الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

الجزائر ومصر.. قصة تحالف لم تهزها التحولات

Author
محمود سيد محمد 12 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تمثل العلاقات المصرية الجزائرية إحدى أكثر التجارب رسوخا في التاريخ العربي الحديث، إذ تأسست على وحدة النضال وتلاقي المصير قبل أن تبنى على المصالح السياسية والاقتصادية. فقد جمعت البلدين معركة التحرر الوطني، ثم عززا هذا الإرث عبر تعاون مستمر في مختلف المحطات المفصلية التي شهدتها المنطقة، حتى أصبحت هذه العلاقة نموذجا يقوم على الثقة المتبادلة والوفاء للمواقف التاريخية.

وتعود جذور هذا المسار إلى اندلاع الثورة التحريرية الجزائرية، حين احتضنت القاهرة خلال سنة 1954 الاجتماعات التي مهدت لانطلاق الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي. وشهدت العاصمة المصرية تنسيقا بين قادة الثورة الجزائرية والقيادة المصرية، أسفر عن بلورة الرؤية السياسية والعسكرية لجبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني، في محطة شكلت أحد المنعطفات الحاسمة في تاريخ الثورة.

ولم يقف الدور المصري على الدعم السياسي، بل وفر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للثورة الجزائرية السلاح والتدريب والإسناد الدبلوماسي والإعلامي، حتى أصبحت القاهرة مركزا رئيسيا لإسناد القضية الجزائرية على المستويين العربي والدولي. ودفع هذا الموقف ثمنا باهظا، إذ وضع الدعم المصري للثورة الجزائرية ضمن الأسباب التي عمقت التوتر مع القوى الاستعمارية، قبل وقوع العدوان الثلاثي سنة 1956. وواصل الشعب الجزائري في المقابل مسيرة التحرير بتضحيات جسيمة تجاوزت المليون ونصف المليون شهيد، لترتبط ذاكرة البلدين بتاريخ صنعته التضحيات المشتركة.

واستمرت هذه الروابط بعد استقلال الجزائر، حين واجهت مصر تداعيات نكسة جوان 1967. وسجلت الجزائر بقيادة الرئيس الراحل هواري بومدين موقفا داعما سياسيا واقتصاديا وعسكريا، ثم تعزز هذا الإسناد خلال حرب أكتوبر 1973، عندما شاركت وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى جانب القوات المسلحة المصرية. ويستحضر العديد من القادة العسكريين المصريين تلك المساهمة بتقدير كبير، تقديرا لما قدمته الجزائر من دعم أسهم في تعزيز القدرات العربية خلال تلك المرحلة.

وتعكس هذه المحطات طبيعة العلاقة التي جمعت البلدين على امتداد العقود، وهي علاقة قامت على التضامن وتقاسم المسؤولية تجاه القضايا العربية الكبرى. وانطلاقا من هذا الإرث، أكد سفير الجزائر بالقاهرة في أكثر من مناسبة أن العلاقات الجزائرية المصرية تستند إلى مبدأ الأخوة والتكافل، وتستمد قوتها من رصيد تاريخي صنعته المواقف المشتركة، وليس من حسابات ظرفية أو مصالح آنية.

وانتقل هذا الرصيد التاريخي إلى مرحلة جديدة خلال السنوات الأخيرة، حيث شهد التعاون الثنائي توسعا في المجالات السياسية والاقتصادية. واختار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الجزائر أول وجهة خارجية له بعد توليه الرئاسة سنة 2014، في رسالة عكست المكانة التي تحتلها الجزائر في السياسة الخارجية المصرية، وفتحت المجال أمام تنشيط آليات التشاور والتنسيق بين قيادتي البلدين.

ويواصل البلدان تعزيز التعاون في ملفات الأمن الإقليمي، وتسوية الأزمات العربية، إلى جانب توسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية. وحقق حجم المبادلات التجارية نموا ملحوظا تجاوز مليار دولار، بينما يطمح الجانبان إلى رفع هذا الرقم خلال السنوات المقبلة عبر تشجيع الاستثمارات المشتركة، وتطوير التعاون في قطاعات الصناعة والطاقة والزراعة، والنقل، والخدمات اللوجستية، وتكنولوجيات الإعلام والاتصال.

وتفرض التحولات الإقليمية والدولية على الجزائر ومصر مواصلة التنسيق وتبادل الرؤى بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة. ويمنح هذا التنسيق البلدين قدرة أكبر على حماية مصالحهما، والإسهام في دعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز العمل العربي المشترك وفق رؤية تقوم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول.

وتؤكد مسيرة العلاقات الجزائرية المصرية أن قوة هذه الشراكة لم تولد من المصالح العابرة، بل من تاريخ مشترك صنعته التضحيات والمواقف الصلبة. ولهذا يواصل البلدان البناء على هذا الإرث عبر توسيع مجالات التعاون، وترسيخ شراكة تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة، وتحافظ في الوقت نفسه على القيم التي جمعت الشعبين منذ فجر ثورتيهما التحرريتين.

Author محمود سيد محمد
باحث سياسي، عضو في المؤسسة المصرية للدراسات السياسية الاستراتيجية