الإثنين، 18 مايو 2026 — 30 ذو القعدة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الخبير الاقتصادي دريد عبد الله لـ”الأيام نيوز”: الحرب على إيران تخلط أوراق الطاقة في أوروبا

Author
ربيعة خطاب 15 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

في ظلّ العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، تتجه أنظار الاقتصاد العالمي إلى أوروبا، باعتبارها من أكثر المناطق حساسية لتقلبات أسعار النفط والغاز والاضطرابات في سلاسل الإمداد الدولية، ذلك أن التصعيد في منطقة الخليج يفرض ضغوطًا متزايدة على الأسواق الأوروبية، من خلال ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي، إضافة إلى اضطرابات محتملة في حركة التجارة الدولية.

دريد عبد الله

وفي هذا السياق، يوضّح الخبير المالي المقيم في ألمانيا، دريد عبد الله، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التأثير المباشر للحرب على أوروبا سيظهر أساسا عبر سوق النفط العالمية، لأن الأزمة الحالية ذات طبيعة نفطية بالدرجة الأولى، مشيرا إلى أن نحو 20 مليون برميل من النفط يوميا تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي تهديد للملاحة في هذا الممر الحيوي ينعكس سريعًا على الأسعار العالمية. ويضيف أن أوروبا لا تعتمد بشكل مباشر على النفط الإيراني، غير أن ارتفاع الأسعار عالميا ينعكس تلقائيا على تكلفة الطاقة والنقل والتكرير داخل القارة. ويكشف في هذا الإطار أن أسعار الغاز في أوروبا ارتفعت بنحو 60 في المائة منذ بداية التوترات الأخيرة، رغم أنها لا تزال بعيدة عن مستويات أزمة الطاقة التي شهدها العالم عام 2022.

ويرى الخبير المالي دريد عبد الله أن حالة عدم اليقين في الأسواق ما تزال مرتفعة، ما يمنع استقرار الأسعار في المدى القريب، على اعتبار أن التأثير الفوري يظهر عادة في شكل تقلبات حادة وارتفاعات متتالية في أسعار الطاقة، بينما قد يؤدي استمرار الصراع على المدى الطويل إلى بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيا، الأمر الذي يجعل تأمين الإمدادات وإعادة ملء مخزونات الغاز أكثر كلفة على الدول الأوروبية وعلى المواطنين أيضًا.

وفيما يتعلق بالقطاعات الاقتصادية الأكثر تأثرا، يوضح دريد عبد الله، أن الصناعات التي تعتمد بشكل مباشر على الوقود ستكون في مقدمة المتضررين، وعلى رأسها قطاع الطيران والنقل البحري والخدمات اللوجستية، حيث يشكل الوقود جزءا كبيرا من تكاليفها التشغيلية. ومع ارتفاع أسعار النفط ترتفع تكاليف التشغيل لهذه الشركات، وغالبا ما يصعب عليها نقل هذه الزيادة بسرعة إلى أسعار التذاكر أو خدمات الشحن، ما يضغط على هوامش أرباحها ويؤثر سلبا في أداء أسهمها في الأسواق المالية، بينما في المقابل، تستفيد شركات النفط والغاز من هذه الأوضاع، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة الإيرادات والأرباح، ما يدفع عادة أسهم شركات الطاقة إلى الصعود في مثل هذه الفترات. كما قد تستفيد بعض شركات التكرير والدفاع، بينما تتعرض الصناعات الثقيلة كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والمعادن، لضغوط إضافية بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وفي هذا السياق يشير دريد عبد الله إلى أن التوترات في مناطق إنتاج الطاقة تنعكس سريعًا على أسواق المال من خلال ارتفاع مستويات التقلب وعدم اليقين. ففي مثل هذه الحالات، تتعرض أسهم القطاعات الأكثر حساسية لتكاليف الطاقة، مثل الصناعة والنقل، لضغوط واضحة نتيجة ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التشغيل. في المقابل، قد تستفيد منها شركات الطاقة لأن ارتفاع الأسعار العالمية يزيد من إيراداتها، كما قد تشهد شركات الدفاع اهتمامًا استثماريا أكبر في ظل التوترات الجيوسياسية.

ويضيف دريد، أن ارتفاع أسعار النفط قد يخلق أيضا ضغوطا تضخمية إضافية داخل أوروبا، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين المرتبطة بتوقعات النمو الاقتصادي والسياسة النقدية. ونتيجة لذلك، قد يتجه جزء من المستثمرين مؤقتا نحو القطاعات الأقل حساسية للدورات الاقتصادية أو نحو القطاعات المرتبطة بالطاقة، مثل إنتاج الكهرباء.

أما بخصوص السياسات الطاقوية، يؤكد دريد عبد الله، أن أوروبا بدأت بالفعل في إجراء تغييرات هيكلية عميقة في استراتيجيتها للطاقة، منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، لكن -وبحسب توقعاته- فإن أي توتر جديد في الشرق الأوسط قد يسرّع هذه التحولات بدل أن يبطئها، حيث أن الاتحاد الأوروبي تبنّى مسارا استراتيجيا يقوم على تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد من خارج دوله السبع والعشرين، ويتجسد ذلك في سياسات الحياد الكربوني التي تهدف إلى خفض الانبعاثات تدريجيا وصولا إلى تحقيق الحياد المناخي الكامل بحلول عام 2050. كما أقر الاتحاد خططا تتعلق بقطاع النقل، من أبرزها قرار وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي ابتداء من عام 2035.

وبالتوازي مع ذلك، يرى الخبير المالي دريد عبد الله  أن الدول الأوروبية تعمل على تنويع مصادر الطاقة، وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال، وتعزيز قدرات التخزين، إضافة إلى تسريع الاستثمارات في الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء. ويهدف هذا التوجه، بحسب الخبير المالي دريد عبد الله، ليس فقط إلى خفض الانبعاثات، بل أيضا إلى تقليل الاعتماد الجيوسياسي على مناطق التوتر والصراع، مثل الشرق الأوسط وروسيا، وجعل النظام الطاقوي الأوروبي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.