2025.12.04
الحرية التي نريد! مقالات رأي

الحرية التي نريد!


ما الحرية؟ وما مجالاتها؟ وما ثمارها؟ وما مخاطرها؟ أسئلة تترى أمام العقل، لا سيما الخمسيني أو ما بعده، حيث مرّت على الإنسان أحوال وحالات وحوادث وأخبار تتعلق بهذه السمة الإنسانية والفريدة البشرية (الحرية)!

هل تمتّعنا بالحرية؟ هل أفدنا من الحرية؟ هل الفارق بيننا وبين الغرب في هذه (الحرية)؟! هل حالنا كان سيتغير لو عشنا جو هذه(الحرية)؟!

إن (الحرية) سمة إنسانية، وبنية فارقة بين الإنسان وغيره، كل ما حولنا من مخلوقات مجبور، مسخّر في جو السماء والأرض، إلا الإنسان فإنه مخيّر!

نعم تتمتع الحيوانات بنوع من الحركة مثل رقصات فراشة بين الزهور، وفي انتقال عصفور من غصن إلى آخر، وفي صوت الماء بين الأشجار، وفي اضطرام موج البحر، لكنها حركة مسيرة..

والحرية في نظري تشمل مجالات حياتية وبشرية كثيرة، وهي متدرجة حسب متطلبات الحياة والأحياء:

- حرية العقيدة، التدين = قلب الإنسان، وظيفة إيمانية عبادية للإنسان.

- حرية التفكير، البحث العلمي = عقل الإنسان، نتاج علمي للإنسان.

- حرية الإبداع، الفن، الأدب = خيال الإنسان، نتاج روحي للإنسان.

- حرية التجارة، الاقتصاد = مال الإنسان.

- حرية الصناعة = إنتاج مادي للإنسان.

- حرية الحركة = تنقل الإنسان في بقاع المسكونة المعمورة، أمنا (الأرض)!

ويتفرع عن ذلك حريات أخر، مثل:

حرية: الكلمة، حرية القلم، حرية اختيار نوابنا في المجالس الديمقراطية، حرية الصحافة، حرية الإعلام، حرية النقد، حرية الأنترنت، حرية وسائل التواصل الرقمية... إلى غير ذلك مما يستجد من حريات!

وضد الحرية ألفاظ: العبودية، الرقّ، السجن، التقييد، الحبس، القهر، الجبر، الأسر، الاحتجاز، الاعتقال. أما التحرر فقد يكون ضد الحرية وقد يكون سببها! فالتحرر كسر للقيود التي يفرضها العدو المستعمر، وبعده تكون الحرية التي نريد! وهذا مظهر إيجابي للحرية!

إن هذه الحرية التي نريدها ينبغي أن تكون منضبطة ومسؤولة وواعية وهادية وخيّرة، وليست منفلتة غبية رعناء هوجاء ضالة فاتنة شريرة مدمرة، فمثل هذه السوءات تجعلنا في دائرة "التحرر المنفلت المعتدي"، وليس "الحرية"، وشتّان بين اللفظين لغويا وفكريا وسلوكيا، ومصائبنا الاجتماعية والفنية والتربوية والعلمية، وصراعاتنا وتمزّقاتنا راجعة إلى حضور "التحرر" وغياب "الحرية"! كما أنه يمكّن لهؤلاء المتحررين المنفلتين في مجالات التوجيه والإرشاد ثقافيا وإعلاميا ودعويا وتعليميا!

وأقف هنا مع ما يُسمّى "مبدأ الضرر أو مبدأ أنت حر ما لم تضر" والذي، تعرفه الويكبيديا بأنه "مبدأ قانوني ينص على أن حرية الفرد لا يجب أن تمنع إلا إذا سببت هذه الحرية أذيّة لفرد آخر. صاغ "جون ستيوارت مل" هذا المبدأ في كتابه عن الحرية: "الغرض الوحيد الذي من أجله يمكن ممارسة السلطة بشكل صحيح على أيّ فرد من أفراد المجتمع المتحضر، رغمًا عنه، هو منع إلحاق الأذى بالآخرين". ففيه مظهر إيجابي حيث حماية الناس من هذا "الحر"!

أما المظهر السلبي فيتمثل في محاولة تغييب فريضة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة من خلال بيان حدود الله تعالى وفرائضه وحرماته عز وجل، فالإنسان حر ما لم يتعدَّ حدود الله تعالى وتعاليمه في القرآن الكريم وفي سُنّة رسولنا الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

إن الإباحية والمجون والعشوائية الجنسية ليست حرية! إن التبرج ليس حرية! إن المساخر الفنية والأدبية ليست حرية! إن التنمّر ليس حرية! إن الفضائح والتّعييب والغيبة الإلكترونية ليست حرية! إن الوقوف بجانب الرؤية الصهيونية، وترديدها ليست حرية! إن التطبيل للعملاء والخونة والمطبعين ليس حرية! إن الاعتداء على ثوابت الإسلام ليس حرية! إن تشويه المصلحين وتعظيم المفسدين ليس حرية! إن التمكين للتفهاء والسفهاء والجهلاء ليس حرية!

وخلاصة ما أقول وفذلكته: كل مظاهر السلبية والإضرار والإيذاء حولنا وبيننا لا يمكن تركها بحجة "الحرية"! فكل تغيير للخطأ إلى الصواب من متطلبات الحرية المجتمعية. وحرية الفرد تقف عند حدود المجتمع وحقوقه.

أخاف على حريتنا من هذه الحياة المادية الإلكترونية البلاستيكية التي تفرض علينا، فصرنا عصافير في قفص إلكتروني جميل مُغرٍ، لكنه شَرك خطير، يبعدنا عن روحنا أصلنا، حريتنا العربية الإسلامية السامية الصافية!

وشخصيا أقوم كل فترة بالهروب إلى الريف، ورؤية البسطاء والعيش معهم وبينهم بعيدا عن هذا الهاتوف الجوال الطوّاف، بله الطاغوت، الجاذب والفاتن والمراقب والحابس لحركتنا وتلقائيتنا وعفويتنا وفطرتنا التي فطرنا الله عليها، فما أحوجنا إلى الخلاص من إدمان الإنترنت، إدمان التواصل الرقمي البلاستيكي! فهذا الإدمان استعباد واحتلال وهيمنة مادية بغيضة مدمرة لإنسانية الإنسان وحرياته وانطلاقاته في الكون والحياة والأحياء!

نعم للحرية في ظلال ثوابتنا الإسلامية والعروبية والوطنية، ولا للحرية الغربية، الغريبة عنا والدخيلة علينا، تلك التي يراد من خلالها تحويل الإنسان العربي إلى حيوان مستهلِك ومستهلَك، يسير وراء رغباته وشهواته بلا ضابط ولا رقيب ولا محاسب!