الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الدبلوماسية السياحية.. كيف تؤسس الشراكة الجزائرية الصربية لنموذج تعاون مستدام؟

Author
هارون عمري 06 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تفرض التحولات الاقتصادية العالمية الراهنة إعادة تقييم شاملة لأدوار القطاعات الخدماتية في رسم ملامح العلاقات الدولية المعاصرة؛ فكيف يمكن تحويل الرصيد التاريخي المشترك بين الجزائر وصربيا والتقارب السياسي العريق إلى مؤشرات اقتصادية قابلة للقياس والنمو؟ وكيف تساهم الدبلوماسية السياحية في فتح قنوات تواصل جديدة تتجاوز الأطر البروتوكولية التقليدية نحو بناء شراكات استثمارية منتجة تعود بالنفع على الفاعلين في البلدين؟

ومع تزايد التنافسية الدولية على استقطاب الأسواق الناشئة وتنوع المقاصد، تبرز الاتفاقيات الثنائية كمسار حتمي لهندسة عروض سياحية متكاملة، تستجيب لتطلعات السائح المعاصر في البحث عن الأصالة، وتضمن تحقيق توازن إيجابي في المبادلات التجارية، وتضع أسساً متينة للتعاون المؤسساتي بعيد المدى القائم على المنفعة المتبادلة.

​سياق الشراكة.. تحويل الإرث الدبلوماسي إلى مرجعية استثمارية

​في خطوة تعكس التوجه الاستراتيجي نحو تفعيل الآليات الاقتصادية للعلاقات الثنائية، احتضن فندق الأوراسي بالعاصمة، مساء الثلاثاء الفارط، الموافق لـ31 مارس الفارط، لقاء رسميا رفيع المستوى جمع وزيرة السياحة والصناعة التقليدية، السيدة حورية مداحي، بنظيرها وزير السياحة والشباب الصربي، السيد حسين ميميتش.

وتندرج هذه المحطة المهمة ضمن فعاليات الزيارة الرسمية التي أجراها رئيس وزراء جمهورية صربيا، السيد جورو ماتسوت، إلى الجزائر بمعية وفد اقتصادي وازن.

يترجم هذا اللقاء إرادة مؤسساتية واضحة للارتقاء بالتنسيق الثنائي إلى مستويات أرحب، ويؤسس لمرحلة جديدة تستثمر في العمق التاريخي للعلاقات الجزائرية الصربية، الممتدة جذورها إلى حقبة الدعم المبدئي ليوغوسلافيا السابقة لثورة التحرير المجيدة، لتحويل هذا التوافق الوجداني والتاريخي إلى مشاريع سياحية وتنموية ملموسة تخدم المصالح المشتركة.

​”إكسبو بلغراد 2027″.. استكشاف الأسواق وبناء الصورة الذهنية الدولية

​يحتل محور الترقية السياحية مكانة مركزية في خطة العمل المشتركة بين الجزائر وبلغراد، مقدماً مقاربة عملية لاستكشاف أسواق أوروبا الشرقية ومنطقة البلقان الواعدة.

وتتأسس هذه المقاربة على ضرورة تكثيف الحضور الجزائري في المواعيد السياحية الكبرى، حيث يمثل التأكيد الرسمي للمشاركة الجزائرية في معرض “إكسبو بلغراد 2027” فرصة استراتيجية لتسويق الوجهة الجزائرية في فضاء دولي مفتوح.

تتيح هذه المنصة العالمية الكبرى تقديم عرض سياحي متكامل، يبرز التنوع البيئي والجغرافي الفريد للجزائر، ويسلط الضوء على الموروث الفني والصناعات التقليدية الأصيلة.

يساهم هذا التواجد المبرمج في تحديث الصورة الذهنية للجزائر لدى السائح الصربي والدولي، ويفتح المجال واسعا أمام وكالات السفر لتصميم مسارات استكشافية نوعية تلبي الطلب المتزايد على الوجهات التي تجمع بين سحر الطبيعة وعمق التاريخ.

التعاون السياحي الجزائري – الصربي… شراكة تاريخية تتجه نحو آفاق اقتصادية وثقافية أوسع

تعكس العلاقات الجزائرية – الصربية مسارا متجذرا تاريخيا يتجه اليوم نحو توسيع مجالات التعاون، خاصة في القطاع السياحي، في ظل حركية دبلوماسية تسعى إلى تحويل هذا التقارب إلى مشاريع ملموسة تعزز التبادل الثقافي والاقتصادي بين البلدين.

في هذا السياق، يؤكد الناشط السياحي، عبد العالي دبابش، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن العلاقات بين الجزائر وصربيا تمتد جذورها إلى فترة الثورة التحريرية، حين دعمت يوغوسلافيا حق الجزائر في السيادة والاستقلال، وهو النهج الذي تواصل صربيا السير عليه اليوم من خلال تعاون متعدد المجالات، لاسيما الاقتصادية والتعليمية والثقافية، إلى جانب القطاع السياحي الذي يشهد تطورا تدريجيا.

وأوضح أن هذه العلاقات، وإن كانت راسخة تاريخيا، فإنها تعرف امتدادات متنامية، حيث ينتقل مسار التعاون من مراحل محدودة إلى آفاق أوسع، وهو ما تعكسه الجهود التي تبذلها وزارة السياحة الجزائرية، خاصة خلال زيارة الوفد الصربي أواخر شهر مارس من السنة الجارية.

عبد العالي دبابشة

وأشار إلى أن الدبلوماسية الجزائرية تضطلع بدور محوري في تعزيز هذه الشراكة، من خلال تثمين المقومات السياحية المتنوعة التي تزخر بها الجزائر، على غرار السياحة الريفية، والصحراوية، والبيئية، إضافة إلى السياحة الشبابية، بما تحمله من إمكانات اقتصادية واعدة.

كما لفت إلى أن وزارة السياحة والشباب في صربيا تولي أهمية خاصة للتعريف بالمقومات السياحية الجزائرية، في إطار تنسيق متواصل بين مسؤولي القطاع في البلدين، مرجحا أن يتوج هذا المسار بتنظيم معرض دولي جزائري – صربي خلال سنة 2027، مخصص للتعريف بالموروث السياحي والثقافي الجزائري.

وختم بأن هذه المبادرة من شأنها تعزيز وتيرة التعاون الثنائي، وترسيخ مكانة الجزائر كوجهة سياحية مفضلة لدى السياح الأجانب عموما، والصرب خصوصا، مع فتح آفاق جديدة أمام السياح الجزائريين لاكتشاف صربيا.

​عصرنة الخدمات.. أولوية التكوين الفندقي وحتمية الانتقال الرقمي

​يبرز مسار تبادل الخبرات كجانب أساسي في هندسة الخدمات السياحية المعاصرة، مسلطا الضوء على حتمية تطوير الموارد البشرية وتحديث أساليب التسيير الفندقي وفق المعايير العالمية.

ويمثل التكوين السياحي المتخصص حجر الزاوية في هذه الشراكة، بهدف ضمان توافق جودة العرض المحلي مع تطلعات الوافدين الدوليين وتوفير تجربة إقامة احترافية. يترافق هذا الجهد التكويني مع التوجه المتسارع نحو رقمنة القطاع السياحي، لتسهيل تدفق المعلومات وإدارة الحجوزات والخدمات عبر المنصات الإلكترونية بمرونة وعالية.

كما يؤكد هذا المسار المشترك على الدور المحوري للتكنولوجيا في صناعة السياحة الحديثة، ويضمن تكييف المقاصد المحلية مع السلوكيات الاستهلاكية الجديدة للسياح الذين يعتمدون بشكل كلي على الحلول الرقمية في تخطيط رحلاتهم وتقييم تجاربهم الميدانية.

​السياحة البديلة.. هندسة التنمية المستدامة وحماية الأصول البيئية

​في انتقال واعٍ من مفهوم السياحة الجماهيرية النمطية إلى النماذج البديلة والأكثر تخصصا، ركزت المباحثات الثنائية بين الوزيرين على تطوير أنماط السياحة الخضراء، السياحة الريفية، والسياحة الثقافية ذات الطابع الأصيل.

تمثل هذه الأنماط خيارا اقتصاديا وبيئيا ذكيا يهدف إلى توزيع العائدات السياحية على المناطق الداخلية والمجتمعات المحلية، ويحمي الثروات الطبيعية من التداعيات السلبية للتوافد البشري المكثف والغير منظم.

يشير هذا التوجه المشترك إلى رؤية بعيدة المدى تهدف إلى الحفاظ على الأصالة المعمارية والبيئية للمقاصد في كلا البلدين، ويقدم دليلا ملموسا على تبني مبادئ التنمية المستدامة في التخطيط السياحي، ما يشجع السائح على الانغماس في الثقافة المحلية واختبار تجارب إنسانية حقيقية تعزز من جاذبية الوجهة وتضمن ديمومة مواردها.

​البنية التحتية واللوجستيك.. النقل الجوي المباشر كشريان للحركية السياحية

​تكتمل الصورة العملية لهذا المسعى الدبلوماسي من خلال التطرق إلى الآليات اللوجستية الضرورية لنجاح الشراكة، وعلى رأسها دراسة تفعيل خطوط النقل الجوي المباشر بين الجزائر وبلغراد.

يجسد هذا الربط الجوي الأداة الفعلية والقاعدة الصلبة القادرة على ترجمة بروتوكولات الاتفاق إلى حركية سياحية وتجارية نشطة ومستمرة. يعكس السعي لفتح خطوط طيران مباشرة استجابة دقيقة لمتطلبات السوق السياحي، كونه يساهم في تقليص المسافات الزمنية والمادية أمام السياح والمستثمرين على حد سواء.

ويمثل هذا المسار اللوجستي الضمانة الأساسية لزيادة تدفق الوافدين، ويحفز الفاعلين في القطاع الخاص، من وكالات سياحية ومنظمي رحلات، على تصميم برامج تنافسية تشجع السياح الصرب على اكتشاف المقومات السياحية الجزائرية في ظروف تنقل مريحة ومحفزة.

الترويج السياحي الجزائري في صربيا… من الذاكرة إلى اقتصاد التجربة

في هذا السياق، يؤكد المفتش في الفندقة والناشط السياحي، حرابي صاليح، في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، أن استثمار العلاقات الجزائرية -الصربية في المجال السياحي يقتضي الانتقال من الطابع الرمزي إلى بناء منتجات سياحية قابلة للتسويق، تعتمد على التجربة المباشرة للسائح.

وأوضح أن تظاهرة إكسبو بلغراد 2027 تمثل منصة عملية لتموقع الجزائر سياحيا، من خلال تقديم عروض قائمة على “سياحة التجربة”، تجمع بين الثقافة المحلية والطبيعة، عبر مسارات مهيكلة تشمل السياحة الصحراوية، الجبلية وسياحة المغامرة.

حرابي صاليح

وأشار إلى أهمية رقمنة الترويج السياحي، بالاعتماد على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، لإبراز ما سماه “الجزائر العميقة” كوجهة أصيلة وآمنة وغير مكتشفة، بما يتماشى مع توجهات السوق السياحي الدولي.

كما أبرز أن توظيف الذاكرة المشتركة بين الجزائر وصربيا يمكن أن يتحول إلى أداة تسويقية فعالة، من خلال بناء محتوى سياحي يستثمر في البعد العاطفي (Nostalgia)، ويحوّل العلاقات التاريخية إلى محفّز لاكتشاف الوجهة الجزائرية.

​ بروتوكول الاتفاق كمرجع قانوني لبناء الشراكات المنتج

​تشكل هذه المباحثات المعمقة، التي توجت بالتوقيع الرسمي على “بروتوكول الاتفاق في مجال السياحة” بقصر الحكومة تحت إشراف الوزير الأول ونظيره الصربي، رؤية اقتصادية شاملة تسعى لاستعادة المبادرة في قطاع السياحة.

إن الانتقال بهذه العلاقات من طابعها الودي التقليدي إلى صلب التوثيق القانوني والشراكة الاستثمارية يمنح القطاعين العام والخاص إطارا واضحا للعمل المشترك وتوسيع مجالات الاستثمار السياحي.

تؤكد هذه الخطوات المؤسساتية المتلاحقة أن حماية وتطوير القطاع السياحي يمثل استثمارا استراتيجيا في بناء اقتصاد مستدام، ويوفر مرجعية معرفية وعملية قادرة على خلق الثروة، وتوفير مناصب الشغل، وتقديم الجزائر كوجهة دولية رائدة تمتلك كافة مقومات التفرد والجاذبية في سوق السياحة العالمية.

 

رابط دائم
https://elayem.news/5g83q
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"