2025.12.04
الجزائر–روسيا..شراكة دفاعية ترتقي إلى مستوى الحسم الاستراتيجي سياسة

الجزائر–روسيا..شراكة دفاعية ترتقي إلى مستوى الحسم الاستراتيجي


ربيعة خطاب
27 نوفمبر 2025

في ظرف جيوسياسي معقّد يتّسم بتصاعد التهديدات في الساحل وتوسّع التنافس الدولي على المنطقة، شكّل استقبال الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، للسيد ديمتري شوغاييف، مدير المصلحة الفدرالية للتعاون العسكري والتقني لروسيا، حدثاً ذا دلالات استراتيجية تتجاوز الإطار البروتوكولي. فاللقاء، الذي حضره كبار مسؤولي وزارة الدفاع الوطني وأعضاء الوفد الروسي، كشف عن وجود إرادة مشتركة لإعادة تقييم مسار التعاون العسكري بين البلدين وتوسيعه ليواكب التحولات الأمنية الراهنة.

توقيت الزيارة لم يكن اعتباطياً. فروسيا، التي تسعى للحفاظ على حضورها التقليدي في شمال إفريقيا، ترى في الجزائر شريكاً موثوقاً يمكن الاعتماد عليه في منطقة تتغيّر موازينها بسرعة. أما الجزائر، فتنطلق من عقيدة “الاستقلالية الاستراتيجية” وتعتبر تنويع شراكاتها الدفاعية ضرورة لضمان توازن ردع فعّال أمام الضغوط الغربية المتزايدة، سواء في ملفات الساحل أو الأمن الإقليمي أو الطاقة.

المحلل الروسي ديمتري بريجع يؤكد في هذا السياق بأن “موسكو تعتبر الجزائر واحداً من أكثر الشركاء ثباتاً وعدم خضوعاً للتقلبات السياسية الدولية.” ويضيف أن التعاون العسكري بين البلدين “لم يعد قائماً فقط على صفقات التسليح، بل تطور إلى مستوى أعمق يشمل التدريب، وتبادل الخبرة، وربما مستقبلاً مشاريع تصنيع مشترك.” ويشير بريجع إلى أن المؤسسة العسكرية الجزائرية تتمتع بسمعة مهنية قوية لدى الروس، ما يجعل أي تفاهمات معها تتسم بالجدية والبعد الاستراتيجي.

من جهته، يرى المحلل السياسي الدكتور نميري عز الدين أن اللقاء يحمل رسائل متعددة الاتجاهات. فهو من جهة “تأكيد داخلي على التحديث المستمر لقدرات الجيش الوطني الشعبي، وعلى حفاظ الجزائر على استقلال قرارها السيادي بعيداً عن محاور النفوذ.” ومن جهة أخرى، يبعث رسالة للخارج مفادها أن الجزائر “لا يمكن أن تُستدرج إلى توجهات سياسية أو عسكرية لا تتماشى مع مصالحها، وأن تنسيقها مع موسكو جزء من رؤية أكبر لإعادة ضبط التوازن في غرب المتوسط وفي فضاء الساحل.”

ويشرح عز الدين أن هذا النوع من اللقاءات يعكس قناعة لدى صانعي القرار في الجزائر بأن البيئة الإقليمية تشهد انفلاتاً غير مسبوق، يستدعي تقوية القدرات الدفاعية في مجالات الدفاع الجوي، والتحكم الإلكتروني، والتحديث التكنولوجي. كما أن التعاون مع روسيا يمنح الجزائر الأفضلية في امتلاك منظومات ردع تفرض احترام التوازنات القائمة وتمنع أي محاولات لفرض أمر واقع في المنطقة.

وبحسب مصادر متطابقة، فقد شملت المحادثات ملفات حساسة، أبرزها: تحديث منظومات الدفاع الجوي، تعزيز قدرات الحرب الإلكترونية، تكثيف برامج تدريب الضباط في الأكاديميات العسكرية الروسية، وتوسيع آفاق التعاون نحو التصنيع العسكري المحلي. مثل هذه الخطوات تشير إلى أن العلاقة العسكرية لم تعد مجرد علاقة “مزوّد وزبون”، بل علاقة شراكة استراتيجية عميقة من شأنها تعزيز استقلالية القرار الدفاعي الجزائري.

 يؤكد هذا اللقاء حسب المحللين للأيام نيوز  أن الجزائر تمضي نحو ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، مدفوعة بعقيدة دفاعية صلبة ورؤية استراتيجية طويلة المدى. فالرسالة واضحة: الجزائر تُعيد بناء هندسة أمنها الوطني وفق معايير جديدة، وتستثمر في شراكات متوازنة تُحصّن حدودها وتُعزز تأثيرها في محيطها القاري والبحري. لقاء شنقريحة–شوغاييف ليس مجرد محطة عابرة، بل خطوة إضافية في مسار إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.