2025.12.04
الجزائر تقود مسار السيادة الدوائية في إفريقيا اقتصاد

الجزائر تقود مسار السيادة الدوائية في إفريقيا


إيمان عبروس
27 نوفمبر 2025

وسط التحديات الصحية العالمية والتحولات الجيوستراتيجية التي تعيشها إفريقيا، تبرز الحاجة إلى تعزيز القدرات المحلية في قطاع الصناعة الصيدلانية كأولوية حيوية لاستدامة الصحة العامة وحماية الشعوب من الاعتماد الكلي على الاستيراد.

الجزائر، باعتبارها إحدى الدول الرائدة في هذا المجال، اختارت أن تضع الصناعة الصيدلانية في صلب استراتيجيتها الوطنية، مستندة إلى رؤية طموحة لتحقيق السيادة الصحية للقارة، وموفرة منصة للتكامل والتعاون الإقليمي.

وفي هذا الإطار، احتضنت الجزائر مؤتمرها الوزاري الإفريقي للإنتاج المحلي للأدوية وتكنولوجيات الصحة، بمشاركة واسعة من دول إفريقية ومؤسسات دولية، ليشكل نقطة تحول في مسار تطوير الصناعة الدوائية على مستوى القارة.

الجزائر...منصة لإرساء السيادة الصحية الإفريقية

شهد المركز الدولي للمؤتمرات "عبد اللطيف رحال" بالعاصمة الجزائرية، مراسم افتتاح المؤتمر الوزاري الإفريقي للإنتاج المحلي للأدوية وتكنولوجيات الصحة، بحضور الوزير الأول، سيفي غريب، نيابة عن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، إلى جانب أعضاء الحكومة وممثلي هيئات دولية وإقليمية، فضلاً عن وزراء ومسؤولين في قطاعي الصناعة الصيدلانية والصحة من أكثر من 15 دولة إفريقية.

وفي كلمة ألقاها نيابة عن الرئيس، أكد الوزير الأول على التزام الجزائر بقيادة جهود تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية في إفريقيا، داعيا إلى توحيد الجهود القارية لتقليص الاعتماد على الاستيراد وضمان الأمن الصحي لشعوب القارة.

السيادة الصحية.. أولوية إفريقية استراتيجية

وأشار رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، إلى أن الوضع الحالي الذي يشهد فيه القارة استيرادا شبه كلي لاحتياجاتها الصحية غير مقبول، خصوصا مع امتلاكها للثروات والكفاءات اللازمة لتطوير قطاعها الدوائي. وقال إن الدول الإفريقية باتت في أمس الحاجة إلى توطين تصنيع الأدوية الأساسية، واللقاحات، والأجهزة الطبية، والمواد الأولية لضمان الأمن الصحي في مواجهة المتغيرات العالمية.

وأوضح تبون أن هذه الأولويات ليست فقط وطنية، بل تمثل "أولوية سيادية للقارة" في ظل التحديات الصحية العالمية وتزايد الضغوط على سلاسل التموين الدوائية.

وأكد أن الجزائر تعمل وفق رؤية شاملة لتعزيز التضامن الإفريقي والتكامل الإقليمي، بهدف جعل إفريقيا قارة قوية بسيادتها ومتكاملة في تنميتها.

مؤتمر الجزائر..خطوة نحو تنفيذ رؤية الاتحاد الإفريقي 2063

و يأتي هذا المؤتمر في إطار استراتيجية الاتحاد الإفريقي 2063، التي تهدف إلى تمكين القارة من السيطرة على احتياجاتها الدوائية، وتوطين الصناعات الصيدلانية لضمان أمن صحي مستدام.

كما يعكس المؤتمر التزام الجزائر بأن تكون قوة محورية في تعزيز قدرات القارة في المجال الصحي والصناعي، من خلال تبادل الخبرات، وتأسيس شراكات عملية بين الدول الإفريقية، وتحديد الأسس التي تمكنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي الدوائي على المدى المتوسط والطويل.

وأكد الرئيس تبون أن المؤتمر سيشكل" منعرجا حقيقيا" في مسار التعاون الإفريقي، من خلال إعلان الجزائر الذي سيكون بمثابة ميثاق للدول الإفريقية لتعزيز الإنتاج المحلي للأدوية، وضمان الحق في الدواء، والصحة، والتنمية لشعوب القارة.

الجزائر نموذج للإصلاح والنجاح في الصناعة الصيدلانية

و اختارت منظمة الصحة العالمية الجزائر لتكون مقرا لهذا المؤتمر الوزاري، نظرا لإنجازاتها وإصلاحاتها في قطاع الصناعة الصيدلانية. إذ تمتلك الجزائر حوالي ثلث المؤسسات الصيدلانية بالقارة الإفريقية، إذ من أصل 649 مصنعا في إفريقيا، يوجد نحو 230 مصنعا بالجزائر، إلى جانب المشاريع الجديدة قيد الإنجاز.

وأشار الرئيس تبون إلى أن الجزائر جعلت من الصناعة الصيدلانية قطاعا استراتيجيا ذا أولوية وطنية لتحقيق الأمن الصحي، حيث خصصت منذ سنة 2020 وزارة مستقلة لهذا القطاع، وشرعت في تنفيذ إصلاحات هيكلية تشمل تطوير الإطار التنظيمي، وتسهيل الاستثمار، وتشجيع الشراكات، فضلا عن دعم البحث والتطوير.

و نتيجة لهذه السياسات، بلغت نسبة التغطية الوطنية بالدواء المنتج محلياً أكثر من 80٪، مع توجه متزايد نحو التصدير إلى الأسواق الإفريقية، مما يعكس قدرة الجزائر على المساهمة بشكل فعال في تقليص الفجوة الدوائية على مستوى القارة.

الشراكات الإفريقية.. من الرؤية إلى التنفيذ

كما أكد رئيس الجمهورية أن المؤتمر سيضع أسس شراكات عملية بين الدول الإفريقية، تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية الأساسية واللقاحات،ضمان توفير الأجهزة الطبية والمواد الأولية محليا، إلى جانب دعم البحث والتطوير والابتكار في القطاع الصيدلاني، مع بناء قدرة تنافسية للقارة في السوق الدوائية العالمية.

وأشار إلى أن التعاون الإفريقي في المجال الصحي والصناعي سيمكّن الدول من مواجهة أي أزمات صحية مستقبلية بشكل جماعي، ويعزز قدرة القارة على الدفاع عن مصالح شعوبها السيادية.

التحديات والحلول المقترحة

كما أبرز الرئيس تبون أن إفريقيا تواجه تحديات عدة، من بينها الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد، وتقلبات سلاسل التموين، ونقص التمويل في بعض الدول، إضافة إلى الحاجة لتطوير الكفاءات البشرية والتقنية. وللتغلب على هذه التحديات، حيث أكدت الجزائر على تطوير البنية التحتية للصناعة الدوائية في كل دولة، مع وضع أطر تنظيمية متوافقة مع المعايير الدولية، و تعزيز التدريب والتكوين المستمر للكفاءات الوطنية، مع دعم الابتكار والبحث العلمي لتطوير اللقاحات والأدوية الحديثة.

رؤية مستقبلية.. إفريقيا منتجة وموحدة

حيث أكد الرئيس تبون أن مؤتمر الجزائر يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق الرؤية الإفريقية 2063، والتي تسعى إلى جعل القارة مكتفية ذاتيا في مجال الدواء، وضامنة صحة شعوبها، وقادرة على المنافسة في السوق العالمية. وأضاف أن الجزائر ستواصل لعب دور محوري في هذا المسار، مدعومة بإرادتها الوطنية وإمكانياتها الصناعية والتكنولوجية، وبالتزامها الثابت بمبادئ التضامن والتكامل الإفريقي.

كما يشكل المؤتمر الوزاري الإفريقي للإنتاج المحلي للأدوية وتكنولوجيات الصحة الذي استضافته الجزائر نقطة تحول استراتيجية، ليس فقط للجزائر، بل للقارة بأسرها، حيث يضع الأسس العملية لتحقيق السيادة الصحية، ويعزز التعاون بين الدول الإفريقية، ويرسخ مبدأ أن إفريقيا قادرة على إنتاج دوائها بنفسها، وضمان صحة شعوبها، وتحقيق تنميتها الاقتصادية والصحية بشكل مستدام.