الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الحصاد والدرس.. كيف تساهم المكننة في رفع المردودية وتقليص الهدر؟


تزامنا مع موسم الحصاد والدرس، يتجدد الحديث حول دور المكننة الفلاحية في تسريع عمليات جني المحاصيل، وتحسين مردودية الإنتاج، والحد من الخسائر التي قد ترافق هذه المرحلة الحساسة، لاسيما في ظل تفاوت احتياجات المناطق الزراعية واختلاف طبيعة تضاريسها.

وفي هذا السياق، أشار خبيران حاورتهما “الأيام نيوز” إلى أن فعالية المكننة ترتبط بمدى جاهزية العتاد وتحديثه وصيانته، إلى جانب توفير معدات ملائمة لخصوصيات كل منطقة، بما يضمن استغلالا أفضل للمحاصيل وتقليص الهدر، إضافة إلى التركيز على أهمية حسن توزيع العتاد وتكوين العاملين على استخدامه، فضلا عن إدماج التقنيات الحديثة لتعزيز كفاءة الإنتاج.

فمن جانبه، يرى حمزة مليك، خبير في الزراعة والمخاطر الزراعية أن المكننة الفلاحية تمثل عاملا مهما في مختلف مراحل العملية الزراعية، بدءا من تحضير التربة قبل الزرع، مرورا بمتابعة نمو النبتة ومعالجتها، وصولا إلى مرحلة الحصاد وجمع المحصول، مشيرا إلى أن اختيار المعدات يختلف حسب طبيعة التربة والتضاريس والظروف المناخية.

المكننة تحتاج إلى تنويع يتناسب مع طبيعة المناطق

وأوضح مليك أن الجزائر لا تزال بعيدة عن توفير تنوع كاف في معدات المكننة الخاصة بخدمة التربة، حيث لا تتجاوز أنواعها المتوفرة عدد أصابع اليد، رغم استعمالها من قبل أغلبية الفلاحين.

وأشار إلى أن بعضهم يتجنب اللجوء إلى المكننة بسبب عدم إدراك أهميتها أو بهدف تخفيف الأعباء، بالنظر إلى التكاليف المرتبطة بالجرار والوقود واليد العاملة، والتي ترفع تكلفة تهيئة التربة قبل الزرع.

وأضاف المتحدث أن المكننة تتدخل أيضا خلال مختلف مراحل نمو النبتة، من خلال المعالجة الكيميائية والميكانيكية، سواء للوقاية من الأمراض أو علاجها عند ظهورها، إلى جانب مكافحة الأعشاب الضارة، غير أن هذه العمليات تفرض بدورها تكاليف إضافية مرتبطة باستعمال الجرارات واليد العاملة.

وبخصوص موسم الحصاد، أبرز الخبير في الزراعة أن الحصادات تعد من أهم المعدات المتدخلة، غير أن الجزائر لا تزال بحاجة إلى تنويع أكبر في أنواعها وأحجامها بما يتناسب مع ظروف وتضاريس كل منطقة.

ولفت إلى النقص الكبير في الحصادات صغيرة الحجم الملائمة للمناطق الجبلية والصعبة، رغم وجود مساحات مزروعة بالحبوب في هذه المناطق، معتبرا أن توفيرها من شأنه تدارك التأخر في الحصاد وتفادي خسائر كبيرة ناجمة عن الحرائق أو تلف المحاصيل.

وأشار محدثنا إلى أن الخسائر لا ترتبط فقط بتأخر الحصاد، وإنما أيضا بنوعية الحصادات ومدى التحكم في ضبطها، موضحا أنه يمكن استيعاب خسارة تتراوح بين 2 و3 بالمئة، خلال عملية الحصاد، غير أن النسب المسجلة في الجزائر قد تصل إلى 30 بالمئة، وهي نسبة مخيفة بالنظر إلى حجم الكميات المهدرة، ما يستدعي إعادة النظر في نوعية العتاد ومهارة العاملين على تشغيله وضبطه.

كما اعتبر مليك أن الإشكال المطروح لا يتعلق بعدد الحصادات فقط، وإنما أيضا بطريقة برمجتها وتوزيعها، موضحا أن الموسم الحالي شهد توجيه العديد من الحصادات نحو الجنوب، غير أن الحصاد هناك عرف تأخرا لا يعود إلى نقص العتاد، وإنما إلى عدم ضبط رزنامة البذر بالشكل المناسب.

وأكد أنه من غير المعقول أن تبقى الحصادات في الجنوب إلى نهاية ماي أو بداية جوان، داعيا إلى ضبط رزنامة البذر بما يسمح ببرمجة الحصاد بين نهاية أفريل وماي على أقصى تقدير، ثم توجيه الحصادات نحو الشمال لحصد المساحات الواسعة من المحاصيل الكبرى.

وأضاف أن المسألة ترتبط بالبرمجة والنظام والتوزيع، إلى جانب مهارة العاملين في ضبط الآلات، مشيرا إلى وجود نقص في توفير الجرارات وصهاريج المياه، وهو ما ساهم في تلف مساحات من المحاصيل نتيجة الحرائق.

وشدد الخبير في المخاطر الزراعية على ضرورة وضع خريطة لتوزيع العتاد بشكل سليم، وتنويعه حسب المناطق، إلى جانب تكوين المختصين في ضبط الآلات الزراعية، باعتبار أن نقص المهارة يمكن أن يؤدي إلى خسائر إضافية.

وفي السياق ذاته، أوضح مليك أن طبيعة المناطق الزراعية تفرض تنويعا في المعدات، فاحتياجات الشمال تختلف عن الجنوب، كما تختلف الأراضي الثقيلة عن المناطق المرتفعة، وهو ما يستدعي تخصيص الآلات حسب التضاريس والمنطقة والاحتياجات، وضبط العملية منذ تاريخ الزرع إلى غاية الحصاد.

ولفت أيضا إلى أن الخسائر قد تستمر حتى بعد جمع المحصول، خاصة عندما تتجاوز كميات الحبوب المحملة في المقطورات قدرتها الاستيعابية، ما يؤدي إلى ضياع جزء من الإنتاج أثناء نقله.

واعتبر أن هذه الكميات تمثل خسارة حقيقية، داعيا إلى مراجعة طرق النقل، ومن ذلك استعمال الأكياس الضخمة للحفاظ على المنتوج داخل المزرعة، قبل تحويله في شاحنات كبيرة إلى مناطق التجميع التابعة للتعاونيات.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد حمزة مليك أن الحفاظ على المحصول يتطلب مراجعة التخطيط والرزنامة الخاصة بالبذر والحصاد، وتنويع المكننة وتوزيعها حسب خصوصية المناطق، إلى جانب تكوين العاملين وتحسين طرق نقل وتخزين المنتوج، بما يسمح بتقليص الخسائر والاستفادة بشكل أكبر من الإنتاج المحقق.

المكننة شرط أساسي لرفع المردودية وتعزيز السيادة الغذائية

من جهته، أفاد عبد الغني بن علي، خبير في الزراعات الاستراتيجية، أن موسم الحصاد والدرس لهذه السنة كان استثنائيا، بالنظر إلى اتساع المساحات المزروعة وتوزع الأمطار بمعدلات معتدلة، ما انعكس على مردودية المحاصيل، لاسيما في عدد من الولايات الغربية التي لم تشهد عمليات حصاد خلال السنوات الماضية، إلى جانب مناطق من الهضاب.

وأوضح بن علي في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن سنوات الجفاف دفعت عددا من الفلاحين الذين كانوا يمتلكون آلات الحصاد إلى التخلي عنها أو بيعها، وهو ما أثر على قدرات المكننة المتوفرة خلال الموسم الحالي، مشيرا إلى أن المؤسسة الوطنية للعتاد الفلاحي تنتج سنويا نحو 300 حصادة، في وقت يقدر فيه عدد الحصادات الموجودة على المستوى الوطني بنحو 8 آلاف حصادة، جزء كبير منها قديم ويتجاوز عمره 30 سنة.

وفي هذا السياق، أشار المتحدث إلى أن وزارة الفلاحة عملت على تسريع وتيرة الحصاد، خاصة في الولايات الجنوبية، من خلال توجيه الحصادات، لاسيما الجديدة منها، التابعة لتعاونيات الحبوب والمؤسسة المنشأة حديثا “أغروديف”، نحو هذه المناطق للمساهمة في استدراك التأخر المسجل، غير أن العملية واجهت صعوبات مرتبطة أساسا بنقص شاحنات نقل المحاصيل.

وأضاف أن توفر مخازن جوارية وقريبة من مناطق الإنتاج ساهم في الحد من تداعيات هذا النقص، معتبرا أن تدخل الحكومة لتدارك الاختلالات المسجلة سمح بإعادة تنظيم عملية الحصاد وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين مختلف مناطق الوطن، سواء في الشمال أو الجنوب.

وأبرز الخبير في الزراعات الاستراتيجية أن بعض الولايات شهدت تأخرا نسبيا في عمليات الحصاد، من بينها تيارت، تلمسان، عين تموشنت، سيدي بلعباس، المدية وشمالها، الجلفة، شمال سطيف، أم البواقي وباتنة، مرجعا ذلك بدرجة كبيرة إلى محدودية إمكانات المكننة المتوفرة، وهو ما انعكس على وتيرة الحصاد في هذه المناطق.

كما لفت محدثنا إلى أن نقص قطع الغيار، خاصة العجلات المطاطية، شكل عائقا إضافيا أمام استغلال عدد من الآلات القديمة، موضحا أن نحو 4 آلاف إلى 4500 حصادة فقط كانت في الخدمة خلال الموسم، من بينها حوالي 2700 حصادة جديدة، إلى جانب عدد من الحصادات متوسطة العمر، في حين بقي أكثر من 3 آلاف حصادة قديمة خارج الخدمة أو عاجزة عن العمل.

واعتبر بن علي أن تقادم جزء كبير من عتاد الحصاد وعدم جاهزيته شكل أحد العوامل التي ساهمت في ارتفاع مخاطر اندلاع الحرائق، بالنظر إلى عدم ملاءمة بعض هذه الآلات لمتطلبات العمل الزراعي الحالية، مؤكدا أن تدخل الحكومة ساهم في تدارك عدد من هذه النقائص ودفع عملية الحصاد نحو مزيد من الانتظام.

وأكد أن عملية الحصاد والدرس اقتربت من نهايتها، مشيرا إلى أن نحو ثماني ولايات كانت لا تزال عند حدود 80 بالمائة من نسبة الإنجاز، مع تواصل الجهود تحت إشراف الولاة لاستكمال العملية في أفضل الظروف.

وفي حديثه عن أهمية المكننة، شدد الخبير على أنها تمثل أساس الإنتاج الفلاحي العصري، موضحا أن النقائص المسجلة خلال الموسم الحالي ترتبط، إلى حد كبير، بجاهزية العتاد وتوفر قطع الغيار، باعتبار أن المكننة تحتاج إلى التجديد والصيانة الدورية حتى تضمن أداءها في أفضل مستوياتها وتساهم في رفع مردودية الإنتاج.

وأشار إلى أن تطوير المكننة لا ينبغي أن يقتصر على الجرارات والحصادات، وإنما يتعين أن يشمل أيضا التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة “الدرون”، التي يمكن توظيفها في عمليات رش الأسمدة ومبيدات الأعشاب، خاصة في المناطق التي يصعب على الجرارات الوصول إليها، ما يسمح بتحسين دقة التدخلات الزراعية ورفع كفاءة الإنتاج.

وأضاف أن إدماج تقنيات تحديد المواقع “GPS” وغيرها من الحلول التكنولوجية الحديثة من شأنه أن يعزز المتابعة الدقيقة للمحاصيل، ويوفر إمكانات عمل أكثر سهولة وفعالية، بما يساهم في تحقيق مردودية أعلى وتقليص الخسائر، وهو ما يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للأمن الغذائي والسيادة الوطنية.

وفي هذا الإطار، أكد المتحدث أن تطوير المكننة يرتبط أيضا بتعزيز الإنتاج الوطني للبذور والمدخلات الفلاحية، مشيرا إلى أن الجزائر تتوفر على إمكانات وخبرات فلاحية مهمة، غير أن الاستفادة منها بشكل كامل تتطلب توفير مكننة تتلاءم مع طبيعة الإنتاج واحتياجات الفلاحين.

خِتاماً، أعرب عبد الغني بن علي عن ثقته في قدرة المؤسسة الوطنية للعتاد الفلاحي على مواصلة إنتاج الحصادات والجرارات التي تتناسب مع احتياجات القطاع، داعيا في الوقت ذاته إلى تحسين هذه الآلات وتطويرها بشكل مستمر بما يتلاءم مع خصوصيات الزراعة الجزائرية ومتطلبات الإنتاج الوطني.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.