جَورَباي الممزّقان كانا يسخران منّي كلّما أُجبرت على الدّخول إلى منزلٍ أرستقراطي، كنت أسمع قهقهتهما كلّما رنّت في أذنيّ كلمة: تفضّل، ادخل. أتعرفون تلك البسمة المصابة باليرقان؟ كانت تحتلّ وجهي، وأدرك في قرارة نفسي أنّني أمام أمرين أحلاهما مُرُّ، فإمّا أن أدخل فأدوس سجّاد الأرستقراطيّين الذين لا أطيقهم أساسًا، فيتهامسون بغضبٍ على حذائي -المصبوغ بالوحل - الذي سيلطّخ أرضهم، وإمّا أن أخلعه فيسمعون قهقهة أصابع قدميّ وهي تتلصّص من خلف الجَورَبين.
دخلت يومها، أو أُجبرت على الدخول، إذ كان أصحاب المنزل قد وضعوا إعلانًا عن حاجتهم إلى بستاني يعتني بحديقتهم. كان لديّ ثانيتين فقط لأختار أهوَن المُرَّين، وكانت الـ"تفضّل" تخرج من فم المرأة بتكرار ببغاءٍ فظّ. فاخترت الدخول بالوحل. مشيتُ فكأنّني لا أودّ أن أدوس الأرض، كدتُ أطير من الخجل، إذ إنّني أينما دست تركت أثرًا فوق السجّاد، ولكنّني كنت أعزّي نفسي بأنّ الأثر هذا خيرٌ من رؤية أصابع تتقهقه، وكانت هذه الفكرة تمنحني بعض الثقة لاجتياز خطوةٍ أخرى نحو الكنبة في الصالون.
- "الحرّية هي أوّل خمس دقائق وُلدتُ فيها أبكي عاريًا، بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجّهات، وبلا حقد بشرّي". هكذا قال "ماكسيم غوركي". ما اسمك يا فتى؟ كان محدّثي - زوج المرأة - يضع سيجارًا كوبيًّا بين شفتيه أطول من "ساق البامبو" للكاتب "سعود السنعوسي"، ويتأمّلني بقرف، وكان محقًّا في قرفه ذاك، إذ أحسست حينها أنّني بقعة زيت في رداءٍ أبيض.
- اسمي صباح يا سيّدي.
- صباح ماذا؟ صباح الخير؟ قالها مقهقهًا.
فتذكّرت أصابع قدميّ، وحمدتُ الله أنّني لم أقم بخلع حذائي. ضحكت وجاريته الضحكة غير أنّني كفرتُ - في داخلي - بتلك النكتة السمِجة التي بدت وكأنّها بداية مشروع سخرية آتٍ، ولكنّنا - نحن المغمّسون بالوحل - لا وزن لمشاعرنا أمام من هم أعظم منّا، ربّما تلك ضريبة الفقر، إنّه يعلّمنا أن نصمت لكي نسترق جلسةً في مكانٍ لا نراه سوى في الأحلام.
- صباح الهادي سيدي، اسمي صباح الهادي. قلت مبتسمًا.
- همممم، أهلًا بك يا صباح، لم تسألني عن سبب القول الذي استقبلتك به.
- تقصد الحرية، لـ"ياسين كوركي"، أقصد نسيم ربما نسيم، اعذرني سيدي لم أحفظ الاسم جيّدا.
قهقه الرجل مجدّدا، عبّ من سيجاره، ونفث الدخان في الهواء ثمّ استطرد يقول:
- ليس المهم الاسم يا ولد، هل حفظت ما قاله؟
- لا، سمعت كلمة الحرية فقط.
- جيّد جدًّا، الحرّية هي ما يهم. هل تعرف أنّك دخلت إلينا بقرارٍ منّا، لكنّك لم تحترم هذه الحريّة؟
- سيّدي، أنا لا تعنيني هذه الحريّة كلها، لا تهمّني، جئت لكي أحصل على عمل، ولو أنّ السيدة لم تصرّ على إدخالي لم أكن لأدخل صدّقني، وأنا متأسّف لأنّني لم أحترم تلك الحريّة لياسين، أو نسيم، لا أدري.
- لمَ لَم تخلع حذاءك يا فتى؟ قال غاضبًا.
- لأنّني.. لأنّني... سيّدي، دعني أستأذنك، لا أريد أن أعمل.
- اخلع حذاءك.
- يا سيّدي، هذا الياسين ماذا قال؟
- ماكسيم، اسمه ماكسيم.
- حسنًا ماذا قال هذا الماكسيم؟
- الحرية هي أول خمس دقائق وُلدت فيها أبكي عاريًا، بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجّهات، وبلا حقد بشرّي.
- اسمح لي يا سيّدي أن أخبرك بأنّنا كاذبون، كاذبون حتّى العظم، نحن نتخفّى وراء شعارات برّاقة زُرعت في رؤوسنا وصدقّناها، لكنّنا لن نتقبّل بعضنا البعض إلّا من خلال الأقنعة، ولو خلعت حذائي قبل الدخول إليك، لوجدتني على حقيقتي، كأول خمس دقائق ماكسيمك هذا، عاريًا، بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجّهات، ومع ذلك سأنال حقدك البشريّ. وها قد خلعت حذائي، انظر، متّع نظرك.
ذُهل الموجودون. لكنّ أحدًا لم يضحك، وما أثار فضولي هو أنّ أصابعي المتلصّصة من خلف الجوربَين لم تقهقه هذه المرّة أيضًا، بل أحسست بأنّها بكت، ربّما عليّ، ربّما على تعريَتي لها بهذه الطريقة، ربّما على الحرّية نفسها، وربّما على كلّ شيء.

