الأحد، 09 أغسطس 2026 — 23 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

الحرب القانونية بين موسكو وكييف.. كيف يوظف الطرفان قرارات القضاء الدولي؟

Author
ربيعة خطاب 16 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد الصراع بين موسكو وأوكرانيا مقتصرا على الجبهات العسكرية والمواجهات الميدانية، بل امتد، خلال السنوات الأخيرة، إلى ساحات القانون الدولي، حيث تحاول كل دولة توظيف الاتفاقيات والمعاهدات والهيئات القضائية الدولية من أجل تعزيز موقفها السياسي والدبلوماسي أمام المجتمع الدولي. وفي هذا السياق، يكتسي القرار الصادر عن هيئة التحكيم الدولية الدائمة في لاهاي بشأن النزاع البحري المتعلق بمضيق كيرتش وبحر آزوف والبحر الأسود أهمية كبيرة، لأنه يتناول أحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية، المرتبط بالسيادة والموارد الطبيعية وحرية الملاحة في منطقة تعد من أكثر المناطق الاستراتيجية في العالم.

القضية التي رفعتها أوكرانيا سنة 2016، جاءت على خلفية التطورات التي أعقبت سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014 وبناء جسر كيرتش الذي يربطها بالأراضي الروسية. ومنذ ذلك الوقت، تحولت المنطقة إلى محور نزاع قانوني وسياسي طويل، حاولت خلاله كييف إثبات أن الإجراءات الروسية في المياه المحيطة بالقرم ومضيق كيرتش وبحر آزوف تشكل انتهاكا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، في حين دافعت موسكو عن مواقفها باعتبارها تمارس حقوقا سيادية في مناطق تعتبرها جزءا من أراضيها.

وفي قراءة لهذا التطور، يؤكد الخبير الدبلوماسي المعتمد لدى الأمم المتحدة، بن علاڤ حمزة، أن القرار الصادر عن هيئة التحكيم يجب أن يُقرأ بعيدا عن منطق الانتصار والهزيمة المطلقة، لأن القضايا الدولية الكبرى، وخاصة تلك المتعلقة بالنزاعات الإقليمية، غالبا ما تنتج أحكاما مركبة تمنح كل طرف نقاطا يمكنه استثمارها سياسيا وإعلاميا.

ويقول بن علاڤ حمزة إن روسيا ركزت على رفض الهيئة لعدد من المطالب الأوكرانية المتعلقة بالسيطرة على الموارد البحرية ومضيق كيرتش، واعتبرت ذلك تأكيدا على سلامة جزء من مواقفها القانونية، بينما سلطت أوكرانيا الضوء على النقاط التي رأت فيها الهيئة وجود إخلالات روسية مرتبطة بالتزامات حماية البيئة البحرية والإجراءات المتعلقة بتقييم الأثر البيئي لبعض المشاريع، وهو ما يعكس أن القرار يحمل أبعادا متعددة ولا يمكن اختزاله في رواية طرف واحد.

ويضيف حمزة بن علاڤ أن هذه القضية تعكس تطورا لافتا في طبيعة النزاعات الدولية المعاصرة، حيث أصبحت “الحرب القانونية” جزءا أساسيا من أدوات الصراع بين الدول، إذ تسعى الأطراف المتنازعة إلى نقل جزء من معركتها إلى المؤسسات القضائية الدولية من أجل كسب الشرعية وتعزيز موقعها في المفاوضات السياسية المستقبلية.

ويشرح بن علاڤ حمزة أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لسنة 1982 تعد من أهم الاتفاقيات الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول في المجال البحري، فهي تحدد القواعد الخاصة بالمياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة وحقوق الملاحة واستغلال الثروات البحرية، إلا أن تطبيق هذه القواعد يصبح أكثر تعقيدا عندما تتداخل مع نزاعات السيادة، كما هو الحال في ملف القرم الذي يبقى أحد أكثر الملفات خلافا في النظام الدولي المعاصر.

ويشير حمزة بن علاڤ أن قرار هيئة التحكيم يؤكد مرة أخرى أن القضاء الدولي يمتلك قدرة مهمة على تفسير النصوص القانونية وتحديد المسؤوليات، لكنه لا يستطيع بمفرده إنهاء النزاعات ذات الطابع الجيوسياسي المعقد، لأن تنفيذ القرارات والأحكام يبقى مرتبطا بالواقع السياسي وبموازين القوى وبمدى استعداد الأطراف للقبول بحلول تفاوضية.

ويرى بن علاڤ حمزة أن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأسود تجعل أي قرار يتعلق بها محل اهتمام القوى الكبرى، فهذه المنطقة لا تمثل فقط ممرا بحريا للتجارة الدولية، بل تعد فضاء حيويا يرتبط بالأمن الأوروبي، وحركة الطاقة، والانتشار العسكري، والتوازنات بين روسيا وحلفائها من جهة، والدول الغربية الداعمة لأوكرانيا من جهة أخرى.

ويشير حمزة بن علاڤ إلى أن موسكو تنظر إلى البحر الأسود باعتباره جزءا أساسيا من أمنها القومي ونطاقها الاستراتيجي، ولذلك فإن أي محاولة لتقليص نفوذها في هذه المنطقة تفسر داخل روسيا على أنها تهديد مباشر لمصالحها العليا. وفي المقابل، ترى أوكرانيا أن السيطرة الروسية على المناطق البحرية المتاخمة للقرم تحدُّ من حقوقها الاقتصادية وقدرتها على الوصول إلى موارد طبيعية وممرات بحرية حيوية.

ويؤكد بن علاڤ حمزة أن أحد أهم أبعاد هذا النزاع هو البعد الاقتصادي، فالمياه المتنازع عليها تحتوي على ثروات سمكية وموارد هيدروكربونية محتملة، ما يجعل الصراع لا يتعلق فقط بمسألة رمزية مرتبطة بالسيادة، بل يمتد إلى المصالح الاقتصادية طويلة الأمد، وهو ما يفسر تمسك الطرفين بمواقفهما وإصرارهما على الدفاع عنها بكل الوسائل السياسية والقانونية.

كما يرى حمزة بن علاڤ أن قرار التحكيم قد يشكل مرجعا مهما في نزاعات بحرية أخرى مستقبلا، لأنه يوضح كيفية تعامل الهيئات القضائية الدولية مع القضايا التي تتداخل فيها مسائل السيادة مع حقوق الدول وفق اتفاقية قانون البحار. غير أن خصوصية الملف الروسي الأوكراني تجعل من الصعب تعميم نتائجه على جميع النزاعات البحرية الأخرى، نظرا لارتباطه بحرب مفتوحة وتنافس دولي واسع.

ويضيف حمزة بن علاڤ أن المجتمع الدولي مطالب اليوم بتشجيع الحلول القائمة على الحوار والدبلوماسية واحترام القانون الدولي، لأن استمرار النزاع في البحر الأسود يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي، خاصة في ظل وجود قوى عسكرية كبرى وانخراط أطراف دولية متعددة في الأزمة.

ويشير حمزة بن علاڤ إلى أن التجربة التاريخية للنزاعات الدولية تثبت أن الأحكام القضائية يمكن أن تساهم في رسم الإطار القانوني للحلول، لكنها لا تكون كافية وحدها لإنهاء الأزمات إذا لم تترافق مع إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة. ولهذا، فإن مستقبل الملفالبحري بين روسيا وأوكرانيا سيظل مرتبطا، إلى حد كبير، بمآلات الحرب الدائرة بينهما، وبإمكانية التوصل إلى تسوية شاملة تتناول القضايا الأمنية والحدودية والاقتصادية.

ويتوقع بن علاڤ حمزة أن يبقى ملف مضيق كيرتش وبحر آزوف حاضرا بقوة في أي مفاوضات سلام مستقبلية، لأنه يرتبط بمسائل جوهرية تتعلق بحرية الملاحة، والسيطرة على الموارد، وضمانات الأمن الإقليمي. كما أن نتائج أي تسوية مستقبلية ستؤثر بشكل مباشر في شكل النظام الأمني بمنطقة البحر الأسود، وفي طبيعة العلاقة بين روسيا والغرب خلال السنوات القادمة.

ويشدد بن علاڤ حمزة على أن العالم يشهد مرحلة جديدة أصبحت فيها المعارك القانونية والدبلوماسية امتدادا للصراعات العسكرية، وأن الدول لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية لفرض مواقفها، بل باتت تسعى إلى بناء روايات قانونية وسياسية تمنحها شرعية أكبر على الساحة الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن قضية مضيق كيرتش وبحر آزوف ليست مجرد نزاع حول حدود بحرية، بل هي صورة مصغرة للصراع الأوسع حول النظام الدولي، وحدود النفوذ، ومكانة القانون الدولي في عالم تزداد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.

ويؤكد حمزة بن علاڤ أن القرار الصادر عن هيئة التحكيم الدولية يمثل محطة جديدة في مسار طويل من التجاذبات بين موسكو وكييف، وقد يمنح كل طرف أوراقا إضافية في معركته السياسية والقانونية، لكنه لن يكون كافيا بمفرده لإنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في القرن الحادي والعشرين، ما دام الحل النهائي يبقى رهين التفاهمات السياسية والضمانات الأمنية والتوافقات الدولية الكبرى.