الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الجزائر ومالي.. مسار جديد لبناء الثقة

Author
الأيام نيوز 24 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تضع المرحلة الجديدة في العلاقات الجزائرية-المالية البلدين أمام مساحة أوسع لإعادة تنظيم التعاون وتطويره، وفق مقاربة تقوم على الحوار والاحترام المتبادل وحسن الجوار والمصالح المشتركة. وتمنح زيارة الوزير الأول ورئيس حكومة جمهورية مالي عبد الله مايغا إلى الجزائر، في هذا التوقيت، زخما سياسيا مهما لمسار إعادة تنشيط قنوات الاتصال بين البلدين، في إطار رؤية تستهدف تثبيت التعاون الثنائي وتوسيعه ليشمل الملفات الأمنية والاقتصادية والحدودية والتنموية.

وتستند هذه الديناميكية إلى رصيد تاريخي وشعبي عميق يجمع الجزائر ومالي، وإلى إدراك متبادل لأهمية العلاقات بين دولتين تتجاوران جغرافيا وتلتقي مصالحهما في عدد كبير من الملفات. ويمنح هذا الموقع الجغرافي العلاقة الثنائية بعدا استراتيجيا يتجاوز حدود التعاون الثنائي، بالنظر إلى ارتباط أمن الجزائر باستقرار منطقة الساحل، وحاجة مالي إلى علاقات متوازنة مع محيطها الإقليمي، خاصة مع الدول التي ترتبط معها بحدود ومصالح مباشرة.

وتأتي زيارة مايغا بعد المكالمة الهاتفية التي أجراها معه الوزير الأول سيفي غريب، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، والتي وجه خلالها دعوة رسمية إلى رئيس الحكومة المالية لزيارة الجزائر. وشكل الاتصال مناسبة لتجديد التمسك بعلاقات الأخوة والتضامن وحسن الجوار، والتعبير عن إرادة مشتركة لإضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات الثنائية وإعادة تنشيط التعاون في مختلف المجالات.

وتعززت هذه الديناميكية بعودة السفير الجزائري كمال رتيب إلى باماكو، في قرار رئاسي حمل رسالة واضحة بشأن رغبة الجزائر في إعادة العلاقات مع مالي إلى مسارها الطبيعي والتاريخي، القائم على الاحترام المتبادل والتعاون وخدمة مصالح الشعبين. وتزامن ذلك مع عودة السفير المالي إلى الجزائر وإعادة فتح المجال الجوي أمام الرحلات القادمة من الجزائر أو المتجهة إليها، بما يوفر عناصر عملية تساعد على تطوير التواصل السياسي والاقتصادي والشعبي بين البلدين.

ويرى الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية مصطفى كمال دماني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن زيارة رئيس الوزراء المالي تحمل أهمية سياسية وأمنية واقتصادية، لأنها تأتي في مرحلة تحتاج فيها المنطقة إلى تنسيق أكبر بين دولها، وتحتاج فيها الجزائر ومالي إلى قنوات اتصال منتظمة تسمح لهما بإدارة الملفات المشتركة بصورة مباشرة ومنظمة.

مصطفى كمال دماني، باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية

ويشير دماني إلى أن استقرار مالي يرتبط بصورة وثيقة باستقرار المجال الساحلي، بحكم الموقع الجغرافي للبلدين وطبيعة التحديات التي تعرفها المنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب وأمن الحدود. ويمنح هذا الترابط الجزائر مصلحة مباشرة في دعم الاستقرار داخل محيطها الجنوبي، بينما تحتاج مالي إلى تعاون إقليمي يساعدها على تعزيز قدراتها في مواجهة التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع والاقتصاد.

ويضع الباحث الحوار السياسي في مقدمة الأدوات التي يمكن أن تدعم هذا المسار، باعتبار أن التواصل المنتظم يتيح للطرفين مناقشة الملفات الحساسة في أجواء أكثر هدوءا، وتطوير آليات للتنسيق تمنع تراكم الإشكالات وتحافظ على المصالح المشتركة. ويرى أن عودة الاتصالات السياسية إلى مستويات عليا تمنح العلاقات الثنائية فرصة لبناء الثقة على أساس مؤسساتي، بدل ربط التعاون بالمناسبات السياسية وحدها.

من الأمن إلى الاقتصاد.. توسيع قاعدة المصالح المشتركة

تحضر القضايا الأمنية بقوة في هذا المسار، بالنظر إلى طبيعة البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها الجزائر ومالي. ويؤكد دماني أن مواجهة الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة والتهريب تتطلب تنسيقا مستمرا بين الأجهزة المختصة، وتبادلا للمعلومات، وتواصلا مباشرا حول أمن الحدود، مع احترام سيادة كل دولة وخصوصياتها الوطنية.

ويضيف أن المقاربة الأمنية تحتاج إلى مرافقة اقتصادية وتنموية، لأن الاستقرار في المناطق الحدودية يرتبط أيضا بقدرة السكان على الوصول إلى فرص اقتصادية مشروعة، وبوجود حركة تجارية منظمة، وبنية تحتية قادرة على دعم النشاط المحلي. وتستطيع الجزائر ومالي، في هذا الإطار، توسيع التعاون في المجالات التي تخدم سكان المناطق الحدودية، وتحويل الموقع الحدودي إلى مجال للتبادل المنظم والنشاط الاقتصادي.

وتتفق هذه الرؤية مع طرح الخبير الاقتصادي أحمد بلجيلالي، الذي يرى أن الظرف الراهن يتيح للبلدين فرصة لترجمة التقارب إلى مشاريع ومبادلات واستثمارات ملموسة، مع التركيز على قطاعات الطاقة والمناجم والفلاحة والبنية التحتية، إلى جانب تطوير الممرات التجارية واللوجستية وتسهيل حركة السلع والخدمات.

أحمد بلجيلالي، خبير في الاقتصاد

ويعتبر بلجيلالي أن الملف الأمني والحاجة إلى تنسيق الجهود شكلا في كثير من الأحيان دافعا أساسيا لإعادة بعث العلاقات بين الجزائر ومالي، لكن الشق الاقتصادي يستطيع أن يمنح هذه العلاقات قاعدة أكثر صلابة، بالنظر إلى تعدد خيارات الشراكة القابلة للتجسيد في قطاعات مختلفة، سواء تعلق الأمر بالمبادلات التجارية المباشرة أو المشاريع الاستثمارية وخدمات الإنجاز.

ويرتقب أن تحضر الملفات الاقتصادية بقوة على طاولة الاجتماعات التي يعقدها مايغا والوفد المرافق له مع المسؤولين الجزائريين، خاصة في ظل وجود فرص متعددة لتوسيع التعاون. ويضع بلجيلالي قطاعي الطاقة والمناجم ضمن أهم محاور الشراكة المحتملة، سواء من خلال توريد المحروقات والكهرباء إلى مالي أو إقامة مشاريع استثمارية مشتركة، خصوصا في معالجة الموارد المعدنية التي تزخر بها مالي وتثمينها، عوض الاكتفاء بتصديرها في شكلها الخام.

ويبرز قطاع الفلاحة بدوره مجالا قابلا لتوسيع التعاون، من خلال نقل التجربة الجزائرية في الفلاحة الصحراوية وتشجيع الاستثمارات المباشرة. ويرى بلجيلالي أن الجزائر تستطيع أيضا فتح أسواقها أمام الثروة الحيوانية المالية، لاسيما ضمن عمليات استيراد أضاحي العيد التي تعلن عنها سنويا.

ويتيح قطاع الأشغال العمومية والتعمير بدوره فرصا واسعة أمام المؤسسات الجزائرية العمومية والخاصة والمختلطة للمشاركة في مشاريع البنية التحتية في مالي، مع إمكانية الاعتماد على المنتجات الجزائرية في عمليات الإنجاز، على غرار الحديد والصلب والإسمنت والخزف، وهي قطاعات شهدت قدرات إنتاجية متنامية في الجزائر خلال السنوات الأخيرة.

الممرات التجارية.. بوابة الجزائر نحو أسواق الساحل

ويمنح الموقع الجغرافي لمالي بعدا إضافيا لهذه الشراكة، إذ يرى بلجيلالي أن الحدود الطويلة والمباشرة بين البلدين توفر مزايا مهمة من حيث النقل وانخفاض تكاليفه، وتفتح المجال أمام توسيع نطاق المبادلات نحو دول أخرى تحد مالي، على غرار بوركينا فاسو وكوت ديفوار وغينيا والسنغال.

ويعزز هذا المعطى أهمية الممرات التجارية واللوجستية في المرحلة المقبلة، وهو ملف يضعه الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي ضمن مفاتيح تطوير الشراكة الجزائرية-المالية. ويؤكد أن التقارب الجديد يحتاج إلى الانتقال من استعادة العلاقات إلى بناء الثقة الاقتصادية، عبر إعادة تفعيل اللجان المشتركة، وتسهيل حركة التجار والسلع، وفتح قنوات للتمويل والتأمين على المبادلات.

هواري تيغيرسي، خبير اقتصادي

ويشير تيغرسي إلى أن الجزائر قادرة على توسيع صادراتها نحو مالي لتشمل المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء والتجهيزات والمنتجات الصناعية، إلى جانب الخدمات والخبرات الهندسية، مع معالجة العوائق اللوجستية التي تحد من انسيابية التجارة بين البلدين.

ويضع تطوير الطرق والمعابر الحدودية ومناطق التخزين والمنصات اللوجستية وتحديث الخدمات الجمركية والرقمية ضمن الأولويات الضرورية لبناء ممر اقتصادي متكامل يربط شمال إفريقيا بمنطقة الساحل. ويمكن لهذا المسار أن يربط الإنتاج المالي بالموانئ والأسواق الجزائرية، ويدعم انسيابية حركة السلع، ويمنح المؤسسات الجزائرية فرصا أكبر للوصول إلى الأسواق الإفريقية.

ويشدد تيغرسي على أن الهدف لا ينبغي أن يتوقف عند رفع حجم المبادلات، بل يتجه نحو تغيير طبيعتها وتعميق القيمة المضافة للتعاون الثنائي، عبر الانتقال من نموذج التصدير والاستيراد إلى الاستثمار المشترك، خاصة في الزراعة والصناعات الغذائية والتعدين ومواد البناء والطاقة والنقل واللوجستيك.

ويحمل هذا التوجه بعدا إقليميا مهما بالنسبة للجزائر، باعتبار أن مالي يمكن أن تشكل بوابة نحو أسواق أخرى في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، خاصة مع تنامي فرص التكامل الاقتصادي في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. ويرى تيغرسي أن الاستثمار في مالي يمكن أن يتحول إلى وسيلة للوصول إلى أسواق إفريقية أخرى، بما يعزز الحضور الاقتصادي الجزائري في القارة.

الطاقة والمناجم.. فرص لشراكة تتجاوز المبادلات

ويربط دماني بين الاستقرار الأمني والمصالح الاقتصادية والطاقوية للجزائر في منطقة الساحل، مشيرا إلى التحركات الجزائرية في النيجر ومشاريع التنقيب، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بأوروبا مرورا بالنيجر والجزائر. وتحتاج هذه المشاريع ذات الطابع الاستراتيجي إلى بيئة إقليمية مستقرة، لأن حماية البنية التحتية العابرة للحدود ترتبط بسلامة المجال الجغرافي الذي تمر عبره.

وتحظى المشاريع الطاقوية الجزائرية في الساحل بأهمية إضافية ضمن هذا المسار، خاصة مع مشاريع التنقيب في النيجر وأنبوب الغاز العابر للصحراء. ويجعل هذا المعطى التعاون مع دول الجوار جزءا من حماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الجزائرية وتعزيز موقع البلاد داخل الاقتصاد الإفريقي.

ويضيف تيغرسي أن قطاع الطاقة يمثل مجالا واعدا لتوسيع التعاون الجزائري-المالي، ليس فقط من خلال المحروقات، وإنما أيضا عبر الكهرباء والطاقة الشمسية والخدمات الطاقوية. وتتوفر مالي على إمكانات مهمة في الطاقة الشمسية، بينما تمتلك الجزائر خبرة ومؤسسات وقدرات في إنتاج ونقل وتوزيع الطاقة.

ويتيح هذا التكامل الانتقال تدريجيا من تصدير المنتجات إلى تصدير الخبرة والتكنولوجيا والخدمات، بما يفتح المجال أمام الشركات الجزائرية للعمل في السوق المالية، ويمنحها فرصا جديدة للاستثمار وتوسيع نشاطها في المنطقة.

مالي بوابة اقتصادية للعمق الإفريقي

ويشير دماني إلى أن التحولات الدولية في الساحل تفرض على الجزائر إدارة علاقاتها مع مختلف القوى الفاعلة بقدر كبير من التوازن، مع المحافظة على استقلالية القرار الوطني. وتملك الجزائر علاقات سياسية وأمنية مع الولايات المتحدة، إلى جانب علاقات استراتيجية مع روسيا، وهو ما يمنحها مساحة للتحرك الدبلوماسي وفق مصالحها الوطنية، بعيدا عن الاصطفافات التي يمكن أن تحد من قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف.

ويرى أن مصلحة الجزائر تكمن في الحفاظ على استقرار منطقة الساحل ومنع تحولها إلى فضاء للمنافسة الدولية الحادة، لأن أي اضطراب واسع ستكون له تداعيات على الأمن الإقليمي وعلى حركة التجارة والاستثمارات والمشاريع الطاقوية. وتدفع هذه المعطيات الجزائر إلى اعتماد تحرك دبلوماسي وقائي، يقوم على التواصل مع دول الجوار ودعم الحلول السياسية وتعزيز التعاون الإقليمي.

ومن جهته، يرى المحلل السياسي الدكتور فاروق طيفور أن زيارة رئيس الحكومة المالية تحمل مؤشرات سياسية مهمة على رغبة الطرفين في إعادة ترتيب العلاقة الثنائية ضمن مقاربة جديدة تستجيب للمتغيرات الإقليمية والاحتياجات المشتركة.

الدكتور فاروق طيفور، محلل سياسي

ويشير طيفور إلى أن عودة السفيرين واستئناف الرحلات الجوية يوفران قاعدة مناسبة لتعزيز التواصل بين الجزائر وباماكو، بينما تمنح الزيارة مستوى سياسيا أعلى لهذا المسار. ويعتبر أن العلاقات الثنائية تحتاج في المرحلة المقبلة إلى الانتقال من استعادة الاتصال إلى بناء شبكة مصالح مشتركة تجعل التعاون أكثر انتظاما واستدامة.

ويضع المحلل السياسي الوضع الأمني والاقتصادي في مالي ضمن العوامل التي ترفع أهمية العلاقات مع الجزائر، مشيرا إلى الضغوط التي تواجهها البلاد، واتساع حاجتها إلى تأمين طرق الإمداد وحماية النشاط الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الداخلي. ويرى أن أزمة المحروقات التي تواجهها مالي ترفع أهمية التعاون في النقل والطاقة واللوجستيات والتجارة، وتفتح المجال أمام الجزائر للمساهمة في دعم الاستقرار الاقتصادي عبر أدوات التعاون المتاحة.

مؤسسات مشتركة لتحويل التقارب إلى مشاريع

ويرى طيفور أن إعادة تفعيل اللجان الثنائية تمثل أحد المسارات المناسبة لتنظيم التعاون، إلى جانب تعزيز التعاون الحدودي وتوسيع المبادلات التجارية وتطوير النقل وربط المصالح الاقتصادية بين البلدين. وتمنح هذه الآليات العلاقة الثنائية قدرة أكبر على متابعة الملفات بصورة دورية، وتحديد الأولويات، وتنسيق الإجراءات بين المؤسسات المختصة.

ويشدد على أن التعاون بين الجزائر ومالي يحتاج إلى قاعدة واضحة تحترم سيادة الطرفين، بحيث تقدم الجزائر الدعم والخبرة في المجالات التي تتفق عليها الحكومتان، مع احترام القرار الوطني المالي، في حين تحافظ مالي على علاقات حسن الجوار وتبقي قنوات الاتصال مفتوحة لمعالجة الملفات المشتركة.

ويضع الخبير في شؤون النزاعات والجريمة المنظمة إدريس سنوسي انتظام الحوار بين الجزائر ومالي في صدارة الأولويات، معتبرا أن البلدين يمتلكان مصالح أمنية واقتصادية واجتماعية متشابكة تجعل استقرار العلاقة الثنائية عاملا مهما في أمن المنطقة.

إدريس سنوسي، خبير في شؤون النزاعات والجريمة المنظمة

ويرى سنوسي أن زيارة مايغا يمكن أن تشكل بداية لمسار مؤسساتي جديد إذا رافقتها آليات متابعة دائمة واتفاقات محددة وبرامج قابلة للتنفيذ. ويؤكد أن قيمة اللقاء السياسي ترتفع عندما يفتح المجال أمام اجتماعات دورية بين المؤسسات، ويحدد مواعيد وآليات لمعالجة الملفات المشتركة، ويمنح اللجان الثنائية دورا أكثر فاعلية.

ويضع الخبير التعاون الأمني في مقدمة المجالات التي تحتاج إلى تطوير، خاصة في ما يتعلق بأمن الحدود وتبادل المعلومات ومواجهة شبكات التهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. ويرى أن طبيعة التهديدات العابرة للحدود تجعل التنسيق بين الجهات المختصة ضرورة عملية، لأن أمن الحدود يحتاج إلى تعاون متواصل وليس إلى ترتيبات ظرفية.

ويحذر سنوسي من حصر التعاون في المجال الأمني، مشددا على أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية تمثل مكونا أساسيا في دعم الاستقرار. ويشير إلى أن المناطق الحدودية تستطيع احتضان مشاريع تجارية وخدماتية ولوجستية توفر فرصا للسكان، وتدعم المبادلات المشروعة، وتمنح المجتمعات المحلية مصالح مباشرة في استقرار المنطقة.

ويقترح الخبير تطوير التعاون الحدودي عبر دعم النقل واللوجستيات والمبادلات التجارية، إلى جانب مشاريع في الطاقة والبنية التحتية والتكوين والتعليم والصحة. ويعتبر أن توسيع هذه المجالات يمنح العلاقة الثنائية قاعدة شعبية واقتصادية أوسع، ويخلق شبكة من المصالح التي تشجع الطرفين على حماية الاستقرار وتعزيز التواصل.

ويؤكد سنوسي أهمية إنشاء آلية حوار منتظمة بين الجزائر ومالي، تسمح بمناقشة القضايا الحساسة قبل وصولها إلى مراحل معقدة. ويمنح هذا الحوار المؤسسات الرسمية قدرة أكبر على تبادل المعلومات وتنسيق المواقف وتوضيح القضايا التي تحتاج إلى معالجة مشتركة، مع الحفاظ على خطاب سياسي هادئ يقوم على الاحترام المتبادل.

من استعادة الاتصال إلى بناء شراكة إقليمية

تلتقي آراء الخبراء عند أهمية بناء علاقة جزائرية-مالية أكثر انتظاما، تتجاوز اللقاءات السياسية إلى شبكة واسعة من المصالح والآليات المؤسساتية. ويبرز الأمن ضمن الأولويات المشتركة، لكن الاقتصاد والتنمية والطاقة والنقل والتجارة والتكوين تفتح مجالات إضافية قادرة على دعم الاستقرار وتعزيز الترابط بين البلدين.

وتمنح عودة السفيرين واستئناف الرحلات الجوية التقارب الحالي قاعدة عملية، بينما تحتاج المرحلة التالية إلى إعادة تفعيل اللجان المشتركة، وتحديد مشاريع ذات أولوية، وتوفير آليات للتمويل والمتابعة، وتسهيل حركة السلع والأشخاص، وتطوير المعابر والممرات التجارية.

وتبرز الحدود الجزائرية-المالية مجالا مهما لترجمة هذه الرؤية، من خلال تنظيم حركة الأشخاص والسلع، ودعم التجارة، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتعزيز التعاون بين المجتمعات الحدودية. وتمنح هذه المجالات التعاون الثنائي بعدا عمليا قادرا على تحسين الظروف الاقتصادية للسكان ودعم الاستقرار في المناطق الجنوبية.

وتحتاج المرحلة المقبلة أيضا إلى تنسيق أمني مستمر يركز على حماية الحدود ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب، مع ربط هذا الجهد ببرامج تنموية واقتصادية. وتساعد هذه المقاربة على بناء استقرار طويل الأمد، لأنها تجمع بين حماية المجال الجغرافي وتوسيع الفرص الاقتصادية وتعزيز حضور الدولة في المناطق الحدودية.

ويضع بلجيلالي وتيغرسي البعد الاقتصادي في صلب المرحلة الجديدة، من خلال توسيع المبادلات وإطلاق الاستثمارات المشتركة وتطوير قطاعات الطاقة والمناجم والفلاحة والبنية التحتية والنقل واللوجستيك. وتمنح هذه المجالات الجزائر فرصة لتعزيز حضور مؤسساتها ومنتجاتها وخبراتها في الساحل، بينما تستفيد مالي من قدرات جارها الشمالي ومن موقعها بوابة للأسواق الإفريقية.

وتفتح زيارة عبد الله مايغا إلى الجزائر الباب أمام مرحلة يمكن أن ترتكز على المصالح المشتركة والعمل المؤسساتي والتنسيق المنتظم. وتحتاج هذه المرحلة إلى إرادة سياسية متواصلة من الطرفين، وبرامج محددة تعطي الأولوية للملفات التي تمس أمن البلدين واقتصادهما ومصالح شعبيهما.

وتحمل العلاقات الجزائرية-المالية، في هذا السياق، فرصة لبناء نموذج تعاون يقوم على حسن الجوار واحترام السيادة وتكامل المصالح. وتستطيع الجزائر من موقعها الجغرافي والدبلوماسي والاقتصادي دعم هذا المسار، بينما تستطيع مالي توسيع التعاون مع جارها الشمالي في المجالات التي تخدم استقرارها وتنميتها.

وتتجه العلاقة الثنائية بذلك نحو صياغة جديدة تضع الحوار في قلب العمل السياسي، وتربط الأمن بالتنمية، وتمنح الاقتصاد والطاقة والنقل والتجارة والاستثمار مساحة أوسع داخل الشراكة. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا بقدرة الجزائر وباماكو على المحافظة على التواصل وتحويل الإرادة السياسية إلى قرارات وبرامج ومشاريع ملموسة، بما يخدم أمن البلدين واستقرارهما ويعزز حضور الجزائر الاقتصادي والدبلوماسي في منطقة الساحل والعمق الإفريقي.