الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الحروب والمال.. كيف تعيد النزاعات توزيع الثروة في العالم؟

Author
ربيعة خطاب 31 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تكشف الحروب، إلى جانب مآسيها الإنسانية وخسائرها المادية، عن وجه آخر أقل ظهوراً لكنه شديد التأثير: اقتصاد ظلّ يتغذى على الأزمات ويستفيد من اضطراب الأسواق العالمية. وفي هذا السياق، أدت الحرب على إيران إلى إعادة تشكيل متغيرات سوق الطاقة بشكل حاد، حيث ارتفعت أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، ما انعكس مباشرة على أرباح شركات كبرى في قطاع الطاقة، وعلى ثروات كبار التنفيذيين فيها. وبينما تتصاعد الضغوط المعيشية على الشعوب، تتضخم في المقابل مكاسب الشركات المرتبطة بالطاقة في بيئة يسودها عدم اليقين الجيوسياسي.

وفي هذا السياق يصرح الخبير الطاقوي، كريم عقراوي، لـ”الأيام نيوز”، بأن الحروب في العصر الحديث لم تعد تُفهم فقط باعتبارها صدامات عسكرية أو نزاعات سياسية بين الدول، بل أصبحت ترتبط بشكل وثيق بمنظومة اقتصادية عالمية معقدة تؤثر في حركة الثروات ورؤوس الأموال والأسواق الاستراتيجية، وعلى رأسها أسواق الطاقة. ويؤكد أن العديد من الأزمات الدولية الكبرى أظهرت أن النزاعات المسلحة تؤدي في كثير من الأحيان إلى إعادة توزيع الثروة على نطاق واسع، حيث تستفيد قطاعات اقتصادية محددة من حالة عدم الاستقرار التي ترافق الحروب.

وأوضح عقراوي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن شركات الطاقة تعد من أبرز المستفيدين من الاضطرابات الجيوسياسية، إذ يؤدي تعطل الإمدادات أو التهديدات التي تطال الممرات التجارية وخطوط نقل النفط والغاز إلى ارتفاع الأسعار العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على أرباح الشركات العاملة في قطاع المحروقات. كما تستفيد شركات الصناعات العسكرية من زيادة الطلب على الأسلحة والمعدات الدفاعية، في وقت تشهد فيه المؤسسات المالية الكبرى فرصاً استثمارية مرتبطة بتمويل الحكومات وإعادة الإعمار وإدارة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن النزاعات.

 

وأشار كريم عقراوي إلى أن التأثيرات الاقتصادية للحروب لا تقتصر على الدول المتحاربة فحسب، بل تمتد إلى مختلف أنحاء العالم من خلال موجات التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمواد الأولية. ويضيف أن المواطنين في العديد من الدول يتحملون الجزء الأكبر من هذه التكاليف عبر تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، بينما تحقق بعض القطاعات الاقتصادية أرباحاً استثنائية خلال الفترات نفسها.

وأوضح عقراوي أن قوانين العرض والطلب تفسر جانباً من الارتفاعات التي تشهدها أسعار الطاقة، غير أنها لا تكفي لفهم الصورة الكاملة. فبحسب رأيه، توجد عوامل هيكلية أعمق ترتبط بطبيعة النظام الاقتصادي العالمي، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية للشركات الكبرى مع التوجهات السياسية والاستراتيجية للدول المؤثرة في النظام الدولي.

وأكد كريم عقراوي أن قطاع الصناعات العسكرية يُعد مثالاً واضحاً على ذلك، نظراً لضعف المنافسة الحقيقية داخله وارتباطه المباشر بالإنفاق الحكومي وبرامج الأمن القومي. كما أن اعتماد عدد متزايد من الدول على الشركات الخاصة في مجالات الأمن والدفاع والخدمات اللوجستية المرتبطة بالنزاعات أدى إلى توسع دائرة المستفيدين اقتصادياً من استمرار التوترات الدولية.

ويرى عقراوي أن هذا الواقع يجعل من الصعب الحديث عن أسواق حرة بالمعنى التقليدي أثناء الحروب، إذ تصبح العديد من القرارات الاقتصادية خاضعة لاعتبارات سياسية واستراتيجية تتجاوز آليات السوق الطبيعية. ومن ثم فإن جزءاً مهماً من الأرباح المتحققة خلال فترات النزاع لا يعود فقط إلى التغيرات في العرض والطلب، وإنما إلى طبيعة البيئة الاقتصادية التي تنشأ في ظل الأزمات الجيوسياسية.

ويحذر الخبير الطاقوي، كريم عقراوي، من التداعيات بعيدة المدى لهذه الظاهرة، مشيراً إلى أن تراكم الأرباح الاستثنائية لدى قطاعات محددة يقابله في كثير من الأحيان اتساع في فجوة الدخل والثروة داخل المجتمعات. كما يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الضغوط التضخمية إلى تآكل الثقة في المؤسسات العامة وتزايد الشعور بعدم العدالة الاقتصادية لدى فئات واسعة من السكان.

وأضاف كريم عقراوي أن استمرار هذه الاختلالات قد يساهم في تنامي الاحتقان الاجتماعي وظهور اضطرابات سياسية واقتصادية جديدة، خاصة في الدول التي تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية أو ضعف في شبكات الحماية الاجتماعية. ولذلك فإن معالجة الآثار الاقتصادية للحروب لا ينبغي أن تقتصر على إعادة الإعمار أو استعادة الاستقرار الأمني، بل يجب أن تشمل أيضاً إصلاحات تضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد الاقتصادية وتعزز مناعة المجتمعات أمام الصدمات العالمية.

وأكد عقراوي على أن الأرباح الاستثنائية التي تحققها بعض القطاعات، خلال فترات النزاع، لا تمثل مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل تعكس تحدياً هيكلياً يواجه الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يستدعي مقاربات جديدة توازن بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، والعدالة الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.