2025.01.13
الخبير الأمريكي جاستن توماس لـ\ حديث الساعة

الخبير الأمريكي جاستن توماس لـ"الأيام نيوز": مادورو في الفخ والهدف الحقيقي بحيرة النفط التي تحت أقدامه


ربيعة خطاب
06 يناير 2026

مثّل اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وإيداعه قسرا في أحد السجون الأمريكية، منذ مساء السبت الماضي، عملا عدوانيا صارخا من الولايات المتحدة، يستهدف سيادة فنزويلا ومواردها الاستراتيجية، إذ لم يقتصر الأمر على تغيير النظام السياسي، لأسباب إيديولوجية فحسب، بل يكمن السبب الحقيقي، في أن أقدام مادورو تقف فوق أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ما يحوّل الواقعة إلى مواجهة مباشرة، بين الهيمنة الأمريكية ومبادئ القانون الدولي، وحق الدول في استقلالها، حيث تتحول القوة العسكرية والسياسية إلى أداة للهيمنة على الموارد، بدل حماية الأمن والاستقرار العالمي، ويؤكد المحلل، جاستن توماس راسل، المدير التنفيذي لمركز السياسة الخارجية العالمية – في حديث لـ"الأيام نيوز" - أن ما يحدث في فنزويلا يعكس سياسة أمريكية ممنهجة، استخدمت العقوبات والديون والفوضى المؤسسية، لإضعاف هذه الدولة وفرض السيطرة على ثرواتها النفطية.

يؤكد الخبير الأمريكي جاستن توماس راسل، المدير التنفيذي لمركز السياسة الخارجية العالمية - بواشنطن - في تصريحاته لـ"الأيام نيوز"، أن ما يجري في فنزويلا لا يمكن فهمه بمعزل عن منطق الصراع الدولي على الموارد، إذ تتحول الدولة صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم إلى ساحة لصراعات النفوذ العالمية. فالعقوبات، والعزلة الدبلوماسية، والفوضى المؤسسية، جميعها أدوات لا تستهدف فقط الضغط على القيادة، بل تهدف إلى إعادة رسم سوق الطاقة، والسيطرة على القرار النفطي، وتحويل ثروة البلاد من مصدر قوة لأصحابها إلى وسيلة ضغط دولية بيد القوى الخارجية. وفي هذا الإطار، يصبح اختطاف رئيس الدولة، نيكولاس مادورو، جريمة كبرى لا يمكن تمريرها على أنها مجرد حدث سياسي داخلي، بل اعتداء على سيادة الدولة ومنظومة القرار الوطني.

في الواقع، ما حدث في كراكاس خلال عملية اختطاف مادورو وزوجته سيليا فلوريس قبل أيام، يعكس هذا المنطق الاستراتيجي. فقد مثل مادورو أمام محكمة في نيويورك يوم الاثنين، بعد يومين من اختطافه، ونفى جميع التهم الموجهة إليه بشأن الاتجار بالمخدرات والإرهاب، مؤكدا أنه لم يطلع على لائحة الاتهام قبل المثول أمام المحكمة، وأنه لا يزال يعتبر نفسه رئيسا لفنزويلا. كما دافعت زوجته عن براءتها، فيما استمرّت جلسة المحاكمة نحو 30 دقيقة، وأُمر مادورو بالمثول لجلسة استماع أخرى في 17 مارس المقبل.

يعتبر راسل أن استهداف القيادة في الدول النفطية لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل القرار السيادي المرتبط بإدارة الموارد الطبيعية. فالدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط، مثل فنزويلا، تصبح سيادتها السياسية تلقائيا جزءا من معادلة الطاقة العالمية، ولا يمكن النظر إلى أي اهتزاز في هرم السلطة بوصفه مجرد أزمة داخلية. التاريخ الدولي يظهر أن السيطرة على النفط لا تتحقق دائما بالقوة العسكرية المباشرة، بل غالبا عبر إضعاف الدولة ماليا ومؤسساتيا، ودفعها إلى حالة من العجز تجعلها مضطرة للقبول بتسويات مفروضة، ما يحوّل الموارد الوطنية إلى أدوات ضغط بيد قوى خارجية.

في الحالة الفنزويلية، تتجلى هذه الاستراتيجية بشكل واضح من خلال سنوات من العقوبات الاقتصادية التي عطلت قدرة قطاع النفط على الإنتاج، وقلّصت الإيرادات، وزادت من أعباء الديون التي تراكمت إلى ما يزيد عن 150 مليار دولار. هذه الديون لم تعد مجرد التزامات مالية، بل تحولت إلى أداة ابتزاز استراتيجية تتيح للأطراف الخارجية التأثير في السياسات الوطنية والتفاوض على مستقبل قطاع الطاقة بعيدا عن إرادة الحكومة الفنزويلية. وفي ظل هذه الضغوط، تصبح أي محاولة لاستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي مرهونة بالشروط التي يفرضها الخارج، لا بمبادرات محلية مستقلة.

استراتيجية "الضغط المركب"

يشدد راسل على أن تغييب رأس السلطة في هذا السياق، سواء عبر الاختطاف أو التهديد أو العزلة السياسية، لا يقتصر على خلق فراغ سياسي داخلي، بل يفتح الباب أمام إعادة ترتيب شاملة للقطاع النفطي. غياب القيادة يضعف قدرة الدولة على الدفاع عن نموذجها السيادي في إدارة الموارد، ويتيح للأطراف الخارجية إعادة التفاوض على الديون والعقود والامتيازات بشروط غير متكافئة. فالنفط في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُستحوذ عليه بالاحتلال المباشر، بل بالتحكم في القرار: من يملك القرار يحدد من يستخرج النفط، ومن يبيعه، وبأي شروط.

من منظور راسل، الولايات المتحدة بوصفها فاعلا مركزيا في سوق الطاقة العالمي، تنظر إلى فنزويلا من زاوية استراتيجية بعيدة المدى، وليس فقط من زاوية الأزمة الراهنة. فالعودة المحتملة للنفط الفنزويلي إلى السوق العالمية ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل ورقة جيوسياسية قادرة على إعادة ضبط موازين الطاقة، خصوصا في ظل التحولات الدولية والتوترات مع منتجين كبار آخرين. لكن هذه العودة مشروطة بإعادة هندسة البيئة السياسية والمؤسسية التي تتحكم في القطاع النفطي، وهو ما يجعل أي تهديد لقيادة الدولة، مثل اختطاف مادورو، جزءا من استراتيجية "الضغط المركب" التي تشمل العقوبات والديون والعزل السياسي لإجبار الدولة على خيارات محدودة.

ويبرز راسل أن شلل الإنتاج النفطي في فنزويلا لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة لأزمة داخلية فقط، بل كعامل وظيفي يخدم توازنات أوسع في سوق الطاقة العالمية. حين يخرج منتج بحجم فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد، من دائرة التأثير الفعلي، لا يختفي النفط من المعادلة، بل يعاد توزيع النفوذ بين قوى كبرى قادرة على تعويض هذا النقص أو توجيهه سياسيا. العقوبات والفوضى السياسية أعادت تشكيل خريطة الحصص داخل سوق الطاقة، وخففت المنافسة على بعض الأسواق، ورفعت هامش المناورة أمام منتجين آخرين، ما يجعل انخفاض الإنتاج الفنزويلي مكسبا غير مباشر لهذه القوى الكبرى.

الضغوط الناعمة

يشير راسل إلى أن إبقاء الإنتاج في حالة شلل جزئي يتيح التحكم في توقيت عودة النفط وشروطها، بدلا من تركها تخضع لمنطق سيادي مستقل. فعودة الإنتاج لن تكون مجانية، بل سترتبط بإعادة هيكلة القطاع النفطي وفتح المجال أمام شركات أجنبية وتكنولوجيا وتمويل خارجي، وفي مقدمتها البوابة الأمريكية. وهنا يصبح السؤال المركزي: من يحدد شروط عودة النفط، ومن يملك مفاتيح التحكم السياسي والمالي فيه؟

أما بالنسبة للديون، فيرى راسل أنها تمثل الحلقة الأهم في معادلة السيطرة على أي دولة، إذ تتحول الديون الضخمة من مجرد التزامات مالية إلى أداة ضغط استراتيجية تجعل النفط يتحول من مصدر قوة إلى ضمانة تفاوضية. فهذه الديون لا يُنظر إليها بوصفها التزاما ماليا فحسب، بل تصبح وسيلة ابتزاز طويل الأمد تمكّن الأطراف الخارجية من التأثير في القرار السيادي للدولة. وعليه، فإن أي تسوية محتملة، سواء مع مؤسسات مالية دولية أو دول دائنة، لا تمر إلا عبر مستقبل القطاع النفطي، لتصبح شروط التحكم في الثروة الوطنية جزءا أساسيا من عملية إعادة الهيكلة.

لذلك فإن وصفات الإنقاذ المالية التي قد تُعرض على فنزويلا في ظل غياب قيادة مستقرة تحمل في ظاهرها حلولا، لكنها في عمقها تهدف إلى إعادة رسم العلاقة بين الدولة وثروتها النفطية، سواء من خلال جدولة الديون أو رفع جزئي للعقوبات أو فتح الامتيازات، مما يقلص قدرة الدولة على التحكم الكامل بالإنتاج والتسعير، وهكذا فإن النفط والديون معا يتحولان إلى أدوات استراتيجية للضغط والسيطرة على القرار الوطني.

ويخلص راسل إلى أن المستفيد الحقيقي من شلل الإنتاج الفنزويلي لا يتمثل في السوق بوصفه كيانا محايدا، بل في القوى الكبرى القادرة على توظيف هذا الشلل سياسيا واقتصاديا. فالأزمة ليست مجرد صراع على الحكم بقدر ما تمثل معركة شاملة لتحديد من يملك قرار تدفق النفط، ومن يحوّل الديون والعقوبات إلى أدوات لإعادة هندسة السيادة الوطنية. وفي عالم باتت فيه القوى المهيمنة تدير الصراعات عبر العقوبات والضغوط الناعمة بدل اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة، يصبح التحكم في القرار النفطي الهدف المركزي الذي تتحرك من أجله هذه القوى، حتى وإن تحقق ذلك دون إطلاق رصاصة واحدة.