بعيدا عن معاني الحرية في المجال السياسي، فهذه الحرية محل خلاف بين الفلاسفة وأصحاب المذاهب السياسية والأيديولوجية من شيوعية ورأسمالية وغيرها من الأيديولوجيات والديانات الوضعية، التي تختلف بالطبع عن مفهوم الحرية في الأديان السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية، ولهذا فالحديث عنها يطول والجدال حولها الكلام.
ولكن هناك معان أخرى للحرية في أبجدية الطبيعة - مثلا - نراها في رقصات الفراشات بين الزهور، وفي انتقال العصافير وغيرها من الطيور من غصن إلى آخر، وفي خرير الماء بين الأشجار، وفي تدافع موج البحر وملاحقة بعضه لبعض في سيمفونية رائعة غير متناهية.. ولعل الفيلسوف "هيجل" أبدع عندما قال: "تاريخ العالم ليس سوى تقدُّم للشعور بالحرية".
ومعنى الحرية في قاموسي الشخصي، نابع من يقيني بأنَّ حرية الإنسان تنتهي عندما تتقاطع مع حرية الآخرين أو تتصادم معها، وقد لخص ذلك مَن قال: أنت حر ما لم تضر! وهو مفهوم نابع من الدين الإسلامي الذي يدعو المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يعامل الناس، كل الناس، بما يحب أن يعاملوه به.
وقد صحح رسولنا الكريم مفهوم الحرية لدى الشباب، وهم الذين تجمح بهم أهواؤهم فتقودهم إلى الشطط في الحرية بالعدوان على الآخرين، فقد روي أنَّ غلامًا شابًّا أتى النبيَّ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم)، فقال: يا نبيَّ اللهِ أتأذنُ لي في الزنا؟ فصاح الناسُ به، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قَرِّبوهُ، ادنُ فدنا حتى جلس بين يديهِ، فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ: أتحبُّه لأُمِّكَ فقال: لا، جعلني اللهُ فداك، قال: كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لِأمَّهاتِهم، أتحبُّه لابنتِك؟ قال: لا، جعلني اللهُ فداك قال: كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لبناتِهم، أتحبُّه لأختِك؟ وزاد ابنُ عوفٍ حتى ذكر العمَّةَ والخالةَ، وهو يقولُ في كلِّ واحدٍ لا، جعلني اللهُ فداك، وهو صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يقولُ كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه، وقالا جميعًا في حديثِهما - أعني ابنَ عوفٍ والراوي الآخرَ -: فوضع رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم يدَه على صدرِه وقال: اللهمَّ طهِّر قلبَه واغفر ذنبَه وحصِّن فَرجَه فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه منه. (والحديث إسناده جيد رجاله رجال الصحيح).
ويمكن قياس الحرية في حياتنا على هذا الحديث النبوي الشريف، فما لا يرضاه الإنسان لنفسه، جدير به ألا يرضاه لغيره.
وإني لأشفق على العصفور الحبيس في قفص جميل، لأنه حُرم من الحرية التي هي من سماته وخصائصه التي وهبها الله له، فمن شأن العصافير أن تغرد فوق الغصون، فتمتّعنا بأصواتها الجميلة، وهذا الحبس وإن كان في قفص ذهبي يحرمها من حرية الانطلاق والتحليق في أجواز الفضاء، كما يحرمنا لذة الاستمتاع بتغريدها وخصوصا في الصباح والمساء.
وكذلك الحال مع سمك الزينة الذي يوضع في حوض زجاجي، وقد كان يسبح في البحر فحبست حريته، فنحن نستمتع بشكله ولكننا نأسى لحبس حريته.
وقد عبر الشاعر الأندلسي الكبير "المعتمد بن عباد" عن مأساة سلب الحرية من الإنسان تعبيرا رائعا حين انتزع من ملكه بالأندلس وسجن في "أغمات" بالمغرب، فرأى سربًا من القطا يطير في السماء في حرية، فحن إلى أن تعود إليه حريته ليكون مثلها وبكى قائلا:
بكيتُ إلى سرب القطا إذ مررنَ بي -- سوارحَ لا سجن يعوق ولا كبل
ولم تك ـ والله المعيذ ـ حسادة -- ولكن حنينا أنَّ شكلي لها شكل
ألا عصم الله القطا في فراخها -- فإنَّ فراخي خانها الماء والظل
ومن المستحدثات النافعة والضارة في عصرنا "الذكاء الاصطناعي" الذي صار يختلس منا حريّتنا يوما بعد يوم، فصار كثير من الناس يعتمدون عليه حتى في مجال الإبداع الأدبي والفني، مما يفقد أدبهم وفنهم روح الإنسانية ويصبغه بصبغة الآلة، وهذا بالطبع مما يتنافى مع حرية المبدع التي تصبغ أدبه وفنه بصبغة ذاتية تعكس روحه وخبراته وتجاربه في الحياة وتكون مرآة صادقة لحياته وحياة مجتمعه.
كما أنَّ انجذابنا إلى الغرب يُبعدنا عن أصالتنا، وهذا يمثّل انتهاكا لحريّتنا، فالحداثة العمياء والتقليد الأعشى يفقدنا هويتنا ويبعدنا عن الأصالة، فنصير مسخا شائهًا لا تربطه ببيئته ووطنه وقوميّته ودينه إلا روابط واهية، فيذوب في حضارة الغرب كالغراب الأسحم الذي يحاول تقليد الطاووس، فلا هو صار طاووسا، ولا هو عاد طائرا طبيعيا بل صار يحجل في مشيته ويتعثر، وليس هذا التقليد وليد اللحظة بل هو من منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حين فتن بعض الأدباء والمفكرين بالحضارة الغربية وظنوا أنَّ التقدم مرهون بتقليدها، كما عبر عن ذلك الدكتور "طه حسين" حين قال في مجافاة للمنطق السديد والعقل الرشيد: إذا أردنا أن نتقدّم فعلينا أن نتبع الحضارة الغربية بخيرها وشرها وحلوها ومرها، ولو أنصف لدعا إلى تقليد الحضارة الغربية في الخير والحلو مع تجنب الشرِّ والمرِّ، ولو فعلنا ذلك لتقدمنا تقدما حقيقيا كما تقدم أسلافنا الأوائل الذين نقلوا نتاج الحضارات القديمة واختاروا منه ما يصلح لطبيعتنا وما يتوافق مع بيئتنا وهويتنا، وبنوا عليه فتقدموا وصاروا أئمة في العلم والفكر، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها.
ونرى أنه من الواجب أن نعيد إنتاج معاني أخرى للحرية من الواقع الرقمي الذي صرنا نحيا فيه ربما أكثر ما نحيا في واقعنا الحالي، حتى نستفيد بخير التقدم العلمي والرقمي ونتجنب شروره وبوائقه وما أكثرها.
فالحرية لا تقتصر على الجانب المادي من حياة الإنسان فحسب، فالروح أيضًا معنية بالحرية في زمن أسرت فيه المادةُ الجسدَ إلى حدِّ الاستعباد، حتى ينعم الإنسان بالتوازن بين المادة والروح فلا يطغى أحدهما على الآخر، فلا تستقيم حياته، ويكون مخالفا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإن لبدن الإنسان عليه حقا، كما أن لروحه ونفسه عليه حقا.
وهذه المقالة تهدف إلى استكشاف معنى الحرية بعيدًا عن المألوف السياسي، مركزة على مفهومنا الشخصي مقارنةً بتجلياتها في الطبيعة، وطارحة ضرورة إعادة صياغة هذا المفهوم في ظل تحديات الواقع الرقمي المعاصر، ومحللة العلاقة بين الحرية الروحية وأسر الجسد المادي في هذا السياق التكنولوجي المتقدم.
مفهومنا للحرية وتجلياتها في عالم الطبيعة
مما لا شك فيه أنَّ هناك معاني أخرى للحرية بعيدًا عن المجال السياسي، كما ذكرنا، وتظهر هذه المعاني بوضوح في عالم الطبيعة، حيث يمكن للمرء أن يراها في رقصات فراشة بين الزهور، وفي انتقال عصفور من غصن إلى آخر، وتمتد تجليات الحرية الطبيعية لتشمل صوت الماء بين الأشجار واضطرام موج البحر.
وعلى الرغم من إقرارنا بتلك التجليات، فقد طرحنا تساؤلاً جوهريًّا حول المفهوم الشخصي للحرية، وتفاعلنا مع رموز الأسر، متسائلين عن كيفية تفاعلنا مع عصفور حبيس في قفص جميل أو سمكة في حوض زجاجي.
وفي سياق فلسفي أعمق، يتمّ الاستشهاد بالفيلسوف "هيجل" الذي أبدع بالقول: "تاريخ العالم ليس سوى تقدم للشعور بالحرية".
إعادة صياغة معنى الحرية في سياق الواقع الرقمي المعاصر وتحدياته الجديدة
في ظل التحولات التكنولوجية الجذرية، نرى أنه من الواجب أن نعيد إنتاج معانٍ أخرى للحرية تناسب الواقع الرقمي، وهذا الواقع الرقمي أصبح المجال الذي "نحيا فيه ربما أكثر مما نحيا في واقعنا الحالي"، إلا أنَّ هذا الواقع الجديد يطرح تحديات خطيرة تهدد مفهوم الحرية ذاته، ومن أبرز هذه التحديات خطر الذكاء الاصطناعي أنَّ الذكاء الاصطناعي الذي يختلس حرّيتنا يومًا بعد يوم.
وبالإضافة إلى التهديد التكنولوجي المباشر، فإننا نرى تحديًّا آخر يتمثل في الانجذاب إلى الغرب، وهذا الانجذاب يُبعدنا عن أصالتنا، ويشكل هذا الابتعاد عن الأصالة انتهاكاً لحرّيتنا.
العلاقة بين الحرية الروحية وأسر الجسد المادي في هذا العصر التكنولوجي المتقدم
في هذا الزمن الذي يشهد تقدّمًا تكنولوجيًّا هائلاً، يجب أن تُطرح أسئلة حول وضع الروح في مقابل الجسد المادي، ونتساءل عما إذا كانت الروح معنية أيضاً بالحرية، ويأتي هذا التساؤل تحديدًا في زمن "أسرت فيه المادةٌ الجسد إلى حد الاستعباد".
وهذا يعكس صراعًا جوهريًّا في العصر الحديث حيث يمكن للمتطلبات المادية أو القيود التكنولوجية أن تقيّد الجسد بشكل يصل إلى درجة الاستعباد، مما يدفع للتفكير في ضرورة تحرر الروح أو سعيها للحرية بالتوازي مع هذا الأسر الجسدي.
وعليه، فإننا نؤكد على ضرورة الابتعاد عن القراءات التقليدية للحرية (في المجال السياسي) ونقوم بتقديم قراءات جديدة تتناول هذه المجالات المعاصرة.
إنَّ الحرية ـ وفقًا لما نطرحه ـ تتجاوز المعنى السياسي الضيق لتشمل رقصة الفراشة وتحرر الموج، ولكن الحرية في العصر الرقمي، تواجه تحديات غير مسبوقة، سواء من الذكاء الاصطناعي السارق للحرية أو الانجذاب الذي يبعدنا عن الأصالة.
وفي خضم هذا الواقع، يصبح التساؤل عن حرية الروح أمرًا ملحًّا، خصوصًا عندما يكون الجسد المادي قد أسرته المادة إلى حد الاستعباد، وهذا يدعو إلى إعادة صياغة شاملة لمفهوم الحرية نتفق عليها جميعا.
يشبه مفهوم إعادة صياغة الحرية في العصر الرقمي تحديث نظام التشغيل (Operating System) للحياة البشرية؛ فكما أنَّ نظام التشغيل القديم لم يعد قادرًا على التعامل مع تطبيقات وتحديات التكنولوجيا الحديثة (مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي)، يجب تحديث نظامنا القيمي والفلسفي للحرية ليتمكن من معالجة التهديدات الجديدة وضمان الأصالة والتحرر الروحي رغم قيود الأسر المادي.
ولعل فيما سقناه كفاية ومقنعًا للغارقين في أسر الحياة المادية حتى آذانهم، وكذلك للعازفين عن الحياة المادية بالكلية، المستغرقين في الرّهبانية التي تصادم الفطرة، فبالتوازن بين المادة والروح تستقيم حياتنا، وننعم بالحرية شأننا شأن الطيور في السماء والفراشات في الطبيعة الجميلة وموج البحر، وكل ما خلق الله لنا لنتمتّع بحياتنا في غير إسراف ولا تقتير، بل بتوازن دقيق، فلا ننسى نصيبنا من الدنيا ونحسن كما أحسن الله إلينا، والله المستعان.

