الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الحقول المشتركة بين الجزائر وليبيا.. امتداد جيولوجي يفرض منطق التعاون

Author
بثينة صايفي 31 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تُصنَّف الحقول المشتركة بين الجزائر وليبيا ضمن أبرز مناطق الطاقة العابرة للحدود في شمال إفريقيا، نظرًا لاحتوائها على احتياطيات مهمة من النفط والغاز تُقدَّر بعشرات المليارات من الأقدام المكعبة، ما يمنحها وزنا استراتيجيا داخل معادلة الطاقة الإقليمية.

وبحسب بيانات موسوعة حقول النفط والغاز التابعة لمنصة الطاقة المتخصصة، يبرز ضمن هذا النطاق الجيولوجي كل من حقل “الرار” الواقع في جنوب شرقي الجزائر بولاية إليزي، وحقل “الوفاء” الموجود داخل الأراضي الليبية ضمن حوض غدامس، حيث تشير بعض الدراسات الفنية الأمريكية الصادرة عام 2006 إلى احتمال ارتباطهما ضمن نفس النظام المكمني أو كونهما جزءًا من امتداد جيولوجي واحد.

 

الإطار القانوني ودور الاتفاقيات الثنائية في تنظيم الاستغلال

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الطاقة، أحمد طرطار، أن إدارة الحقول العابرة للحدود تخضع لمنظومة قانونية وتقنية معقدة تستند إلى مبادئ القانون الدولي للطاقة وقانون البحار واتفاقيات تقاسم الموارد الباطنية، حيث لا يتم التعامل مع هذه المكامن بمنطق الحدود السطحية فقط، بل وفق امتدادات جيولوجية دقيقة تحدد طبيعة الحقل وحجمه الحقيقي ودرجة اتصاله بين الجانبين.

أحمد طرطار خبير طاقوي
أحمد طرطار خبير طاقوي

ويؤكد أن تحديد كيفية استغلال الموارد الباطنية يتم عادة اعتمادًا على دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية متقدمة، تشمل المسح الزلزالي وتحليل الطبقات الأرضية ونمذجة الخزانات النفطية والغازية، بهدف رسم صورة علمية دقيقة لامتداد المكمن داخل كل دولة، وعلى هذا الأساس، يتم الانتقال من منطق “التقسيم الجغرافي” إلى منطق “التوزيع الفني للاحتياطيات”، بما يضمن عدالة الاستغلال ويحد من المخاطر التقنية المرتبطة بالحفر غير المنسق.

ويضيف طرطار أن الحالات التي يُثبت فيها وجود مكامن مشتركة تستدعي في الغالب تفعيل مسار الاتفاقيات الثنائية بين الدول المعنية، باعتبارها الأداة القانونية الأكثر فاعلية لتنظيم هذا النوع من الموارد الحساسة، وغالبًا ما تُبرم هذه الاتفاقيات في إطار احترام مبدأ السيادة، لكنها في الوقت ذاته تفتح المجال أمام إدارة مشتركة أو منسقة تضمن استغلالا عقلانيا ومستداما للثروات الطبيعية.

كما يشير إلى أن أهمية هذه الاتفاقيات لا تقتصر على الجانب التقني أو الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البعد الاستراتيجي، حيث تساهم في تقليص احتمالات التوتر بين الدول الجارة، وتوفير إطار مؤسسي واضح لتبادل المعلومات الجيولوجية، وتنسيق عمليات الإنتاج، ووضع آليات مشتركة للرقابة والمتابعة، وهذا ما يجعلها، بحسب تعبيره، أداة أساسية لتحويل الموارد المشتركة من مصدر محتمل للخلاف إلى رافعة للتعاون الإقليمي.

 

آليات الاستغلال والتجارب في إدارة الحقول المشتركة

ويشير أحمد طرطار إلى أن إدارة الحقول المشتركة بين الدول لا تقوم على نموذج واحد ثابت، بل تتنوع بحسب طبيعة العلاقات الثنائية، وحجم الحقل، ودرجة تعقيد الامتداد الجيولوجي، إضافة إلى الاعتبارات الاقتصادية والتقنية المرتبطة بعمليات الاستخراج والإنتاج، فبعض الحالات تفرض حلولًا مرنة تتجاوز التقسيم التقليدي للحدود، لصالح مقاربات أكثر تكاملا وفعالية.

ويضيف أنه في بعض السيناريوهات قد يتم الاتفاق بين دولتين على منح حق استغلال الحقل بالكامل لطرف واحد، رغم امتداد جزء منه جغرافيًا داخل الدولة الأخرى، وذلك وفق ترتيبات قانونية وتعويضات مالية أو عينية متفق عليها مسبقًا، ويُعتمد هذا النموذج عندما تكون الكلفة التقنية للتقسيم مرتفعة، أو عندما يكون من الأكثر كفاءة اقتصاديًا تشغيل الحقل كوحدة واحدة تحت إدارة موحدة، بما يضمن استغلالا أسرع وأكثر استقرارا للمكمن.

وفي المقابل، هناك نماذج أخرى تعتمد على مبدأ التقسيم النسبي للمكمن وفق الامتداد الجيولوجي الفعلي، حيث يتم تحديد الحصص بناءً على الدراسات العلمية التي توضح نسبة وجود الاحتياطيات داخل كل دولة، ويُعد هذا النموذج الأكثر شيوعًا عندما تكون المعطيات الجيولوجية واضحة وقابلة للقياس الدقيق، إذ يسمح لكل طرف بالاحتفاظ بحقوقه السيادية مع ضمان استغلال منظم للموارد المشتركة.

كما يؤكد طرطار أن بعض التجارب الدولية أظهرت أن غياب التنسيق في استغلال المكامن المشتركة قد يؤدي إلى نتائج سلبية، مثل انخفاض الضغط داخل الخزان، أو تسارع الاستنزاف غير المتوازن للموارد، أو حتى نشوء خلافات تقنية وقانونية بين الأطراف المعنية، لذلك، فإن الاتجاه الحديث في صناعة الطاقة يميل بشكل متزايد نحو حلول “الإدارة الموحدة” أو “التطوير المشترك”، باعتبارها أكثر كفاءة واستدامة.

ويلفت إلى أن اختيار نموذج الاستغلال لا يخضع فقط للاعتبارات التقنية، بل يتأثر أيضًا بدرجة الثقة السياسية بين الدول، وبمدى استعدادها لتبني مقاربة تشاركية في إدارة الموارد الطبيعية، فكلما ارتفع مستوى التعاون، زادت فرص اعتماد حلول مشتركة تحقق التوازن بين السيادة الوطنية والمردودية الاقتصادية، وتجنب في الوقت ذاته أي نزاعات مستقبلية حول استغلال الثروات الباطنية.

 

البعد الجيوسياسي وأهمية التعاون المغاربي

ويؤكد الخبير في الطاقة، أحمد طرطار، أن إدارة الموارد الطاقوية العابرة للحدود في المنطقة المغاربية لا يمكن فصلها عن السياق الجيوسياسي العام الذي يحكم العلاقات بين دول الإقليم، حيث تتجاوز مسألة النفط والغاز بعدها التقني البحت لتصبح جزءًا من منظومة أوسع من المصالح الاستراتيجية والتوازنات الإقليمية، فالموارد الباطنية، بحسب تعبيره، ليست فقط ثروة اقتصادية، بل أيضًا عنصر من عناصر بناء النفوذ وتعزيز الاستقرار والتكامل بين الدول.

ويضيف أن المنطقة المغاربية تقدم بالفعل نماذج عملية يمكن الاستناد إليها في هذا المجال، حيث تتقاطع بعض التكوينات الجيولوجية بين الجزائر وتونس، سواء في مجالات النفط أو الغاز أو حتى بعض الموارد المنجمية، وقد تم التعامل مع هذه الحالات عبر اتفاقيات ثنائية وتنظيمات تقنية مشتركة سمحت بتسيير عمليات الاستغلال بشكل منسق دون الإخلال بالسيادة الوطنية لأي طرف، ويبرز هذا النوع من التعاون قدرة الدول على تحويل التعقيدات الجيولوجية إلى فرص للتنسيق بدل أن تكون مصدرًا للاحتكاك أو التوتر.

كما يشير طرطار إلى أن هذه التجارب، رغم طابعها التقني، تحمل في جوهرها رسالة سياسية واضحة، مفادها أن حسن الجوار يمكن أن يشكل قاعدة صلبة لإدارة الموارد الطبيعية المشتركة، فكلما ارتفع مستوى التنسيق بين الدول، تقلصت احتمالات النزاع، وازدادت فرص تحقيق استغلال عقلاني ومستدام للثروات، بما ينعكس إيجابًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة ككل.

ويختم الخبير بالتأكيد على أن البعد الجيوسياسي لهذا النوع من التعاون لا يقتصر على إدارة الموارد فقط، بل يمتد إلى تعزيز الروابط التاريخية والثقافية والحضارية بين شعوب المنطقة، التي تجمعها قواسم مشتركة متعددة، من اللغة والدين إلى التاريخ والمصير المشترك، ومن هذا المنظور، فإن التعاون في قطاع الطاقة يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لإعادة بناء الثقة وتعزيز مسار التكامل الإقليمي، بما يفتح المجال أمام شراكات أوسع وأكثر عمقًا بين دول الجوار المغاربي.

 

منطق الجغرافيا في إدارة الحقول العابرة للحدود

وفي السياق ذاته، يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الحقول العابرة للحدود بين الجزائر وليبيا، وخاصة ما يتعلق بحقلَي الرار والوفاء، تجسد بوضوح أحد المبادئ الأساسية الحاكمة لاقتصاد الطاقة العالمي، والمتمثل في أن التكوينات الجيولوجية لا تعترف بالحدود السياسية، بل تتشكل وفق ديناميكيات طبيعية تمتد عبر الزمن الجيولوجي الطويل، بعيدًا عن التقسيمات الإدارية للدول.

هزاري تيغرسي خبير اقتصادي
هزاري تيغرسي خبير اقتصادي

ويضيف أن هذا التباين بين منطق الطبيعة ومنطق السياسة يجعل من إدارة الموارد الباطنية مسألة معقدة، لأن النفط والغاز يتحركان داخل مكامن مشتركة قد تمتد عبر أكثر من دولة، بينما تُلزم السيادة الوطنية كل طرف بإدارة موارده ضمن حدوده الجغرافية، وهنا تظهر الإشكالية الجوهرية: كيف يمكن التوفيق بين حق كل دولة في استغلال مواردها، وبين الطبيعة المتصلة لبعض هذه المكامن؟

ويؤكد تيغرسي أن استمرار التعامل مع هذه الحقول بمنطق التقسيم الصارم قد يؤدي في بعض الحالات إلى استغلال غير متوازن أو غير كفء للمكمن، خاصة إذا لجأت كل دولة إلى تطوير جزئها بشكل منفصل، ما قد يؤثر على الضغط الباطني للمخزون ويقلل من مردودية الإنتاج على المدى الطويل، لذلك، فإن التحوّل نحو مقاربة تشاركية لم يعد خيارا سياسيا فقط، بل ضرورة تقنية واقتصادية تفرضها طبيعة الصناعة الطاقوية الحديثة.

كما يشير إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في إدارة هذا النوع من التداخل الجيولوجي هي تلك التي تبنّت مقاربة “المصلحة المشتركة” بدل “الحدود المغلقة”، حيث تم تحويل الحقول المشتركة من مصدر محتمل للنزاع إلى رافعة للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

 

الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية والتعاون المستقبلي

ويرى الخبير أن هذا النوع من الإدارة المشتركة يكتسي أهمية بالغة، لأنه يضمن استغلالا عقلانيا للموارد ويجنب مخاطر هبوط الضغط داخل المكمن أو الدخول في سباق إنتاج غير اقتصادي، كما يشير إلى أن تجارب دولية مثل بحر الشمال بين النرويج والمملكة المتحدة، والمنطقة المقسومة بين السعودية والكويت، تؤكد نجاح هذا النموذج القائم على التعاون بدل التنافس.

ويختم تيغرسي بأن الحقول المشتركة بين الجزائر وليبيا يمكن أن تتحول إلى فرصة استراتيجية لتعزيز التكامل الطاقوي الإقليمي، وخفض التكاليف، وجذب الاستثمارات، وبناء أمن طاقوي مغاربي قائم على الشراكة بدل الحدود، في ظل سيناريوهات مستقبلية يبقى أكثرها واقعية هو التدرج نحو تعاون تقني ومؤسساتي مشترك.