الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الخبرة الجزائرية تواكب طموحات السنغال في تطوير قطاع المحروقات

Author
صبرينة عيلان 08 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه الجزائر إلى توسيع حضورها في المشهد الطاقوي الإفريقي، من خلال تعزيز شراكاتها مع الدول الصاعدة في مجال المحروقات، في إطار مقاربة تقوم على تقاسم الخبرات، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، بما يكرس دورها كفاعل محوري في دعم الأمن الطاقوي للقارة.

ومع دخول عدد من الدول الإفريقية، وفي مقدمتها السنغال، مرحلة جديدة من استغلال مواردها النفطية والغازية عقب الاكتشافات الكبرى التي شهدتها السنوات الأخيرة، تبرز الخبرة الجزائرية، ممثلة في مجمع سوناطراك والمؤسسات الوطنية المتخصصة، كأحد أهم النماذج التي يمكن الاستفادة منها في تطوير الصناعات الاستخراجية وتعزيز القيمة المضافة لقطاع الطاقة.

وفي هذا السياق، تواصل الجزائر والسنغال دفع علاقاتهما الثنائية نحو مستوى أكثر عمقا، عبر توسيع التعاون في مختلف حلقات سلسلة القيمة لصناعة النفط والغاز، من الاستكشاف والإنتاج إلى التكرير والبتروكيمياء، مرورا بالتكوين ونقل المعرفة والحوكمة الطاقوية. ويعكس هذا التوجه إرادة مشتركة لتحويل العلاقات السياسية والتاريخية المتميزة بين البلدين إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية قادرة على مواكبة التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة في القارة الإفريقية، وتعزيز التعاون جنوب – جنوب باعتباره خيارا استراتيجيا لتحقيق التنمية المستدامة.

الشراكة الجزائرية – السنغالية في المحروقات تؤسس لتحالف إفريقي جديد
وفي الموضوع، أكد الدكتور بغداد مندوش، الخبير في مجال النفط والمحروقات، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن توجه الجزائر نحو تعزيز التعاون مع السنغال في قطاع النفط والغاز لا يمثل مجرد اتفاق اقتصادي ظرفي، وإنما يندرج ضمن استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى تبنتها الجزائر منذ سنوات لترسيخ حضورها في القارة الإفريقية، عبر توسيع نشاط مجمع سوناطراك خارج الحدود، والاستفادة من التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة في عدد من الدول الإفريقية.

وأوضح أن الجزائر أصبحت تعتمد رؤية جديدة في سياستها الطاقوية الخارجية، تقوم على مرافقة الدول الإفريقية في تطوير ثرواتها الطبيعية، من خلال تصدير الخبرة والكفاءة والتكنولوجيا، وليس فقط الاستثمار المالي، مشيرا إلى أن هذه المقاربة تمنح سوناطراك مكانة الشريك التقني والاستراتيجي الذي يرافق الدول الإفريقية في مختلف مراحل بناء صناعاتها البترولية والغازية.

وأضاف أن هذا التوجه يجسده بشكل واضح نشاط فرع سوناطراك المختص بالاستثمارات الخارجية “سيبيكس”، الذي وضع خلال السنوات الأخيرة خطة توسع مدروسة داخل القارة الإفريقية، تستهدف الدول التي تمتلك احتياطيات واعدة من النفط والغاز، وفي مقدمتها السنغال.

الاكتشافات البحرية الضخمة جعلت السنغال إحدى أهم الوجهات الطاقوية الجديدة في غرب إفريقيا

وأشار الدكتور مندوش إلى أن السنغال أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أكثر الدول الإفريقية جذبا للاستثمارات الطاقوية، بعد الاكتشافات الكبيرة التي عرفتها في حقول النفط والغاز البحرية (Offshore)، وهو ما غيّر مكانتها في خارطة الطاقة العالمية.

وأضاف أن هذه الاكتشافات تضع السنغال أمام تحديات كبيرة، لأن اكتشاف الموارد الطبيعية لا يكفي وحده لتحقيق التنمية، بل يتطلب امتلاك الخبرة التقنية والهندسية اللازمة لتطوير الحقول واستغلالها بالشكل الأمثل.

وأوضح أن أغلب الدول حديثة العهد بالإنتاج تواجه صعوبات في الانتقال من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة الإنتاج التجاري، بسبب نقص الخبرة الوطنية في إدارة المشاريع البترولية الكبرى، وهو ما يجعل التعاون مع دول تمتلك تجربة طويلة، مثل الجزائر، خيارا استراتيجيا بالنسبة للسنغال.

وأكد الخبير أن سوناطراك لا تعد مجرد شركة منتجة للمحروقات، بل مجمع طاقوي متكامل راكم خبرة تمتد لأكثر من ستة عقود في مختلف حلقات الصناعة النفطية والغازية.

وأوضح أن هذه الخبرة تشمل عمليات الاستكشاف الجيولوجي، وتقييم الاحتياطيات، وحفر الآبار، وتطوير الحقول، والإنتاج، ونقل النفط والغاز عبر شبكات الأنابيب، إضافة إلى النقل البحري بواسطة ناقلات النفط والغاز، فضلا عن التكرير، والبتروكيمياء، وإنتاج الغاز الطبيعي المميع وتسويقه عالميا.

وأضاف أن هذا التكامل يمنح الجزائر ميزة تنافسية كبيرة مقارنة بعديد الشركات الوطنية في القارة الإفريقية، لأن سوناطراك تمتلك تجربة عملية في إدارة مشاريع عملاقة بمختلف مراحلها، وهو ما يجعلها قادرة على مرافقة السنغال منذ بداية تطوير حقولها إلى غاية تسويق منتجاتها في الأسواق الدولية.

وأشار الدكتور بغداد مندوش إلى أن التعاون مع السنغال لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى رصيد مهم من التجارب التي راكمتها سوناطراك في عدة دول إفريقية.

وأوضح أن المجمع ينشط منذ سنوات في ليبيا، حيث حقق نتائج معتبرة في مجال الاستكشاف، كما وسّع نشاطه في النيجر منذ سنة 2015، وشارك في مشاريع استكشاف وتطوير الحقول، إضافة إلى حضوره في موريتانيا في مجالات البحث والاستكشاف وتطوير المشاريع الطاقوية.

وأكد أن هذه التجارب منحت سوناطراك معرفة دقيقة بخصوصيات العمل في البيئة الإفريقية، سواء من الناحية الجيولوجية أو التقنية أو التنظيمية، وهو ما يسهّل عليها نقل هذه الخبرة إلى مشاريع جديدة في السنغال.
وأضاف أن نجاح الجزائر في هذه المشاريع عزز ثقة العديد من الدول الإفريقية في قدرات سوناطراك كشريك موثوق، يمتلك الكفاءة التقنية والموارد البشرية اللازمة لإنجاز المشاريع الكبرى.

السنغال تحتاج إلى خبرة الجزائر أكثر من حاجتها إلى التمويل
ويرى الدكتور مندوش أن القيمة الحقيقية التي يمكن أن تقدمها الجزائر للسنغال لا تكمن في التمويل، وإنما في الخبرة الفنية والهندسية التي يصعب تعويضها.

وأوضح أن تطوير حقول الغاز البحرية يتطلب تقنيات متقدمة في الحفر والإنتاج، إضافة إلى خبرات عالية في إدارة المشاريع، والسلامة الصناعية، والرقمنة، ومراقبة المنشآت، وهي مجالات تمتلك فيها الجزائر تجربة طويلة.
وأضاف أن السنغال ستكون بحاجة كذلك إلى الخبرة الجزائرية في وضع المخططات الخاصة بتطوير الحقول، وإدارة الإنتاج، وتحديد أفضل الحلول التقنية لاستغلال الاحتياطيات الجديدة وفق المعايير الدولية.

وأشار إلى أن الجزائر تستطيع مرافقة السنغال في جميع مراحل المشروع، بداية من الدراسات الهندسية، وصولا إلى الإنتاج والتصدير.

وأكد الخبير أن أكبر قيمة مضافة يمكن أن تستفيد منها السنغال تتمثل في الخبرة الجزائرية في مجال الغاز الطبيعي المميع (LNG)، باعتبار أن الجزائر تعد من الدول الرائدة عالميا في هذا المجال.

وأوضح أن سوناطراك تمتلك خبرة تتجاوز ستين سنة في إنتاج الغاز الطبيعي المميع وتحويله ونقله وتسويقه، وهي تجربة يصعب اكتسابها في فترة قصيرة.

وأضاف أن منشآت أرزيو وسكيكدة شكلت على مدار عقود مدارس حقيقية في تكنولوجيا تمييع الغاز، وإدارة محطات الإسالة، ونقل الغاز إلى الأسواق العالمية، وهو ما يمكن أن تستفيد منه السنغال مع دخولها تدريجيا سوق تصدير الغاز.

وأشار إلى أن امتلاك الاحتياطيات لا يكفي وحده لتحقيق العائدات، بل إن القيمة الاقتصادية الحقيقية تتحقق من خلال التحكم في سلسلة القيمة الكاملة، ابتداء من الإنتاج، مرورا بالتمييع، وانتهاء بالتسويق الدولي.
وشدد الدكتور بغداد مندوش على أن التعاون بين البلدين يجب ألا يقتصر على المشاريع الصناعية فقط، وإنما ينبغي أن يشمل أيضا الاستثمار في العنصر البشري.

وأوضح أن المعهد الجزائري للبترول ببومرداس يمثل أحد أهم المؤسسات التكوينية في إفريقيا في مجال النفط والغاز، فقد راكم تجربة طويلة في تكوين المهندسين والتقنيين والإطارات العليا.

وأضاف أن المعهد استقبل خلال السنوات الماضية متربصين من عدة دول إفريقية، من بينها موريتانيا والنيجر، مؤكدا أن توسيع هذا التعاون ليشمل السنغال سيشكل استثمارا استراتيجيا طويل المدى، لأنه يسمح بتكوين كفاءات سنغالية قادرة على قيادة الصناعة البترولية الوطنية مستقبلا.

وأشار إلى أن نقل المعرفة والتكنولوجيا أصبح اليوم أهم من نقل المعدات، لأن بناء الكفاءات المحلية يضمن استدامة المشاريع وتحقيق الاستقلالية التقنية للدول الإفريقية.

كما يرى الخبير أن من أهم المجالات التي يمكن أن تستفيد فيها السنغال من خبرة الجزائر قطاع التكرير والصناعات التحويلية المرتبطة بالمحروقات.
وأوضح أن سوناطراك تمتلك خبرة معتبرة في تشغيل وتطوير المصافي البترولية، وإنتاج مختلف أنواع الوقود والمنتجات النفطية، بما يسمح للسنغال بتقليص اعتمادها على استيراد المشتقات البترولية مستقبلا.

وأضاف أن تطوير صناعة التكرير داخل السنغال سيحقق قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني، لأنه يسمح بتحويل النفط الخام محليا، وخلق مناصب شغل، وتوفير الوقود للسوق الداخلية، وفتح آفاق للتصدير نحو الأسواق الإفريقية المجاورة.

وأكد الدكتور بغداد مندوش أن التعاون بين الجزائر والسنغال في قطاع المحروقات يتجاوز البعد التجاري التقليدي، ليؤسس لنموذج جديد من الشراكات الإفريقية القائمة على تبادل الخبرات وبناء القدرات المحلية وتحقيق التكامل الاقتصادي.

مضيفا أن الجزائر، بما تمتلكه من خبرة عريقة في الصناعة البترولية والغازية، قادرة على أداء دور محوري في مرافقة الدول الإفريقية الصاعدة في قطاع الطاقة، مشيرا إلى أن نجاح هذه الشراكات سيعزز الأمن الطاقوي للقارة، ويرسخ مكانة سوناطراك كفاعل إفريقي ودولي مؤثر، ويجعل من التعاون الجزائري-السنغالي نموذجا للتعاون جنوب-جنوب القائم على نقل التكنولوجيا والمعرفة وتحقيق التنمية المشتركة.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑