأخضر.

شراكة “باوو” يجب أن تتجاوز إنتاج الصلب إلى بناء سلسلة صناعية متكاملة

وأوضح تيغرسي أن الأهمية الأساسية لهذه الشراكة تكمن في الانتقال من تصدير الموارد الأولية إلى تحويلها محليا وإنتاج مواد ذات قيمة مضافة أعلى، مشيرا إلى أن الجزائر تمتلك موارد حديدية استراتيجية، على رأسها منجم غارا جبيلات، ما يتيح لها تطوير سلسلة تبدأ من معالجة وإثراء خام الحديد، مرورا بالاختزال المباشر وإنتاج الصلب، وصولا إلى المنتجات المسطحة والطويلة ومكونات الصناعات الميكانيكية والإنشائية.

وأبرز أن ارتفاع مستوى التحويل داخل الجزائر من شأنه أن يرفع القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني، معتبرا أن الرهان لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنتاج، وإنما على قدرة هذه المشاريع على خلق منظومة صناعية متكاملة تستفيد من الموارد الوطنية وتوسع قاعدة التصنيع المحلي.

وفي هذا السياق، أشار محدثنا إلى أن أهمية التوجه نحو إنتاج الصلب الأخضر ترتبط بالتحول الذي تشهده صناعة الحديد والصلب عالميا نحو تقنيات منخفضة الانبعاثات، بما فيها الاختزال المباشر واستخدام الهيدروجين والطاقات منخفضة الكربون، لافتا إلى أن الجزائر تمتلك مقومات يمكن أن تدعم هذا المسار، بالنظر إلى مواردها الحديدية وإمكاناتها في مجال الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين.

وأضاف أن الشراكة مع “باوو” ينبغي أن تقوم على نقل التكنولوجيا والمعرفة الصناعية، إلى جانب تكوين المهندسين والتقنيين الجزائريين، وتطوير الموردين المحليين، ورفع نسبة الإدماج تدريجيا، فضلا عن تصنيع جزء من المعدات وقطع الغيار محليا وإنشاء مراكز للبحث والتطوير وإدماج المؤسسات الجزائرية في سلسلة التوريد.

وأكد تيغرسي أن نجاح هذه المقاربة من شأنه أن يحوّل الشراكة من مشروع استثماري أجنبي داخل الجزائر إلى مشروع صناعي يستفيد من التكنولوجيا والخبرة الأجنبية لبناء قدرات وطنية مستدامة، موضحا أن الأثر الأكبر سيكون على الصناعات التحويلية المرتبطة بالحديد والصلب.

واعتبر أن توفر فولاذ جزائري بمواصفات عالمية وأسعار تنافسية يمكن أن يدعم توسع العديد من القطاعات، على غرار صناعة السيارات وقطع الغيار، والسكك الحديدية، والأنابيب، والمعدات الصناعية، والبناء والمنشآت المعدنية، والصناعات الميكانيكية، فضلا عن تجهيزات قطاعات الطاقة والفلاحة والمناجم، ما يسمح ببناء سلسلة قيمة صناعية متكاملة بدلا من الاكتفاء بمصنع لإنتاج الحديد والصلب.

كما أشار الخبير في الاقتصاد إلى أن الربط بين مشاريع استخراج ومعالجة خام الحديد في الجنوب، وشبكة النقل الحديدي، ومصانع التحويل والصلب في الشمال، يمكن أن يتيح بناء سلسلة صناعية متكاملة تبدأ من خام الحديد وصولاً إلى المنتجات الصناعية والتصدير، بما يرفع القيمة الاقتصادية للموارد الوطنية ويدعم تطوير الصناعات المرتبطة بها.

وفي الجانب التصديري، أوضح أن الصلب منخفض الكربون قد يتحوّل، خلال السنوات المقبلة، إلى ميزة تنافسية، في ظل تزايد المتطلبات الدولية المرتبطة بالبصمة الكربونية للمنتجات الصناعية، معتبرا أن تطوير إنتاج منخفض الانبعاثات يمكن أن يعزز قدرة الجزائر على الوصول إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية وغيرها.

وأكد أن الميزة التنافسية المحتملة للجزائر تتمثل في الجمع بين المادة الأولية المحلية، والطاقة المتوفرة وطنيا، والتكنولوجيا الصناعية العالمية، ما قد يسمح بتحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى وقابلة للتصدير.

وشدد المتحدث على أن تقييم نجاح هذه الشراكة لا ينبغي أن يرتبط فقط بكمية الحديد والصلب المنتجة، وإنما بحجم القيمة المضافة التي ستُخلق، وعدد المؤسسات الجزائرية التي ستندمج في سلسلة الإنتاج، والمهندسين والتقنيين الذين سيحصلون على تكوين متخصص، فضلا عن المنتجات الصناعية الجديدة التي يمكن تصديرها.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أبرز تيغرسي أن شراكة الجزائر مع “باوو” يمكن أن تشكل فرصة استراتيجية لإعادة تعريف صناعة الحديد والصلب في الجزائر كقاعدة لتطوير صناعات وطنية متعددة القطاعات، بما يسمح بالانتقال من امتلاك خام الحديد إلى تحويله إلى فولاذ أخضر، ثم إلى منتجات صناعية وصادرات، وتحويل الموارد الوطنية من ثروة تحت الأرض إلى قيمة مضافة ووظائف وتكنولوجيا ومؤسسات صناعية وصادرات خارج المحروقات.

الشراكة مع “باوو” تفتح آفاقاً لتوطين صناعة الحديد والصلب في الجزائر

من جهته، يرى أحمد طرطار، خبير في الطاقة، أن الشراكة الجزائرية الصينية تتميز بتنوعها في العديد من المجالات، لا سيما قطاع المناجم والمنتجات المنجمية، معتبرا أن استقبال وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، وفدا عن مجمع “باوو” الصيني للصلب، يمثل خطوة مهمة تتيح للجزائر الاستفادة من خبرة أحد أكبر منتجي الصلب في العالم، وتعزيز التعاون الصناعي معه.

وأوضح طرطار أن أهمية هذا التعاون تبرز أكثر في ظل المشاريع المندمجة التي أطلقتها الجزائر في قطاع الحديد والصلب، وفي مقدمتها مشروع غارا جبيلات، الذي من شأنه توفير كميات كبيرة من المادة الخام، ما يتيح للجزائر الاستفادة من التكنولوجيا والخبرة المتراكمة لدى المجمع الصيني وتوظيفها في تطوير صناعتها الوطنية.

وأشار الخبير إلى أن الجزائر تسعى، من خلال الانفتاح على تجربة “باوو”، إلى توطين صناعة الحديد والصلب، خصوصا الصناعات التحويلية المرتبطة بها، مبرزا في هذا السياق أهمية القدرات الصناعية القائمة، على غرار مركب “توسيالي” بوهران، ومركب “الحجار” بعنابة، ومركب “بلارة” بجيجل، والتي تمثل تجارب متنوعة للشراكة والاستثمار في هذا القطاع.

وأضاف المتحدث أن الاستفادة من هذه المعطيات يمكن أن تدعم توجه الجزائر نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من مختلف المنتجات المتأتية من شعبة الحديد والصلب، مع تعزيز فرص تصديرها، خاصة في ظل انفتاح البلاد على محيطها العربي وعمقها الإفريقي، وما يوفره ذلك من أسواق ومنافذ جديدة للمنتجات الجزائرية.

وأكد طرطار أن تطوير البنية التحتية وشبكات الربط مع الدول الإفريقية من شأنه تعزيز هذه الديناميكية، من خلال مشاريع الطرق والسكك الحديدية، إلى جانب توسيع شبكة النقل الجوي، وإنشاء البنوك والمعارض الدائمة في عدد من الدول الإفريقية، معتبرا أن هذه الخطوات تعزز جاذبية الجزائر أمام المستثمرين الراغبين في تطوير صناعات تحويلية مرتبطة بالحديد والصلب ومجالات المناولة.

واعتبر أن الانفتاح على مجمع “باوو” الصيني يعكس نظرة استشرافية من شأنها تمكين الجزائر من الاستفادة من خبرته وتكنولوجياته الحديثة، فضلا عن تطوير برامج لتكوين الإطارات والكفاءات الجزائرية القادرة على قيادة مسار توطين الصناعات التحويلية المرتبطة بالحديد والصلب.

خِتاماً، لفت أحمد طرطار إلى أن هذا التعاون يمكن أن يسهم أيضا في رفع قدرات المصانع القائمة وتوسيع نشاطها، إلى جانب فتح المجال أمام إنشاء وحدات صناعية جديدة، بما يعزز التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويدعم توجه الجزائر نحو إقلاع اقتصادي متكامل يشمل مختلف فروع النشاط.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.