الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الجماعات المسلحة تغزو الشاشات.. أطفال تصطادهم دعاية السلاح

Author
الأيام نيوز 26 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تفتح ظاهرة تجنيد الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعي ملفا شديد الخطورة حول مسؤولية شركات التكنولوجيا عن المخاطر التي تنشأ داخل خدماتها، خصوصا حين تستغل الجماعات المسلحة هذه المنصات لاستهداف القاصرين وبناء صورة جذابة عن القوة والمال والانتماء. وحذرت «هيومن رايتس ووتش» من إخفاق «فيسبوك» و«تيك توك» في منع انتشار محتوى تنتجه جماعات مسلحة كولومبية بهدف تجنيد الأطفال، مع تسجيل حالات ساهمت فيها آليات المنصتين في توسيع وصول هذه المنشورات إلى المستخدمين.

وتوضح المنظمة أن الجماعات المسلحة تستخدم المنصات لتقديم «نمط حياة» يقوم على المال والقوة والمكانة، إلى جانب عروض عمل مضللة تستدرج الأطفال إلى صفوفها. وقد رصدت تجنيد نحو 1500 طفل منذ عام 2021، بينما تقدم المنشورات صورة براقة عن الحياة داخل المعسكرات، وتحجب عن المستهدفين واقع القتال والاستغلال والعنف الذي ينتظرهم بعد الوقوع في شبكات التجنيد.

وتتخذ عملية الاستقطاب الرقمي أشكالا متعددة، من الحسابات الوهمية والرسائل الخاصة إلى عروض العمل والمقاطع المصورة والموسيقى التي تمجد عالم الجريمة والمخدرات. وتظهر منشورات أفرادا من جماعات مسلحة يستعرضون المال والمجوهرات أو يتباهون بالحياة داخل معسكرات التدريب، في محاولة لبناء صورة تمنح الانضمام إليهم جاذبية لدى المراهقين.

ويرى ماثيو تشارلز، مؤسس منظمة «مي هيستوريا» المعنية بالأطفال ضحايا النزاعات، أن الجماعات المسلحة تتقن تسويق صورة تقوم على «الرجولة الخشنة» وإمكان الحصول على «مال سهل»، الأمر الذي يفرض بناء رواية مضادة تنافس هذه الدعاية في الفضاء الرقمي نفسه.

وتزداد خطورة الاستقطاب عندما ينتقل الطفل من مرحلة التأثر بالدعاية إلى مرحلة الاستخدام داخل الجماعة المسلحة. فبعض الأطفال يدخلون القتال ويتعاملون مع الأسلحة والمسيّرات والمتفجرات، بينما يجمع آخرون المعلومات الاستخباراتية، وقد تدفع الجماعات أطفالا يفتقرون إلى التدريب القتالي إلى مناطق المواجهة.

وتشير «هيومن رايتس ووتش» إلى أن نحو نصف الأطفال المجندين ينتمون إلى السكان الأصليين، رغم أنهم يمثلون قرابة 4 بالمائة من سكان كولومبيا، بينما تشكل الفتيات نحو 40 بالمائة من الأطفال المجندين، مع تعرضهن بصورة خاصة للعنف الجنسي.

ويحمل هذا الواقع دلالة واضحة على أن الجماعات المسلحة تبحث عن الفئات الأكثر هشاشة وتستغل ظروفها الاجتماعية والاقتصادية للوصول إليها. وتؤكد بيانات المنظمة أن الجماعات المنشقة عن «فارك» مسؤولة عن 74 بالمائة من حالات تجنيد الأطفال الموثقة بين عامي 2021 و2025، في بلد استمرت فيه جماعات مسلحة أخرى في النشاط رغم اتفاق السلام المبرم عام 2016، الذي أنهى صراعا دام نحو نصف قرن.

المساءلة تبدأ من كشف الشبكات لا حذف المنشورات فقط

ويرى خبير القانون الدولي ماهر ميخائيل – في تصريحات لـ”الأيام نيوز” – أن المسؤولية القانونية المباشرة عن تجنيد الأطفال تقع على الجماعات المسلحة والأشخاص الذين ينفذون عمليات الاستقطاب، لكن المنصات لا تستطيع التنصل من مسؤولياتها عندما تعلم، أو يفترض أن تعلم، بوجود عمليات تجنيد عبر خدماتها ثم لا تتخذ إجراءات فعالة ومتناسبة لوقف انتشار المحتوى. ويمنح وجود القاصرين داخل الفئات المستهدفة هذه المسؤولية وزنا أكبر، بالنظر إلى حاجة الأطفال إلى حماية خاصة من الاستغلال والاستدراج.

ميخائيل ماهر، خبير في القانون الدولي

يربط ميخائيل مسؤولية المنصة بدرجة علمها بالمحتوى، وقدرتها على التدخل، وحجم المخاطر التي تهدد المستخدمين، ومدى التزامها بواجبات العناية. وتبرز مسؤولية الخوارزميات بوضوح عندما تدفع محتوى يمجد الجماعات المسلحة أو يقدم الانضمام إليها طريقا إلى المال والقوة والمكانة الاجتماعية. وفي هذه الحالة، تتجه المساءلة إلى الطريقة التي تدير بها الشركة المخاطر الناشئة عن خدماتها، وقدرتها على منع أنظمتها التقنية من توسيع انتشار الدعاية المسلحة بين الفئات الأكثر عرضة للاستغلال.

ولا يكفي في هذا السياق حذف المنشورات بعد اكتشافها، لأن شبكات التجنيد تستطيع تغيير المصطلحات، واستخدام الصور والرموز والموسيقى والرسائل الخاصة، وتوزيع نشاطها على حسابات متعددة لتجاوز أدوات الرصد. ويقترح الخبير اعتماد أنظمة قادرة على تحليل أنماط السلوك والحسابات والشبكات المرتبطة بحملات الاستقطاب، إلى جانب رقابة بشرية للحالات الحساسة التي تشير إلى استهداف القاصرين.

وتحتاج المواجهة القانونية إلى مبدأ إدارة المخاطر، عبر إلزام المنصات الكبرى بإجراء تقييمات دورية للمخاطر التي تهدد الأطفال في مناطق النزاعات، ووضع آليات سريعة لاكتشاف محاولات التجنيد والاستقطاب والإبلاغ عنها والتعامل معها. ويشمل ذلك إقامة قنوات تعاون بين شركات التكنولوجيا والجهات المختصة بحماية الطفل والسلطات القضائية والهيئات التنظيمية، مع احترام الخصوصية والضمانات القانونية.

ويشدد ميخائيل على أهمية إلزام الشركات بتقديم تقارير دورية حول المحتوى الذي حظرته، ومحاولات التجنيد التي اكتشفتها، والإجراءات التي اتخذتها ضد الحسابات والشبكات المرتبطة بها. وتمنح هذه الشفافية الجهات الرقابية قدرة أفضل على تقييم استجابة الشركات، وتتيح تحديد حالات التقصير المتكرر. ولا يحمل وجود محتوى مخالف على منصة الشركة تلقائيا مسؤولية جنائية، إذ تحتاج المساءلة إلى إثبات العلم بالمحتوى، والقدرة على التدخل، ووجود واجب قانوني للتصرف، وطبيعة التقصير ومدى تكراره.

وتبقى المواجهة ناقصة إذا اقتصرت على الحذف والمنع، لأن الجماعات المسلحة تخوض معركة على مستوى الصورة أيضا. فهي تقدم القوة والرجولة والمال والانتماء والمكانة الاجتماعية باعتبارها عناصر جذابة، بينما تخفي خلفها الاستغلال والعنف وضياع المستقبل. ويقترح ميخائيل بناء خطاب مضاد يخاطب الأطفال واليافعين بلغتهم، ويقدم نماذج واقعية للنجاح عبر التعليم والعمل والرياضة والمبادرات المجتمعية، بدل الاكتفاء برسائل تحذيرية قد تفشل في منافسة الدعاية المسلحة.

وتبدأ الوقاية من المدرسة والأسرة والمجتمع، عبر تعليم الأطفال كيفية اكتشاف المحتوى المتلاعب وعروض العمل الوهمية وأساليب الاستدراج الإلكتروني، مع توفير قنوات آمنة للإبلاغ عن محاولات الاستقطاب دون خوف من العقاب أو الوصم. ويحتاج الإعلام والمؤسسات المجتمعية إلى إنتاج محتوى رقمي قادر على الوصول إلى الشباب، وتقديم شهادات وتجارب واقعية تكشف الثمن الذي يدفعه الأطفال عند الوقوع في شبكات التجنيد، مع تجنب إعادة إنتاج مشاهد العنف التي قد توسع انتشار الدعاية التي تسعى تلك الجهات إلى ترويجها.

وتتطلب حماية الأطفال الذين يصلون إلى صفوف الجماعات المسلحة مقاربة حقوقية واضحة. ويؤكد ميخائيل ضرورة التعامل مع الطفل باعتباره ضحية للاستغلال، مع حمايته وإعادة تأهيله وإدماجه اجتماعيا وتعليميا، بالتوازي مع ملاحقة المسؤولين عن عمليات التجنيد والاستغلال. وتمنع هذه المقاربة تحويل الطفل إلى الحلقة الأضعف في سلسلة المحاسبة، بينما يفلت الأشخاص والشبكات التي استدرجته من المسؤولية.

من كولومبيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا.. خطر يتجاوز الحدود

وقد أبلغت «هيومن رايتس ووتش» شركتي «ميتا»، المالكة لـ«فيسبوك»، و«بايت دانس»، المالكة لـ«تيك توك»، بالمحتوى الذي رصدته، وأفادت الشركتان بأنهما حذفتا المواد التي حددتها المنظمة. وأعلنت «ميتا» سعيها إلى تحسين نهجها في مكافحة محاولات تجنيد الأطفال عبر منصاتها، بينما ذكرت «تيك توك» أنها تمنع الجماعات المسلحة غير القانونية وجماعات الجريمة المنظمة من استخدام المنصة لاستهداف القاصرين أو استغلالهم أو تجنيدهم. غير أن حذف المحتوى بعد رصده يترك سؤالا أساسيا حول قدرة الشركات على اكتشاف الحملات قبل وصولها إلى الأطفال، وحول مدى استعدادها لتحمل مسؤولية المخاطر التي تنتجها خوارزمياتها وطرق تشغيل منصاتها.

وتتجاوز المسألة حدود كولومبيا، لأن أساليب التجنيد الرقمي تستطيع الانتقال إلى مناطق أخرى تشهد نزاعات واضطرابات، خصوصا في الشرق الأوسط وإفريقيا. وتمنح هشاشة بعض البيئات الاجتماعية والأمنية الجماعات المسلحة فرصة لتكرار الأدوات نفسها واستهداف فئات جديدة من الأطفال واليافعين. لذلك تحتاج الدول والمؤسسات الدولية إلى قواعد أكثر صرامة تلزم شركات التكنولوجيا بحماية القاصرين، وتفرض عليها مستويات واضحة من الشفافية وإدارة المخاطر والمساءلة.

وتبرز هنا مسؤولية واشنطن بصورة خاصة، بحكم موقعها في صناعة التكنولوجيا العالمية واحتضانها عددا من الشركات التي تهيمن على أكبر المنصات الرقمية. ولا تستطيع الولايات المتحدة مطالبة دول أخرى بمواجهة التجنيد الإلكتروني، بينما تسمح لشركاتها بالتحرك وفق أولويات السوق ثم الاكتفاء بإجراءات لاحقة بعد كشف الانتهاكات.

وتحتاج واشنطن إلى قواعد تلزم شركات التكنولوجيا بتحمل مسؤولياتها تجاه مخاطر منصاتها خارج السوق الأمريكية أيضا، خصوصا في مناطق النزاعات التي تستطيع فيها الجماعات المسلحة تحويل الأدوات الرقمية إلى وسائل للاستقطاب والتجنيد.

وتحمل قضية الأطفال المجندين في كولومبيا إنذارا يتجاوز حدود تلك الدولة، لأنها تكشف قدرة الجماعات المسلحة على استخدام التكنولوجيا لتجميل صورتها والوصول إلى القاصرين، وتكشف في الوقت ذاته حدود السياسات التي تنتظر ظهور المحتوى ثم تتحرك لحذفه.

وتحتاج المواجهة إلى مسؤولية قانونية واضحة، وأنظمة تقنية أكثر قدرة على كشف الشبكات، ورقابة مستقلة، وخطاب اجتماعي وإعلامي ينافس الدعاية المسلحة. وتبقى مسؤولية واشنطن وشركات التكنولوجيا التي تنطلق من بيئتها التنظيمية والاقتصادية في صدارة هذا التحدي، لأن حماية الأطفال تفرض مساءلة من يستدرجهم، ومن يمنح أدوات الاستدراج مجالا واسعا للوصول إليهم.