الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الجزائر ومالي.. تقارب دبلوماسي في مواجهة تعقيدات الساحل

Author
إيمان بن يمينة 20 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يأت قرار الجزائر ومالي إعادة السفراء وفتح الأجواء الجوية بين البلدين في ظرف إقليمي عادي، إنما جاء في لحظة تشهد فيها منطقة الساحل واحدة من أكثر مراحلها حساسية، بعد التصعيد العسكري الأخير في شمال مالي، وتزايد التدخلات الخارجية، وارتفاع الرهانات المرتبطة بأمن المنطقة ومستقبل مشاريعها الاستراتيجية.

فالسنوات الأخيرة أثبتت أن الأزمة المالية لم تعد شأناً داخلياً يخص باماكو وحدها، إنما تحولت إلى ملف تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والطاقة والجغرافيا. ومع بروز مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء كأحد أكبر المشاريع التي تراهن عليها الجزائر وشركاؤها لتصدير الغاز الإفريقي نحو أوروبا، بات استقرار مالي يكتسي أهمية تتجاوز حدوده، ليصبح جزءاً من معادلة أمن إقليمي وطاقوي أوسع.

وفي خضم هذه التحولات، أعادت الانفراجة الدبلوماسية بين الجزائر وباماكو طرح المقاربة الجزائرية إلى الواجهة، بعد مدة من التوتر الذي طبع العلاقات بين البلدين، خاصة في ظل اقتناع متزايد بأن المقاربة العسكرية وحدها لم تنجح في إنهاء الصراع، وأن أي مشروع تنموي أو استراتيجي في الساحل يظل مرتبطاً بوجود تسوية سياسية تضمن استقرار المنطقة.

فهل تمثل عودة الدفء إلى العلاقات الجزائرية-المالية بداية مرحلة جديدة تعيد الاعتبار للدور الجزائري في معالجة أزمة مالي؟ وإلى أي مدى يمكن أن يتحول استقرار هذا البلد إلى ركيزة أساسية لتأمين مشروع خط الغاز العابر للصحراء، الذي يُراهَن عليه كشريان استراتيجي لنقل الغاز الإفريقي نحو أوروبا؟

الحتمية الجيو-استراتيجية

أكد المحلل السياسي والخبير في الشؤون الإفريقية ومنطقة الساحل، الأستاذ كرزيكة زهير بدر الدين، في حديثه الخاص لموقع “الأيام نيوز”، أن الانفراجة الدبلوماسية الأخيرة بين الجزائر وباماكو والمتمثلة في إعادة السفراء وفتح الأجواء الجوية المشتركة، هذا الأسبوع، لا يمكن قراءتها كحدث بروتوكولي عابر، بل كحتمية جيو-استراتيجية تربط بشكل وثيق وبنيوي بين استقرار جمهورية مالي وتأمين خط أنابيب الغاز العابر للصحراء (TSGP).

هذا الشريان الطاقوي الحيوي، الذي يمتد لمسافة تتجاوز 4100 كيلومتر ليربط حقول نيجيريا بالنيجر والجزائر وصولاً إلى الأسواق الأوروبية بكلفة استثمارية تناهز 13 مليار دولار، وطاقة نقل سنوية تصل إلى 30 مليار متر مكعب، يضع المقاربة الجزائرية في موقع الشريك الدولي الموثوق والضامن للأمن الطاقوي العالمي، ما يعني أن تأمين هذا المسار يستدعي بالضرورة استعادة الاستقرار في الجوار المالي عبر تغليب الحلول السياسية الشاملة ورفض المقاربات الأمنية الإقصائية.

سياقات متداخلة

في تفكيكه لجذور الأزمة، أوضح الخبير كرزيكة زهير بدر الدين لـ”الأيام نيوز” أن المشهد الراهن يتأثر بثلاثة سياقات متداخلة، أولها تداعيات التنصل التدريجي للمجلس العسكري الحاكم في باماكو منذ انقلاب 2021 من التزاماته، وصولاً إلى الإلغاء الرسمي في جانفى 2024 لـ”اتفاق السلم والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر سنة 2015″.

هذا الاتفاق التاريخي، الذي رعته الجزائر عبر وساطة دولية جمعت الأطراف المالية الموقعة وضمّن وقف إطلاق النار وتنمية مناطق الشمال وتعزيز اللامركزية، كان يمثل الإطار السياسي الوحيد القابل للحياة للحفاظ على الوحدة الترابية للبلاد، غير أن استبداله بخيار الحسم العسكري الأحادي المدعوم بمرتزقة فاغنر الروس أدخل المنطقة في دوامة من العنف، حيث لم يصمد هذا الخيار طويلاً وتوالت بعده النكسات الميدانية بدءاً من معركة تين زواتين في صيف 2024 وصولاً إلى تصعيد أفريل 2026 الذي أودت فيه المعارك بحياة وزير الدفاع المالي وأفضت إلى سقوط كيدال مجدداً في أيدي المجموعات المسلحة.

وانطلاقاً من قراءته للتطورات الميدانية الأخيرة، بيّن المحلل السياسي أن معركة بلدة أنفيف الاستراتيجية الواقعة على الطريق الرابط بين غاو وكيدال في الأسبوع الأول من جويلية الجاري، كانت بمثابة مرآة كاشفة لفشل رهان باماكو على “خصخصة الأمن” والاستعانة بالخارج، حيث شن تحالف ميداني يجمع الحركات السياسية والعسكرية لشمال مالي وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة هجمات متزامنة طالت خمس مناطق حيوية ممتدة من الشمال إلى مشارف العاصمة باماكو نفسها.

وقد تجسد الإخفاق الميداني في فرض حصار خانق حول القوات المالية وحلفائها الروس من “فيلق إفريقيا”، الذي يُنظر إليه بوصفه الامتداد المؤسسي لفاغنر، وإسقاط ثلاث مروحيات عسكرية، في وقت عجز فيه دخول المنظومات المسيرة الإيرانية من طراز “شاهد” لأول مرة عن إحداث أي فارق استراتيجي.

وفي هذا السياق، شدد الأستاذ كرزيكة لـ”الأيام نيوز” على أن المعطى الأكثر خطورة في المشهد الميداني يكمن في نشوء تنسيق هجين وغير مسبوق يربط فصائل من شمال مالي ذات مطالب سياسية وتنموية بتنظيمات إرهابية، معتبراً هذا التحالف التكتيكي نتاجاً مباشراً لغياب الإطار السياسي الجامع واستمرار سياسة الإقصاء، وهو الأمر الذي طالما حذرت منه الدبلوماسية الجزائرية لمنع انزلاق الجوار نحو الفوضى وتفكيك عُرى الوحدة الوطنية لجمهورية مالي.

وفي خضم هذا التكالب الدولي على منطقة الساحل، الذي تتداخل فيه أجندات المحور الروسي عبر تموضع فيلق إفريقيا كبديل أمني عسكري عبّر عنه سيرغي لافروف لتحدي النفوذ الفرنسي التقليدي، مع الأطماع الطاقوية الأوروبية المتصلة بخط الغاز العابر للصحراء، والتحركات الإيرانية الناشئة بإمداداتها العسكرية، حدد الخبير كرزيكة ملامح الموقف الجزائري المتمايز برفضه المطلق للانجرار وراء سياسة المحاور أو الاصطفاف الحاد في صراعات بالوكالة. فالسياسة الخارجية للجزائر متمسكة بعقيدتها الراسخة كوسيط إقليمي نزيه ومحايد، يرفض تماماً منطق التدخلات الخارجية ويسعى لبناء استقرار نابع من التوافق الداخلي بين الفرقاء الماليين، بعيداً عن حسابات القوى الكبرى الإقليمية والدولية.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

بناءً على هذه المعطيات، رسم المحلل السياسي لـ”الأيام نيوز” ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الأزمة؛ يكمن أولها في ما وصفه بـ”التسوية التراكمية” التي ترجحها المؤشرات الراهنة كعودة السفراء وفتح الأجواء الجوية، حيث تستثمر الجزائر هذه الانفراجة الدبلوماسية لدفع السلطات في باماكو نحو صياغة نسخة محدثة ومطورة من اتفاق 2015 تمنح حركات الشمال صيغة عملية للامركزية الموسعة والتسيير المحلي لشؤون أقاليمها دون المساس بالسيادة الوطنية والترابية لجمهورية مالي، وهو ما يحقق التوازن بين تأمين الحدود الجنوبية للجزائر وحفظ أمن خط الغاز وتفادي استنزاف مقدرات المنطقة.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في التدويل العسكري الموسع عبر ذهاب تحالف دول الساحل: مالي، النيجر، وبوركينا فاسو نحو خيار الحرب الشاملة والمدعومة روسياً بصفة مباشرة، من خلال استقدام حشود عسكرية إضافية ومعدات ثقيلة لحسم الميدان بالقوة؛ وهو مسار يراه الخبير كرزيكة مستبعداً وصعب التحقق على أرض الواقع نتيجة كلفته البشرية والمادية الباهظة، واستنزافه الحاد لمقدرات هذه الأنظمة عسكرياً واقتصادياً في حرب استنزاف لا أفق واضحاً لها.

وفيما يتعلق بالسيناريو الثالث، فيكمن في إمكانية حدوث “انقلاب داخل الانقلاب” في باماكو؛ إذ يرى المحلل أن تراكم الخسائر الميدانية المذلة لقوات الجيش المالي وحلفائه الروس – والتي توجت بمقتل وزير الدفاع في أفريل الماضي وسقوط المروحيات المتتالي – قد يخلق تململاً عميقاً داخل المؤسسة العسكرية المالية يدفع ضباطاً للإطاحة بالجناح الحاكم المتصلب، بحثاً عن قيادة جديدة تكون أكثر واقعية وبراغماتية، وتختار مخرج التفاوض السياسي والحوار الشامل الذي تقوده الجزائر كبديل عن الانتحار العسكري والرهانات الصفرية.

سجل تفاوضي مميز

نبّه الدكتور كرزيكة زهير بدر الدين إلى ضرورة التمييز الحذر بين المظاهر الدبلوماسية، المتمثلة في عودة التمثيل الدبلوماسي وحركة الطيران، وبين تسوية القضايا الجوهرية العالقة؛ فالجزائر التي تستند إلى تراكم تاريخي وتفاوضي متميز وإلى شريط حدودي مشترك يفوق 1300 كيلومتر يجعلها صمام الأمان البنيوي للمنطقة، لا تزال تصطدم بإصرار باماكو على المقاربة الأمنية كسبيل وحيد لفرض سلطتها، مدفوعةً بالدعم العسكري الروسي والإيراني المكثف.

ولذلك، يرى الخبير أن المحك الفعلي للدبلوماسية الجزائرية لن يكون في تلك الإجراءات الإدارية، إنما في قدرتها على توجيه موازين القوى الجديدة نحو إنتاج مسار سياسي تفاوضي جاد يعيد تفعيل روح اتفاق 2015 في قالب واقعي جديد، بما يضمن صيانة الوحدة الترابية والسيادة الوطنية لمالي، ويحمي الشراكات الطاقوية الكبرى العابرة للصحراء من أخطار التهديد المستمر.

وتكشف التطورات الأخيرة أن مستقبل خط الغاز العابر للصحراء لم يعد رهينًا بالتمويل أو الإنجاز التقني فحسب، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين على إعادة الاستقرار إلى مالي وإبعاد المنطقة عن منطق المواجهة العسكرية المفتوحة.

وفي هذا السياق، تبدو الانفراجة الدبلوماسية بين الجزائر وباماكو أكثر من مجرد استئناف للعلاقات الثنائية، إذ تعيد التأكيد على أن معالجة أزمات الساحل لا يمكن أن تتم بمعزل عن الدور الجزائري، الذي يراهن على الحل السياسي باعتباره المدخل الأكثر واقعية لحماية أمن المنطقة، وصون المشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود، وفي مقدمتها خط أنابيب الغاز العابر للصحراء.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.