2025.12.04
الجزائر والصين..  شراكة أمنية بلا ضجيج ولا أجندات حديث الساعة

الجزائر والصين.. شراكة أمنية بلا ضجيج ولا أجندات


محمد بوحفص
30 نوفمبر 2025

العالم يقف اليوم على عتبة مرحلة تُعيد فيها التهديدات غير التقليدية كتابة قواعد الأمن الدولي، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الحرب السيبرانية. وفي هذا المشهد المُتسارع، تتقدم الجزائر والصين بخطوات محسوبة نحو بناء شراكة أمنية تتجاوز الاستجابة الظرفية إلى هندسة مستقبل التوازنات الإقليمية، فاللقاء الذي جمع المدير العام للأمن الوطني الجزائري، علي بداوي، بالمديرة العامة لدائرة التعاون الأمني بوزارة الشؤون الخارجية الصينية، وانغ ليشين، بحضور السفير الصيني بالجزائر، يشكّل محطة مفصلية تكشف عن طبيعة التحول الاستراتيجي في العلاقات الجزائرية - الصينية في المجال الأمني، وما ينطوي عليه هذا التحول من دلالات إقليمية عميقة.

فعلى الرغم من أن اللقاء بدا للوهلة الأولى خطوة بروتوكولية ضمن أجندة التعاون الثنائي، فإن توقيته ومضمونه يشيران إلى إعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي. فمع تصاعد التحديات في منطقة الساحل والصحراء، بما في ذلك تمدد الشبكات الإجرامية وإعادة تموضع التنظيمات الإرهابية عقب انهيار بعض منظومات الدولة المجاورة، وتكاثر نشاط العصابات العابرة للحدود، وزيادة تهريب المخدرات والمؤثرات العقلية، بالإضافة إلى تدفق الهجرة غير الشرعية وما يرافقها من شبكات للاتجار بالبشر، أصبح أمام الجزائر - بوصفها دولة محورية ومسؤولة عن أكبر الحدود البرية في المنطقة - ضرورة تطوير شراكات أمنية فاعلة. هذه الشراكات لم تعد تقتصر على التنسيق الروتيني، بل تتجه نحو التمكين التكنولوجي، وتبادل الخبرات، وتعزيز قدرات الاستشراف الأمني.

وفي هذا الإطار، أوضح المحلل السياسي، نور الدين شعباني، في تصريح خصّ به "الأيام نيوز" أن "التعاون الأمني بين الجزائر والصين ليس تعاونا تقليديا بقدر ما هو انتقال إلى مستوى جديد من الشراكة الاستراتيجية، حيث تتقاطع مصالح البلدين في محاربة الجريمة المنظمة، وحماية الاستقرار الإقليمي، ومواجهة التهديدات غير المتناظرة التي أصبحت العدو الأول للدول الحديثة". كما أضاف أن "الصين تدرك جيدا أن الجزائر هي الفاعل الأكثر موثوقية في شمال إفريقيا والساحل، والجزائر من جهتها ترى في الصين شريكا لا تتدخل شراكته في القرار السيادي، بل تدعم مساراته".

تشير تصريحات شعباني إلى أن التعاون الأمني الجزائري - الصيني تجاوز مرحلة تبادل الخبرات بين الأجهزة، ليصبح جزءا من استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز منظومات الأمن الوطني من خلال التكنولوجيا الحديثة، التي تتفوق فيها الصين، بما يشمل نظم المراقبة المتقدمة، الذكاء الاصطناعي الموجّه للأمن، تحليل البيانات الكبرى، وأنظمة التتبع التي تُستخدم عالميا لمكافحة الاتجار غير المشروع.

وبينما تواجه المنطقة ضغوطا أمنية متصاعدة، اختارت الجزائر توسيع شراكتها مع القطب الآسيوي الصاعد، بما يعكس رغبة واضحة في تنويع حلفائها والابتعاد عن تبعية التعاون الأمني للأجهزة الغربية المرتبطة بشروط سياسية. وهنا يشير شعباني إلى أن "الصين لا تفرض أجندة، بل تبني شراكة؛ وهذا ما يجعل الجزائر أكثر ارتياحا في التعامل معها في الملفات الحساسة، خصوصا تلك المرتبطة بمحاربة الجريمة المنظمة والإرهاب".

كما أن هذه الشراكة تأتي في سياق مسار تحوّل داخلي شامل في الجزائر، حيث تعمل الدولة منذ سنوات على تحديث جهاز الشرطة، ورفع مستوى التكوين، واعتماد مقاربة وقائية بدلا من الردعية فقط. ومن هذا المنطلق، يمثل التعاون مع الصين إضافة نوعية وليس مجرد استمرار لما هو قائم، بل تعزيزا لقدرات الدولة في مواجهة التحديات المتجددة. ويطرح اللقاء نفسه سؤالا جوهريا: ما الذي تريده الجزائر من الصين، وما الذي تراه الصين في الجزائر؟ الإجابة تظهر بوضوح في التوجه نحو بناء محور تعاون أمني قوي، يقوم على تبادل المعلومات، تطوير القدرات، دعم الاستقرار، وفتح آفاق جديدة لشراكات تمتد إلى المستقبل.

لقاء بداوي - وانغ ليشين يرفع سقف الشراكة الأمنية

اللقاء الذي جمع بداوي بوانغ ليشين كرّس مسارا متصاعدا من الانفتاح الأمني بين الجزائر وبكين، في وقت تتشابك فيه التهديدات الإقليمية والدولية وتتعاظم مساحات الفراغ الأمني. الطرفان، اللذان يمتلكان تاريخا من التعاون في مجالات الدفاع ومكافحة الجريمة الاقتصادية، انتقلا اليوم إلى مرحلة أعمق، قائمة على تبادل الخبرات وبناء آليات عمل مشتركة، وتعزيز قدرة المؤسستين الأمنيتين على التعامل مع تهديدات متنوعة، من الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الأمن السيبراني وحماية المصالح الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الأمني اليمني، عمّار العركي، في تصريح لـ"الأيام نيوز"، أن "أهمية اللقاء لا تكمن فقط في طابعه البروتوكولي، بل في رسائله العملية التي تعكس رغبة البلدين في رفع مستوى الشراكة الأمنية إلى تعاون عملي وتبادل خبرات ميدانية". وأشار العركي إلى أن الصين، بفعل تطورها التكنولوجي، أصبحت لاعبا محوريا في الأمن العالمي، وتجد في الجزائر شريكا استراتيجيا بقدرات عملياتية مثبتة، سواء في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل أو إدارة التهديدات العابرة للحدود.

ويوضح العركي أن الجزائر، على مدى العقدين الماضيين، اكتسبت خبرة نوعية في مواجهة شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة، ونجحت في بناء منظومة يقظة أمنية متماسكة، ما يجعلها مصدر خبرة يمكن للصين الاستفادة منه، خصوصا في حماية استثماراتها وشركائها في إفريقيا. وفي المقابل، تستفيد الجزائر من التكنولوجيا الصينية المتقدمة، في مجالات الرقمنة وأنظمة المراقبة الذكية وتحليل البيانات، وهي أدوات أساسية أمام تعقيد منظومات الجريمة وتمدّد نشاط الجماعات المتطرفة في الفضاء الإلكتروني.

ويضيف العركي أن اللقاء يحمل بعدا جيوسياسيا، إذ يسعى الطرفان إلى تحصين محيطهما ضد تهديدات جديدة، أبرزها تحالف شبكات الاتجار بالمخدرات مع الجماعات المسلحة في الساحل، وتطور الجريمة السيبرانية التي أصبحت سلاحا استراتيجيا في يد جهات غير دولية، قد تهدد استقرار الدول واستثماراتها الحيوية. وفي هذا الصدد، يشدد على أن "التنسيق الجزائري - الصيني أصبح ضرورة، لأن التهديدات الحديثة باتت عابرة للقارات، لا تعترف بالمجال الجغرافي ولا بالحدود السياسية". كما يبرز حضور السفير الصيني بالجزائر دلالة دبلوماسية واضحة على أن التعاون الأمني لم يعد ملفا تقنيا يخص الأجهزة فحسب، بل أصبح خيارا سياديا ضمن استراتيجية متكاملة لبكين والجزائر على حد سواء.

ويرى العركي أن تجارب الجزائر في مكافحة الإرهاب يمكن أن تشكل قاعدة لبرامج تدريب مشتركة مع الصين، فيما سيكون تبادل المعلومات حول الشبكات الإجرامية العابرة للحدود أحد أبرز مخرجات التعاون المستقبلي. كما يمكن للجزائر أن تساعد الصين على فهم خصوصيات الفضاء الأمني الإفريقي، بما فيه من تنوع التهديدات وتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية والاقتصادية. ويشير إلى أن ما يميز الشراكة الجزائرية - الصينية هو اعتمادها على مقاربة متوازنة وغير مشروطة، قائمة على الندية والاحترام المتبادل، بعيدا عن الضغوط أو الإملاءات التي عادة ما تفرضها قوى دولية أخرى عند الدخول في ملفات أمنية حساسة.

ويضيف العركي: "التهديدات المعاصرة تفرض أن تبني الدول شراكات تعتمد على الكفاءة والتكنولوجيا والمرونة. والجزائر والصين اليوم بصدد وضع أساس لتحالف أمني طويل المدى، قادر على حماية استثماراتهما ومصالحهما، ومواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب بكفاءة أكبر"، مؤكّدا أن هذه الخطوات ستترجم قريبا بإجراءات عملية تعزز موقع البلدين كقوتين أساسيتين في هندسة الأمن الإقليمي والدولي.

نموذج أمني جنوب - جنوب قائم على الندية والكفاءة

وفي إطار تأكيد الأبعاد الاستراتيجية للتعاون، أشار اللواء المتقاعد محمد عباس محمد، الباحث والخبير السياسي العسكري السوري، في تصريحات لـ"الأيام نيوز"، إلى أن الجزائر والصين تمتلكان رؤية مشتركة تقوم على تعزيز الأمن بمقاربة سيادية ومستقلة بعيدا عن الهيمنة الدولية، مشيرا إلى أن البلدين يتفقان في فهم طبيعة التهديدات الجديدة الأكثر تعقيدا وتشابكا. ويضيف اللواء أن الصين، كقوة اقتصادية كبرى ذات انتشار عالمي، تحتاج إلى شركاء موثوقين يمتلكون خبرة ميدانية عميقة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، والجزائر تعد من بين الدول القليلة التي تمتلك هذا الرصيد.

ويشير اللواء محمد عباس إلى أن الجزائر أثبتت عبر عقود قدرتها على بناء مؤسسات أمنية قوية ذات جاهزية عالية وخبرة ميدانية، خاصة في مكافحة الإرهاب، وهو ما أفرز نموذجا يُدرّس اليوم في مناطق مضطربة مثل الساحل والصحراء، حيث تتداخل الجريمة المنظمة مع شبكات التهريب والجماعات المسلحة. وتضيف هذه الخبرة قيمة استراتيجية للصين، خصوصا مع توسع حضورها الاقتصادي في إفريقيا عبر مبادرة "الحزام والطريق" ومشاريع البنية التحتية الكبرى التي تتطلب بيئة أمنية مستقرة.

كما يشدد اللواء عباس على أن الشراكة الأمنية بين الجزائر والصين لا تقتصر على التعاون المعلوماتي، بل تشمل فهما متبادلا لطبيعة الجريمة العابرة للحدود، التي لم تعد محصورة في تجارة المخدرات أو الاتجار بالبشر، بل امتدت لتشمل الجريمة السيبرانية، وتمويل الإرهاب، وتهريب المعادن النادرة، واختراق سلاسل التوريد العالمية. وفي هذا السياق، توفر الصين قيمة مضافة مهمة للأمن الجزائري عبر التكنولوجيا الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي الأمني وأنظمة المراقبة المتقدمة وتحليل البيانات.

ويشير اللواء عباس إلى أن اللقاء الأخير يعكس تركيزا على بناء مسارات تعاون متعددة المستويات، تشمل التدريب المشترك، تبادل الخبرات، وتعزيز قدرات مكافحة الجرائم الاقتصادية المعقدة، خصوصا تلك التي تستهدف الاستثمارات الأجنبية. وفي الوقت نفسه، يمثل التعاون مع الجزائر ضمانة أمنية للصين في مواجهة شبكات الجريمة المنظمة التي تستهدف مشاريعها في إفريقيا.

ويخلص اللواء عباس إلى أن الشراكة الأمنية بين الجزائر والصين قائمة على أساس استراتيجي طويل المدى، لا يرتبط بظرف سياسي محدد، بل بمصالح مشتركة وتوازن سيادة. ويشير إلى أن التعاون الجزائري - الصيني يمثل نموذجا جديدا في العلاقات الأمنية جنوب - جنوب، يقوم على الندية والتكامل وتبادل القدرات، بعيدا عن الأطر التقليدية التي كانت تعتمد على الدول الغربية فقط.

وفي الختام، يرى اللواء محمد عباس أن الجزائر والصين بصدد بناء منصة تعاون قوية ومرنة، قادرة على مواجهة الجريمة العابرة للحدود في مختلف تجلياتها، خصوصا في فضاء إقليمي معقد ومتداخل، وأن هذا التعاون لن يكون ظرفيا، بل خطوة تأسيسية لتحالف طويل الأمد يوازن التحولات الدولية ويعزز الأمن والمصالح الحيوية للطرفين.