الحركة الوطنية الجزائرية في مواجهة خبث وعمالة المخزن

إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق.. ابن خلدون. الحياة كلمة، والكلمة سهم طليق.. والمواقف التزام، والالتزام عهد وثيق.. فلا حياة لمن لا كلمة له، ولا موقف لمن لا التزام له.. صحيح بأن المنتصرين هم الذين يكتبون التاريخ، لكن الشرفاء دوما هم الذين يصنعونه.. وأما الخونة والجبناء والعملاء فمآلهم حتما مزبلة التاريخ.

تشهد الأحداث، أنه في الوقت الذي كانت الجزائر تعيش حركية وطنية شاملة لإعادة بعث كيانها السيادي المستقل، وتخوض معاركها النضالية الشرسة ضد السلطة الاستعمارية، من خلال تعبئة الشارع وتوعية الجماهير وشحذ الهمم في سبيل الحرية والاستقلال.. كان “سلاطين” المغرب الأقصى يتنافسون مكرا وخداعا؛ أيهم أوفى للماريشال الفرنسي “هوبير ليوطي”..؟.. الماريشال الذي كان منغمسا في إعادة بناء السلطة الملكية المغربية المنهارة، وتجديد نظام المخزن العميل؛ حيث قام بتغيير العلم “الملكي” واستبداله براية حمراء يتوسطها خاتم سليمان، وهو النجم الخماسي الأخضر المتشابك – على غرار نجم داود السداسي المتشابك الذي يتوسط علم الحركة الصهيونية العالمية -.. ثم قام بتغيير العاصمة من فاس إلى الرباط، انتقاما من أهل فاس الذين كانوا أكثر المغاربة رفضا لانبطاح الملك وللوجود الفرنسي.. ثم أزاح الملك “حفيظ” واستبدله بالملك “يوسف” الذي كان أكثر تعاونا وأوفى التزاما، حيال الشروط الاستعمارية.. كما قام بترسيم شعار المملكة “المقدس”: الله -الوطن – الملك، والذي اقتبسه من الشعار الملكي الاسباني: Dios-Patria-Rey.. تكريسا للشرعية الملكية، وترسيخا لبصمته الشخصية التاريخية في تأسيس المملكة المغربية.

لم يمض وقت طويل، حتى تمكن الماريشال “ليوطي” من جعل الملك المغربي وحاشيته ومخزنه، مجرد أتباع يقبلون يده عند اللقاء اعترافا وطواعية.. وحتى رجال الدين ساروا على نفس النهج ذلة وخضوعا؛ فقد اعتلوا المنابر ودعوا الله بالشفاء للماريشال “ليوطي” بعد إصابته بالتهاب كبدي سنة 1923.. ثم أشاعوا بين المغاربة حينها، أن المقيم العام قد اعتنق الإسلام، ليبرروا جريمتهم بحق الأمة والدين.

لقد استطاع الماريشال “ليوطي” بخبثه الاستعماري، تجنيد “العلماء الكبار”، في شكل: “أحمد بن المواز” و”أبي شعيب الدكالي”، وكذلك علماء مراكش، لاستصدار فتاوى تحرم الاعتداء على المصالح الفرنسية، وأخرى تحث المغاربة على الاصطفاف خلف فرنسا في حروبها خارج المملكة.. وقد كان له فعلا ذلك، وحقق ما كان يصبو إليه، وهو تأسيس دولة وظيفية لا سيادة لها إلا في حدود قهر شعبها والهيمنة على إرادته، حتى تكون في خدمة المشروع الاستعماري في المنطقة، والذي لا تزال آثاره قائمة إلى اليوم، وذلك على حساب عزة وكرامة الشعب المغربي.

في الجزائر، كان النزال على أشده والمواجهة في أوجها بين زعماء الحركة الوطنية السياسية والإصلاحية من جهة، ومن جهة أخرى الإدارة الاستعمارية وزبانيتها.. فقد أحس الفرنسيس بتحرك الزحف الوطني، وذلك من خلال زخم طلبات الاعتماد المقدمة من قبل نشطاء الجمعيات الاهلية الخيرية، الثقافية، الرياضية والنقابات المهنية.. من دون أن تجد -أي السلطات الاستعمارية – سبيلا مقنعا، أخلاقيا أو قانونيا، لمنع هذه التنظيمات من النشاط أو رفض اعتمادها من الأساس.

فرغم أنف الإدارة الاستعمارية، تأسست الكشافة الإسلامية الجزائرية بقيادة محمد بوراس، وبدأت في لعب دورها التعبوي.. وقبلها كان اعتماد الحركة المسرحية الوطنية والتي كانت قد انطلقت في لعب دورها التوعوي منذ العام 1926م، حيث شهدت الساحة الفنية المسرحية نشاطا كبيرا متعلقا أساسا بمعالجة قضايا المجتمع الجزائري، والتي كان من أهمها مسرحية “حنبعل” لأحمد توفيق المدني، و”يوغورطة” لعبد الرحمان ماضوي، و”الخداعين” و”بني وي وي” لمحيي الدين باشطارزي، و”بلال بن رباح” لمحمد العيد ال خليفة.. وغيرها من المسرحيات والنصوص الفنية التي لاقت الصدى المتميز واللافت لدى الجمهور العريض.

في هذه الفترة، أي بحر ثلاثينيات القرن العشرين، يلتحق الصيدلي “فرحات عباس” بالحركة الوطنية والنشاط السياسي، فحتى وان كان من أشرس الداعين للاندماج، وقد عبّر عن هذا صراحة حينما قال: “لو كنت قد اكتشفت أمة جزائرية لأصبحت وطنياً ولم أخجل من جريمتي، فلن أموت من أجل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن غير موجود، لقد بحثت عنه في التاريخ فلم أجده وسألت عنه الأحياء والأموات وزرت المقابر دون جدوى”.. فجاءه الرد من قبل الشيخ ابن باديس: “…إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت.. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد؛ في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها وفي دينها..

والظاهر أن “فرحات عباس” كان قد اكتسب هذه القناعة من منطلق انتمائه للطبقة النخبوية التي تشبعت بالأفكار الليبرالية الغربية، على الرغم من كونه أحد السباقين لتأسيس “جمعية الطلبة المسلمين” العام: 1924م، والتي أشرف عليها حتى العام: 1932م، كما كان قد شغل منصب رئيس لجمعية الطلاب المسلمين لشمال إفريقيا بين عامي: 1927/1931م.. من دون أن نغفل التحاقه بفيدرالية النواب المسلمين الجزائريين، التي أسسها وأشرف عليها الدكتور “بن جلول” العام: 1930م، مقتنعا بأن الجزائر لا يمكن أن تكون إلا مقاطعة فرنسية.

رغم مواقفه السلبية من الهوية الوطنية الراسخة: العروبة والإسلام، إلا أن دخوله معترك النشاط السياسي صار في نظر السلطة الاستعمارية خطرا غير مأمون الجانب، وذلك بالنظر لثقافته الفرنسية العالية أولا، ولتطور أفكاره بسرعة كبيرة، فقد قال في محطة أخرى من مراحل نشاطه؛.. “ينتمي الشعب الجزائري الى العالم العربي، وليس في ذلك شك أو مراء، وأنه يختلف عن الشعب التونسي والمغربي، وأن سكان شمال افريقيا هم مغاربة، أي من سلالة مزدوجة عربية/بربرية، كما أن هناك أقلية تركية تعيش بين ظهرانينا..”.

وباقتحام “فرحات عباس” ساحة المواجهة، وجدت الإدارة الاستعمارية نفسها في مواجهة “خطر داهم” بثلاثة أوجه، فعملت على التعامل مع كل وجه بسياسة خاصة وإجراءات عملية؛ القمع والترهيب بحق الزعيم “مصالي الحاج”، على اعتباره مكمن الخطر الأكبر، وهو المطالب صراحة بــ”الاستقلال الشامل والكامل عن فرنسا”، وبأيَّة وسيلة كانت.

الاستفزاز والابتزاز لجمعية العلماء ورائدها الشيخ “ابن باديس”، لاستدراجهم الى ارتكاب المحرمات وتجاوز الخطوط، فيسهل حينذاك تفكيك هذا “التنظيم المبهم المنغلق”، والقضاء عليه كبؤرة خطر غير مقدر العواقب.

المساومة والمداهنة لجناح “فرحات عباس” الأقل خطر، حتى لا ينفرط العقد ويضيع كورقة رابحة من يد الإدارة الاستعمارية، وهي التي تلوح به كبديل اضطراري في حال ما لو تمكن التيار “السيادي” من فرض منطقه.

إذا، وفي كل الحالات، قد بدا واضحا تشكل الوجه الحقيقي للحركة الوطنية، المعبرة عن كيان أمة طالما عملت السلطة الاستعمارية على سحق وجودها وطمس هويتها. وسيتجلى ذلك بشكل رسمي، من خلال المؤتمر الإسلامي الجامع لكل التيارات الوطنية والأيديولوجية، والذي سيعقد بحر العام 1936.

فعلا، فقد عقد المؤتمر الأول شهر جوان 1936، وأما المؤتمر الثاني ففي شهر أوت 1936م، وحضره ممثلون عن جمعية العلماء المسلمين؛ عبد الحميد بن باديس، الطيب العقبي، البشير الإبراهيمي، مخمد العيد آل خليفة.. ومجموعة من النواب عن فيدراليات المنتخبين الجزائريين للعمالات الثلاث، منهم؛ تامزالي، بن جلول، بن تهامي، فرحات عباس.. وعن الحزب الشيوعي الجزائري؛ عمر اورزقان.. وعن حزب نجم شمال إفريقيا؛ محمد مسطول، في غياب مصالي الحاج الذي كان يقضي عقوبة السجن… وجاءت مخرجات المؤتمر في مجملها مطالبة بــ: إلغاء قانون الانديجينا.. فصل الدين عن الدولة.. تعليم اللغة العربية.. تنظيم القضاء في الجزائر.. إلغاء الولاية العامة ومنصب الحاكم العام.. إلغاء البلديات المختلطة والمناطق العسكرية.. إلغاء منصب القياد والمحاكم العسكرية.. استبدال المندوبيات المالية ببرلمان جزائري.. مع تثمين مشروع بلوم-فيوليت.

وفي آخر لحظة تمكن الزعيم “مصالي الحاج” من الالتحاق بأشغال المؤتمر، وعندما وصل طلب من لجنة التنظيم إلقاء كلمته، فسمحوا له بذلك بعد أخذ ورد.. أخذ مكان الخطيب وراح يلقي كلمته التي كان لها صدى رهيبا وسط الجماهير الحاضرة، حتى حُمل على الأكتاف يومها بالملعب البلدي “20 أوت حاليا” بالجزائر العاصمة.

“سادتي، إخواني..

باسم نجم شمال إفريقيا أحييّكم تحية الأخوة، وأحمل إليكم تضامن مائتي ألف شمال إفريقي يقيمون في فرنسا.. واحتراما للغتنا الوطنية اللغة العربية التي كلنا نعتز بها، ونعجب بها.. وأيضا تقديرا لنبل هذا الشعب الجزائري الشجاع الكريم، فقد أردت أن أعبر أمامكم بعد نفي دام اثني عشر سنة بلغتي الأم.

إننا أيضا أبناء الشعب الجزائري، ولن نقبل أبدا أن تكون بلادنا ملحقة ببلاد أخرى رغم إرادتها، فنحن لا نستطيع مهما كانت الظروف أن نراهن على المستقبل الذي هو أمل الحرية الوطنية للشعب الجزائري.. إن هذا المستقبل يخص الجيل الصاعد، فهو وحده الذي يملك الحق في تقرير مصيره وقدره.. إلى أن ختم خطابه بأن انحنى الى الأرض ورفع حفنة تراب ولوح بها قائلا: هذه الأرض ملكنا، ولن نبيعها لأحد.. وهنا علت الهتافات بحياة الزعيم وحياة النجم وحياة الجزائر، وتدافع الناس الى ان حملوه فوق الاكتاف وراحوا يطوفون به الملعب البلدي.

يقول الرئيس “محمد بوضياف” رحمه الله تعالى: إن الثورة الجزائرية لا تشبه لا الثورة الروسية ولا الثورة الفرنسية، وإنما هي ثورة جزائرية خالصة، كانت قد بدأت بقبضة التراب التي رفعها “مصالي الحاج” يوم الثاني أوت العام 1936م، صارخا: هذه الأرض ليست للبيع.