الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
مقالات رأي

الجنسية الإسبانية للصحراويين.. حين ينتصر التاريخ للحق


في خطوة تشريعية تحمل من الدلالات السياسية والتاريخية أكثر مما قد يوحي به عنوانها القانوني، قطعت مبادرة منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية، ولأبنائهم، مرحلة حاسمة داخل البرلمان الإسباني، بعدما حظيت بتأييد واسع داخل لجنة العدل في الكونغرس.

 لقد جاءت نتيجة التصويت أقوى من كل التوقعات؛ إذ حصل النص على أغلبية ساحقة، بعد أن اختار حزب الشعب الإسباني (PP) الامتناع عن التصويت، في تحول سياسي أفسح المجال أمام مواصلة المسار التشريعي، بينما وقف حزب فوكس وحده تقريبا في معسكر الرفض. أما القوى السياسية الداعمة للمبادرة، فقد أكدت، من خلال تصويتها، أن قضية الصحراويين لا يمكن أن تظل رهينة الحسابات الدبلوماسية ولا أن تُدفن تحت ركام الصمت السياسي.

والأهم من مضمون القانون نفسه هو ما يحمله من اعتراف ضمني بحقيقة تاريخية لا يمكن محوها: الصحراء الغربية كانت، في مرحلة من تاريخها، إقليما خاضعا للإدارة الإسبانية، وكان سكانها يحملون صلة قانونية وتاريخية بالدولة الإسبانية. ولذلك، فإن استعادة هذا الحق لا ينبغي أن تُقدَّم باعتبارها منحة أو امتيازا، بل باعتبارها تصحيحا لوضع تاريخي اختلّ بفعل ظروف سياسية واستعمارية لم يكن الشعب الصحراوي طرفا في صنعها.

ومن هنا تكتسب العبارة التي حاول الاشتراكيون حذفها من ديباجة النص أهمية استثنائية. فقد سعت الحكومة الإسبانية، وفق ما أوردته الصحافة الإسبانية، إلى استبدال تعبير «الشعب الصحراوي» بعبارات أكثر حيادا، في محاولة واضحة لتجنب إغضاب المغرب. غير أن البرلمان رفض هذه المحاولة، لتبقى الحقيقة حاضرة في النص: هناك شعب صحراوي، له هويته وحقوقه وتاريخه، ولا يمكن اختزاله في مجرد «سكان» أو جماعة بشرية بلا قضية ولا حق في تقرير المصير.

إن القضية هنا ليست قضية جواز سفر فحسب، ولا مجرد تسوية إدارية لملفات الجنسية. إنها، في جوهرها، قضية ذاكرة وعدالة ومسؤولية تاريخية. فآلاف الصحراويين الذين حُرموا من ممارسة حقوقهم في لحظة تاريخية حاسمة، بسبب الاحتلال المغربي والموريتاني وتقسيم الإقليم، لم يتخلوا عن حقهم طوعا، ولم يكن فقدانهم للجنسية نتيجة اختيار حر، بل كان نتيجة مباشرة لتحولات سياسية وعسكرية عصفت بأرضهم وشعبهم.

ولهذا، فإن القانون المقترح، في حال اعتماده نهائيا، سيمثل بالنسبة إلى عشرات الآلاف من الصحراويين، وربما مئات الآلاف من المستفيدين المباشرين وغير المباشرين، نافذة قانونية لاستعادة جزء من حق سُلب في ظروف تاريخية قاهرة. وسيكون من شأنه أن يفتح الطريق أمام الصحراويين المولودين في الصحراء الغربية قبل سبتمبر 1977، وأبنائهم، للاستفادة من مسار قانوني خاص للحصول على الجنسية الإسبانية، دون إخضاعهم للشروط التقليدية المفروضة على غيرهم.

وإذا كان القانون الإسباني يعترف بمسارات تفضيلية لمواطني أمريكا اللاتينية، واليهود السفارديم، والفلبينيين، والغينيين الاستوائيين والبرتغاليين، فإن منح الصحراويين معاملة مماثلة لا ينبغي أن يُنظر إليه كامتياز استثنائي، بل كاستجابة منطقية لخصوصية العلاقة التاريخية والقانونية التي ربطت إسبانيا بالصحراء الغربية وشعبها.

أما محاولة تجريد النص من عبارة «الشعب الصحراوي»، فهي تكشف، في حد ذاتها، عمق المأزق السياسي الذي ما زالت إسبانيا تعيشه. فمدريد تبدو عالقة بين حقيقة تاريخية لا تستطيع إنكارها، وضغوط سياسية ودبلوماسية تسعى إلى دفعها نحو طمس تلك الحقيقة. غير أن التاريخ، كما أثبت التصويت البرلماني، لا يُمحى بالتعديلات اللغوية، ولا تُسقطه الحسابات الدبلوماسية.

إن الاعتراف بالصحراويين كشعب ليس منّة من أحد، بل حقيقة سياسية وقانونية وتاريخية راسخة. والجنسية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن الحق الأسمى للشعب الصحراوي في تقرير مصيره واختيار مستقبله بحرية. فالجواز لا يلغي الوطن، والاعتراف القانوني ببعض الحقوق لا يمكن أن يحل محل الحق الجماعي في الحرية والاستقلال.

لذلك، فإن المعركة التشريعية حول الجنسية الإسبانية للصحراويين ليست نهاية الطريق، بل محطة جديدة في مسار طويل من استعادة الحقوق. وربما يكون أكثر ما يثير القلق في هذا التطور بالنسبة إلى خصوم القضية الصحراوية أن التاريخ، الذي حاولوا طويلا دفنه تحت لغة المصالح والصفقات، بدأ يعود من جديد… هذه المرة من بوابة البرلمان والقانون والذاكرة.

Author بابا السيد لعروسي
صحفي ودبلوماسي صحراوي
↑