الأحد، 17 مايو 2026 — 29 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

الجزائر 2026.. بين الاستحقاق الانتخابي وتحدي الاستقرار الاستراتيجي


في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وتنامي المخاطر الاقتصادية، وتزايد التهديدات غير التقليدية ذات الطابع المركّب، تدخل الجزائر مرحلة مفصلية تتجسد في الاستحقاق التشريعي المقرر في 2 جويلية 2026، باعتباره محطة دستورية محورية لتجديد الشرعية التمثيلية، وتعزيز آليات الحكم الراشد، وترسيخ مبادئ الشفافية والنجاعة المؤسساتية.

كما يكتسي المسار الانتخابي لسنة 2026 طابعًا متكاملًا، حيث يختتم بالانتخابات المحلية، بما يسمح بتجديد المؤسسات المنتخبة وطنيًا ومحليًا، في إطار ديناميكية دستورية تهدف إلى تعزيز التمثيل الديمقراطي وتكريس فعالية الحوكمة على مختلف المستويات.

وعليه، فإن هذا الاستحقاق لا يُفهم كإجراء انتخابي معزول، بل كحلقة مركزية في مسار بناء الدولة وتعزيز استقرارها الاستراتيجي.

الإشكالية المركزية

كيف يمكن للجزائر أن تُفعّل الاستحقاق التشريعي لـ2 جويلية 2026 كآلية دستورية ومؤسساتية لإعادة تشكيل التوازنات السياسية على أسس ديمقراطية صلبة، تُجسد الإرادة الشعبية الحقيقية، وتُعزّز الحوكمة الرشيدة، وتُرسّخ الاستقرار الاستراتيجي للدولة في مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية؟

أولاً: الاستحقاق التشريعي كآلية دستورية لتجديد الشرعية وإعادة تشكيل التوازنات السياسية.

يشكّل الاستحقاق التشريعي لسنة 2026 محطة دستورية مركزية لتجديد الغرفة السفلى للبرلمان، بما يضمن إعادة تشكيل التوازنات السياسية على أسس ديمقراطية، تعكس الإرادة الشعبية في بعدها الحقيقي، وتُكرّس مبدأ السيادة الشعبية باعتباره أحد الأعمدة الجوهرية للنظام الدستوري.

ومن ثمّ، فإن الانتخابات لا تقتصر على اختيار ممثلين، بل تمتد إلى:

إعادة إنتاج الشرعية التمثيلية وفق قواعد دستورية واضحة،

وتعزيز فعالية المؤسسة التشريعية في التشريع والرقابة،

والانتقال نحو تمثيل قائم على البرامج والسياسات العمومية

ثانيًا: تعميق الديمقراطية التمثيلية في إطار الحوكمة الرشيدة

في هذا السياق، لا تُقاس الديمقراطية بانتظام الاستحقاقات فحسب، بل بقدرتها على إنتاج مؤسسات قائمة على الشفافية والمساءلة.

وعليه، يهدف الاستحقاق إلى:

-تعزيز العمل البرلماني ودور السلطة التشريعية في الرقابة والتشريع.

-تكريس مبادئ الشفافية في العملية الانتخابية وتسيير الشأن العام.

تطوير الأداء السياسي وفق متطلبات الحكم الراشد.

-ربط المسؤولية السياسية بالمحاسبة الدستورية.

ثالثًا: الاستقرار المؤسساتي كركيزة للشرعية الدستورية

يُعد الاستقرار المؤسساتي شرطًا أساسيًا لضمان استمرارية الدولة وتماسكها، وهو ما يتعزز عبر الاستحقاق الانتخابي من خلال:

-إعادة تفعيل المؤسسات الدستورية على أسس الفعالية والنجاعة.

-تعزيز الانسجام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

-ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة داخل الدولة.

-دعم الاستمرارية المؤسساتية في إطار إصلاحي متدرج.

رابعًا: الانتخابات وتثبيت الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي

في هذا المستوى، لا يمكن فصل الاستحقاق الانتخابي عن انعكاساته المباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، باعتباره الإطار الذي تُصاغ فيه الخيارات العمومية المستقبلية.

وعليه، فإن الانتخابات التشريعية لـ2 جويلية 2026 تمثل آلية لإعادة توجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية نحو مزيد من النجاعة، من خلال:

-دعم خيارات الإصلاح الاقتصادي وتعزيز التنويع الإنتاجي.

-ترسيخ العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق.

-تحسين فعالية السياسات العمومية المرتبطة بالخدمات الأساسية.

-تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات عبر نتائج ملموسة.

ومن ثم، فإن جودة التمثيل البرلماني ستكون عاملاً حاسمًا في تحويل الإرادة الشعبية إلى سياسات اقتصادية واجتماعية فعالة ومستدامة.

خامسًا: الانتخابات وتمتين الجبهة الداخلية في مواجهة التهديدات غير التقليدية

في ظل تصاعد التهديدات غير التقليدية، يصبح للاستحقاق الانتخابي دور محوري في تعزيز الجبهة الداخلية، باعتبارها خط الدفاع الأول للدولة.

وعليه، فإن هذا الاستحقاق يساهم في:

-تعزيز الوحدة الوطنية وتماسك النسيج الاجتماعي.

-دعم الثقة في المؤسسات الدستورية المنتخبة.

-تحصين المجتمع ضد حملات التضليل والتأثير الخارجي.

-ترسيخ الشعور بالمواطنة والمسؤولية الجماعية.

وبذلك، تتحول العملية الانتخابية إلى آلية لتعزيز المناعة الداخلية للدولة في مواجهة الحروب المركبة.

سادسًا: الانتخابات وتعزيز الأمن الشامل ومناعة الدولة

إن التحولات الراهنة تفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن، وهو ما يجعل الاستحقاق الانتخابي جزءًا من معادلة الأمن الشامل، الذي يشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والرقمية.

وفي هذا الإطار، ينعكس الاستحقاق التشريعي على:

-تعزيز الأمن الاقتصادي من خلال خيارات تشريعية فعالة.

-دعم الأمن الاجتماعي عبر سياسات أكثر عدالة.

-تقوية الأمن الرقمي عبر مواكبة التحولات التكنولوجية.

-ترسيخ الأمن المؤسسي عبر الحوكمة الرشيدة.

وبذلك، يساهم البرلمان المنتخب في بناء مناعة دولة قادرة على الصمود والتكيف والاستمرارية.

خاتمة استراتيجية.. من الاستحقاق الانتخابي إلى هندسة الاستقرار المستدام

في المحصلة، فإن الجزائر، وهي تتجه نحو الاستحقاق التشريعي لـ2 جويلية 2026, لا تخوض مجرد محطة انتخابية، بل تدخل مرحلة مفصلية لإعادة بناء التوازنات السياسية على أسس دستورية وديمقراطية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وترسيخ الشفافية في تسيير الشأن العام.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل هذا الاستحقاق إلى رافعة استراتيجية لإعادة إنتاج الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز الاستقرار المؤسساتي، وبناء مناعة دولة قادرة على مواجهة التحديات المتعددة.

وفي عالم تتغير فيه موازين القوة، تبقى الدول التي تنجح في ربط الاستحقاق الانتخابي بمسار الإصلاح الشامل، هي الأقدر على تحويل الاستقرار من حالة ظرفية إلى هندسة دائمة للاستقرار المستدام.

Author البروفيسور بريش عبد القادر
نائب في البرلمان الجزائري استاذ في العلاقات دولية