السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر وقطر.. استثمارات واعدة لتعزيز الأمن الغذائي وفتح أسواق جديدة

Author
سهام سعدية سوماتي 27 فبراير 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد العلاقات الاقتصادية الجزائرية-القطرية خلال السنوات الأخيرة حركية متزايدة، تعكس إرادة مشتركة لدى البلدين للارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. ومع تنامي التقارب السياسي وتكثيف الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، برز توجه واضح نحو توسيع مجالات الاستثمار وتعزيز المبادلات التجارية، خاصة في قطاعات حيوية مثل الزراعة، والصناعات الغذائية، واللوجستيك، والسياحة.

وضمن المتابعة المستمرة لفرص التعاون بين الجزائر وقطر، استقبل الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية، لوناس مقرمان، بمقر الوزارة، سفير دولة قطر بالجزائر، عبد العزيز علي النعمه، أين أكد الطرفان على أهمية مواصلة تطوير التعاون الاقتصادي وتجسيد المشاريع الاستثمارية المشتركة بين البلدين، في إطار تعزيز الشراكة الثنائية.

وفي هذا الصدد، أفاد الخبير في الاقتصاد الدولي فارس هباش أن التعاون الاقتصادي بين البلدين عرف تطورا ملحوظا خلال السنوات الثلاث الماضية، سواء على مستوى الشراكات الاستثمارية أو من حيث المبادلات التجارية، ما يعكس توجّها واضحا نحو تعميق التعاون الاقتصادي وتعزيز التكامل بين اقتصادَي البلدين.

شراكة استراتيجية مدعومة بإرادة سياسية مشتركة

قال هباش إن التقارب السياسي بين الجزائر وقطر انعكس بشكل مباشر على مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث شهدت الفترة الأخيرة تبادلا للزيارات بين مسؤولي البلدين على أعلى مستوى، وهو ما اعتبره مؤشرا واضحا على الإرادة المشتركة لتطوير التعاون الاقتصادي وتحويله إلى شراكة استراتيجية طويلة المدى.

وأوضح أن هذه الزيارات الرسمية والمنتديات الاقتصادية المشتركة ساهمت في تعزيز الثقة بين الجانبين وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتعاون في العديد من القطاعات الحيوية، مؤكدا أن هذه الديناميكية السياسية تشكل أرضية صلبة لتوسيع الشراكة الاقتصادية وتعزيز حجم التبادل التجاري في السنوات المقبلة.

مشروع استراتيجي ضخم في قطاع الألبان والزراعة

وفي حديثه عن أبرز المشاريع المشتركة، أشار هباش إلى المشروع الاستثماري الضخم الذي يجمع الصندوق الوطني للاستثمار مع شركة بلدنا القطرية، والمتعلق بإنتاج الحليب المجفف والألبان واللحوم الحمراء، إلى جانب الاستثمار في زراعة الأعلاف وتربية المواشي.

وأكد أن هذا المشروع يمثل خطوة استراتيجية نحو تعزيز الأمن الغذائي في الجزائر، حيث من المتوقع أن يساهم في تقليص فاتورة استيراد الحليب المجفف بما يقارب النصف خلال السنوات المقبلة، وهو ما سيخفف الضغط على الميزان التجاري ويوفر موارد مالية معتبرة.

وأضاف أن المشروع لا يقتصر فقط على إنتاج الحليب ومشتقاته، بل يمتد ليشمل تطوير تربية الأبقار وإنتاج الأعلاف وتحديث التقنيات الزراعية، الأمر الذي سيساهم في رفع الإنتاجية وتحسين كفاءة القطاع الزراعي في الجزائر.

نقل التكنولوجيا وخلق فرص عمل جديدة

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن المشروع يمثل أيضا فرصة مهمة لنقل التكنولوجيا الزراعية المتقدمة إلى الجزائر، حيث يمكن أن يشكل قاعدة لتطوير الصناعة الزراعية والغذائية في البلاد.

وأشار إلى أن الشركات الجزائرية يمكن أن تستفيد من هذا المشروع من خلال العمل في إطار شركات المناولة والخدمات المرتبطة به، وهو ما سيساهم في خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى نقل الخبرات والمعارف التقنية إلى الكفاءات الجزائرية.

وأكد أن هذه الديناميكية الاستثمارية يمكن أن تؤدي على المدى المتوسط والبعيد إلى بناء منظومة صناعية زراعية متكاملة، قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية والتوجه نحو التصدير.

الجزائر بوابة استراتيجية للأسواق الإفريقية

وأوضح هباش أن الجزائر تمتلك العديد من المقومات التي تجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يجعلها بوابة نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية، إضافة إلى كونها سوقًا واسعة تضم أكثر من 46 مليون نسمة.

واعتبر أن الخبرة القطرية في مجال الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد يمكن أن تسهم في إنشاء مراكز توزيع حديثة في الجزائر، بما يسمح بتحسين عمليات التوزيع وفتح آفاق جديدة أمام الصادرات الجزائرية نحو القارة الإفريقية.

وأضاف أن إنشاء مراكز توزيع تجارية في الجزائر يمكن أن يحولها إلى منصة إقليمية للتجارة، بما يعزز موقعها الاقتصادي في المنطقة.

الاستثمار في المساحات التجارية الكبرى

كما شدد هباش على أهمية تطوير قطاع المساحات التجارية الكبرى في الجزائر، مشيرا إلى أن هذا المجال لا يزال بحاجة إلى تحديث وتوسيع مقارنة بالعديد من الدول التي نجحت في تنظيم قطاع تجارة التجزئة عبر شبكات توزيع حديثة.

وأوضح أن المساحات التجارية الكبرى تساهم في تنظيم عمليات التوزيع وضمان استقرار التموين ومراقبة جودة المنتجات، كما تسمح بالتحكم في سلاسل الأسعار والحد من المضاربة في المواد الأساسية.

وأشار إلى أن الاستثمار في هذا القطاع يمكن أن يحدث نقلة نوعية في نظام التوزيع في الجزائر، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتنظيم السوق وضبط الأسعار.

التكنولوجيا الزراعية والأمن الغذائي

وفي ما يتعلق بالتعاون في المجال الزراعي، نوه المتحدث إلى أن قطر نجحت في تطوير تقنيات متقدمة في مجال الزراعة في البيئات الصحراوية القاحلة، وهي تجربة يمكن الاستفادة منها في الجزائر التي تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

وأوضح أن نقل هذه التكنولوجيا سيساعد على تحسين كفاءة الري وزيادة الإنتاج الزراعي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه وتغير المناخ.

وأضاف أن تطوير الزراعة الصحراوية باستخدام التقنيات الحديثة يمكن أن يساهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من المنتجات الغذائية.

فرص واعدة للاستثمار في السياحة والعقار

كما لفت هباش إلى أن القطاع السياحي والعقاري يمثل مجالا مهما آخر للتعاون بين البلدين، خاصة في ظل الإمكانات السياحية الكبيرة التي تزخر بها الجزائر والتي لا تزال بحاجة إلى استثمارات لتطويرها.

وأكد أن الاستثمارات القطرية في مجال السياحة يمكن أن تساهم في تطوير البنية التحتية السياحية، من خلال إنشاء فنادق ومنتجعات ومرافق سياحية حديثة، بما يعزز مكانة الجزائر كوجهة سياحية إقليمية ودولية.

وأضاف أن تطوير هذا القطاع سيساهم في تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على قطاع المحروقات، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة وتحفيز التنمية المحلية في المناطق السياحية.

الشراكة الاقتصادية كرافعة للتنمية المستدامة

ويرى الخبير الاقتصادي أن التعاون بين الجزائر وقطر يمكن أن يلعب دورا مهما في تحقيق التنمية المستدامة في البلدين، من خلال تنويع الاقتصاد وتطوير قطاعات جديدة مثل الصناعات الغذائية والتكنولوجيا الزراعية والسياحة والطاقات المتجددة.

وأوضح أن هذه الشراكة ستساعد الجزائر على تقليل الاعتماد على المحروقات، في حين تسعى قطر من خلال استثماراتها الخارجية إلى تنويع اقتصادها في إطار رؤيتها الاقتصادية طويلة المدى.

وأضاف أن تطوير الصناعات المشتركة بين البلدين يمكن أن يعزز مرونة الاقتصادين في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

توقعات بارتفاع كبير في حجم التبادل التجاري

أما بشأن بآفاق التبادل التجاري بين البلدين، أكد هباش أن حجم المبادلات الاقتصادية لا يزال دون المستوى المأمول، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية تحقيق نمو كبير خلال السنوات المقبلة.

وأشار إلى أن تنظيم المنتديات الاقتصادية والمعارض التجارية المشتركة ساهم في تعزيز العلاقات بين رجال الأعمال في البلدين.

وتوقع المتحدث أن يرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الفترة القريبة ليصل إلى أكثر من 200 مليون دولار، مع إمكانية بلوغه ما بين أربعة إلى خمسة مليارات دولار بحلول عام 2030، خاصة مع تجسيد المشاريع الاستثمارية المشتركة وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين الجانبين.

مستقبل واعد للشراكة الجزائرية القطرية

وختم هباش تصريحه بالتأكيد على أن المشروع الاستثماري الضخم الذي يقدر بحوالي 3.5 مليار دولار يمثل مؤشرا قويا على مستقبل واعد للشراكة الاقتصادية بين الجزائر وقطر، مشددا على أن السنوات الخمس المقبلة قد تشهد طفرة حقيقية في حجم الاستثمارات والتبادل التجاري بين البلدين.

وأكد أن تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية وتسهيل الإجراءات التجارية، إضافة إلى تعزيز النقل البحري والجوي بين البلدين، يمكن أن يفتح آفاقا واسعة للتكامل الاقتصادي ويحول الشراكة الجزائرية القطرية إلى نموذج ناجح للتعاون الاقتصادي العربي.