السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

الخليج أمام اختبار السيادة

Author
وائل خليل ياسين 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تعد القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج تفصيلا أمنيا يمكن النظر إليه باعتباره ضمانة مستقرة كما كان يُروَّج لعقود. ما كان يُقدَّم بوصفه مظلة حماية، يتحول اليوم تدريجيا إلى عامل استدعاء مباشر للمخاطر. لم يعد الأمر مجرد تحليل نظري، بل واقعا يتشكل على الأرض: وجود عسكري كثيف يربط أمن الخليج بقرارات تُتخذ خارج حدوده، ويضعه تلقائيا داخل أي معادلة تصعيد إقليمي أو دولي.

التطورات الأخيرة في المواجهة الأمريكية-الصهيونية مع إيران لم تكن حدثا عابرا، بل لحظة كاشفة بكل وضوح. لقد أظهرت حدود نموذج “الأمن بالوكالة”، وكشفت أن هذا النموذج لا يصنع استقرارا بقدر ما يؤجل لحظة الانفجار. حين تتحوّل الجغرافيا إلى منصة صراع، يفقد القرار السيادي معناه، ويتحوّل الأمن إلى متغير خاضع لإرادة القوى الكبرى، وليس لاحتياجات الدول نفسها.

الإشكالية لم تعد في مبدأ التحالفات بحد ذاتها، بل في طبيعتها غير المتوازنة. التحالف الذي لا يضمن استقلال القرار، يتحوّل تدريجيا إلى أداة ضمن منظومة الهيمنة. ودول الخليج، بما تمتلكه من موارد وإمكانات وخبرات تنموية، لم تعد في موقع الباحث عن الحماية، بل في موقع القادر على إعادة صياغة مفهوم الأمن بما يتناسب مع مصالحه الحقيقية. الأمن لم يعد يُقاس بعدد القواعد العسكرية، بل بمدى القدرة على اتخاذ القرار.

العالم يتغيّر بوتيرة متسارعة، ولم يعد يسمح بالتمسك بصيغ تقليدية تجاوزها الزمن. الأحادية الأمريكية تشهد تراجعا واضحا، في مقابل تشكل نظام دولي متعدد الأقطاب. أدوات القوة نفسها لم تعد محصورة في الجيوش، بل امتدت لتشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحكم في سلاسل الإمداد العالمية. ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تتصرف بعقلية الهيمنة القديمة، متمسكة بأدوات أثبتت محدوديتها: الضغط، الاحتواء، وإدارة الأزمات بدل حلها.

هذه المقاربة لم تنتج استقرارا في أي ساحة طُبِّقت فيها، بل ساهمت في إعادة إنتاج الأزمات بصيغ مختلفة. التجارب السابقة في المنطقة وخارجها تقدم شواهد واضحة على ذلك. من هنا، يصبح التساؤل مشروعا: لماذا يُعاد الاعتماد على النموذج ذاته في الخليج، رغم وضوح نتائجه وتكاليفه؟

في المقابل، تبرز مقاربات مختلفة تقوم على الشراكة والتنمية وتبادل المصالح، بدلا من الصراع وإعادة إنتاج النفوذ التقليدي. هذه الرؤى ليست مثالية أو خالية من الحسابات، لكنها تعكس واقعا دوليا جديدا، لم يعد يقبل بسهولة بمنطق الهيمنة الأحادية أو الاصطفافات الجامدة.

في هذا السياق، تقف دول الخليج أمام لحظة مفصلية. إما الاستمرار كمساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، أو التحوّل إلى فاعل يمتلك قراره ويعيد تعريف موقعه في النظام الدولي. المسألة لا تتعلق بحياد سلبي، بل ببناء سياسة عدم انحياز ذكي، تقوم على موازنة المصالح، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم الاستقرار.

المطلوب ليس فك الارتباط مع القوى الكبرى، بل إعادة صياغة العلاقة معها. علاقة قائمة على الوضوح والندية، لا على الانخراط غير المشروط. أمن الخليج يجب أن يُعاد تعريفه كأولوية سيادية، لا كجزء من حسابات الهيمنة أو ساحة لتجريب الاستراتيجيات الدولية.

الرهان على معادلات انتهى زمنها لم يعد خيارا آمنا، بل مخاطرة تحمل كلفة استراتيجية عالية. وفي المقابل، فإن قراءة التحولات الدولية بوعي وجرأة قد تفتح نافذة مهمة لإعادة التموضع، بما يحفظ الاستقرار ويعزز المكتسبات التنموية التي تحققت خلال العقود الماضية.

الخلاصة تبدو أكثر وضوحا من أي وقت مضى: من لا يمتلك قراره، يجد نفسه ضمن حسابات الآخرين. ومن لا يحدد موقعه في النظام الدولي الجديد، سيُفرض عليه موقع لا يعكس مصالحه ولا طموحاته.

Author وائل خليل ياسين
رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية باحث واستشاري متخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال إفريقيا