الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

الجزائر وموريتانيا.. أنموذج التكامل الإقليمي

Author
راضية زبانة 08 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

أكد الباحث السياسي، محمد عبد الله محمد جدو، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الدورة الـ20 للجنة المشتركة الجزائرية-الموريتانية تمثّل نقطة تحوّل نوعية في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، مشيرا إلى أن مخرجات هذه الدورة تعكس انتقال العلاقات إلى مرحلة أكثر شمولا وتكاملا. وأوضح محمد جدو أن حزمة الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقّعة، هي ثمرة إرادة سياسية قوية، تدفع نحو تعزيز التعاون الإقليمي وتكثيف الشراكات الاستراتيجية بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكلا البلدين.

أسفرت الدورة عن توقيع أكثر من 29 اتفاقية شملت مجالات متعددة، من بينها الأمن، المحروقات والطاقة، المالية، الصناعة والصناعة الصيدلانية، الفلاحة والصيد البحري، النقل، التجارة، السكن، التربية والتعليم العالي، التكوين المهني، الشباب والرياضة، والعمل، فضلا عن الاتصال والثقافة والعلاقات البرلمانية والبيئة.

محمد جدو

ويشير المحلل السياسي، محمد جدو، إلى أن هذا الطيف الواسع من الاتفاقيات يعكس رؤية مشتركة للانتقال من علاقات تقليدية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، قائمة على التكامل والتعاون العملي بين القطاعين العام والخاص، بما يسمح ببناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية.

ولا تقتصر أهمية هذه الاتفاقيات على عددها أو تنوعها، بل تمتد إلى طبيعة القطاعات التي تشملها، والتي تمثل ركائز أساسية لأي أنموذج تنموي حديث، حيث تعكس توجها واضحا نحو بناء اقتصاد متكامل يعتمد على تنويع مصادر الدخل وتعزيز القدرات الإنتاجية، إلى جانب تطوير البنية التحتية وتعزيز التكامل بين مختلف القطاعات الحيوية. كما أن هذا الزخم في التوقيعات يعكس مستوى التنسيق العالي بين مؤسسات البلدين، ويؤكد وجود إرادة سياسية فعلية لترجمة التفاهمات إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.

شهدت الدورة توقيع اتفاقيات لتعزيز الاستثمارات المشتركة بين القطاعين الخاصين في البلدين، من خلال اتفاق تعاون بين مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري والاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، إضافة إلى اتفاقيات توأمة بين مؤسسات التعليم والتكوين المهني.

وتغطي هذه الاتفاقيات مجالات متعددة مثل الرياضة، التكوين المهني، البحث العلمي والابتكار، والصناعة الصيدلانية، ما يفتح آفاقا جديدة أمام التبادل المعرفي والاقتصادي بين البلدين، ويعزز من فرص خلق شراكات إنتاجية حقيقية قادرة على توليد الثروة وخلق مناصب الشغل.

كما يعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لأهمية إشراك الفاعلين الاقتصاديين في مسار التعاون الثنائي، باعتبارهم المحرك الأساسي لأي ديناميكية اقتصادية مستدامة، حيث لم يعد التعاون مقتصرا على الأطر الحكومية، بل أصبح يمتد ليشمل القطاع الخاص كعنصر فاعل في تحقيق التكامل الاقتصادي. وفي هذا السياق، يشكل فتح المجال أمام رجال الأعمال والمستثمرين فرصة لتعزيز المبادلات التجارية ونقل الخبرات وتطوير المشاريع المشتركة، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

وأكد الوزير الأول الموريتاني، المختار ولد أجاي، أن رئيس الجمهورية الجزائرية، عبد المجيد تبون، حمله رسالة للشعب الموريتاني تؤكد استمرار الجزائر في الوقوف مع موريتانيا ودعم مصالحها المشتركة، كما نقل رسالة أخوية من الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، تؤكد التزام البلدين بالاستمرار في تعزيز العلاقات الاستراتيجية والشراكة متعددة الأبعاد. وتعكس هذه الرسائل المتبادلة مستوى الثقة السياسية بين القيادتين، كما تعزز مناخ التعاون وتدفع نحو تسريع تنفيذ المشاريع المشتركة، بما يخدم المصالح العليا للبلدين.

 من المحروقات والطاقة إلى الثقافة والاتصال

شكل قطاع المحروقات والطاقة محورا رئيسيا لمباحثات الدورة، حيث أجرى وزير الدولة المكلف بالمحروقات والمناجم، محمد عرقاب، محادثات مع وزير النفط والطاقة الموريتاني، محمد ولد خالد، حول دعم مشاريع الاستكشاف والإنتاج في موريتانيا، وتوسيع الشراكة عبر جميع حلقات سلسلة القيمة، من الاستكشاف إلى النقل والتحويل والتسويق. ويعكس هذا التوجه رغبة مشتركة في بناء شراكة طاقوية متكاملة، تستفيد من الخبرة الجزائرية في هذا المجال، وتواكب في الوقت ذاته تطلعات موريتانيا لتطوير قدراتها الإنتاجية.

وأكد الجانبان أهمية تعزيز حضور المؤسسات الجزائرية في السوق الموريتانية لدعم توسيع التعاون التجاري وتعزيز مكانة المتعاملين الجزائريين، خاصة في ظل الفرص المتاحة في قطاع الطاقة. كما تناولت المحادثات آفاق التعاون في مجالات تثمين الموارد الطبيعية، خاصة الفوسفات، وتطوير صناعة الأسمدة، ما يسهم في تعزيز القيمة المضافة للموارد الطبيعية في البلدين، ويحد من الاعتماد على تصدير المواد الخام دون تحويل.

وفي هذا السياق، أكد الوزير عرقاب استعداد الجزائر، عبر مجمع “سوناطراك”، لمرافقة الجانب الموريتاني في برامج التكوين ونقل الخبرات التقنية لتطوير الصناعة النفطية والغازية، وهو ما يعكس بعدا استراتيجيا يتجاوز التعاون التجاري إلى بناء قدرات محلية مستدامة. كما أن التركيز على التكوين يعكس وعيا بأهمية العنصر البشري في إنجاح أي مشروع تنموي، خاصة في القطاعات التقنية المعقدة.

شملت الاتفاقيات مجالات التعليم العالي والتكوين المهني، حيث تم توقيع برامج تنفيذية للفترة 2026-2028 بين وزارتي التكوين المهني للبلدين، بالإضافة إلى اتفاقيات توأمة بين المعاهد العليا في الجزائر ونواكشوط في مجالات الشباب والرياضة. كما تضمنت مذكرة تفاهم في مجال الملكية الصناعية والتعاون الصناعي وبرامج تنفيذية للتربية والتعليم، ما يعكس التوجه الاستراتيجي نحو الاستثمار في الكفاءات البشرية ونقل المعرفة التقنية، وهو ما يراه محمد جدو عاملا حاسما في بناء قاعدة صلبة للتعاون المستدام.

ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة، التي تجعل من المعرفة والابتكار عنصرين أساسيين في تحقيق التنمية، حيث لم يعد كافيا الاستثمار في الموارد الطبيعية فقط، بل أصبح من الضروري تطوير رأس المال البشري القادر على استغلال هذه الموارد بكفاءة وابتكار.

وحرصت الجزائر وموريتانيا على تضمين مجالات الثقافة والاتصال ضمن مخرجات الدورة، عبر توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء مركز ثقافي جزائري في موريتانيا، وبرامج تعاون بين مؤسسات التلفزيون الوطنية، ووزارة الاتصال ووزارة الثقافة والفنون في كلا البلدين. ويشير محمد جدو إلى أن هذه المبادرات تعزز تبادل الخبرات الثقافية والفنية، وتقوي الروابط الاجتماعية بين شعبي البلدين، ما يسهم في بناء علاقات مستدامة قائمة على الحوار والتفاهم، ويمنح التعاون بعدا إنسانيا وثقافيا يتجاوز الأبعاد الاقتصادية.

وفي إطار استكمال هذا المسار، برزت أهمية تعزيز التجارة المتبادلة كأحد المحاور الأساسية للتكامل الاقتصادي، حيث تم الإعلان عن الشروع في مفاوضات لإبرام اتفاق تجاري تفاضلي يشمل 20 منتجا ذا أولوية من الجانبين، بما يسمح بتبادلها في إطار تفضيلات جمركية. ومن شأن هذا التوجه أن يسهم في تسهيل ولوج المنتجات إلى الأسواق، وتشجيع الصادرات، وتحقيق توازن أكبر في المبادلات التجارية بين البلدين.

كما عرفت الدورة العاشرة لمجلس رجال الأعمال الجزائري-الموريتاني مشاركة واسعة من الفاعلين الاقتصاديين، حيث تم طرح جملة من التوصيات الرامية إلى تعزيز التعاون وتكثيف الشراكات، بما يعكس رغبة مشتركة في الانتقال من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة الإنجاز الفعلي. ويعد هذا التوجه مؤشرا على نضج العلاقات الاقتصادية بين البلدين، واستعدادهما للانتقال نحو مستويات أعلى من التكامل.

ويشير، محمد جدو، إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر جهود صناع القرار والباحثين والخبراء لبناء نموذج تعاون قائم على المعرفة والابتكار والاستثمار الذكي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية. كما يؤكد أن الباحثين في مجال الاقتصاد الرقمي وتحليل البيانات يمكن أن يلعبوا دورا محوريا في دعم هذا التوجه، من خلال تقديم رؤى علمية تساعد على تحسين السياسات الاقتصادية وتعزيز فعاليتها.

رابط دائم
https://elayem.news/8ajt4