الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
غير مصنف

الدراجة الهوائية.. قصة وسيلة النقل الأقل تكلفة

Author
ابتسام مباركي 19 سبتمبر 2023
X Facebook TikTok Instagram

قد يكون من الصعب ـ على بعض الناس ـ الاستغناء عن السيارة تماماً، خاصة عند التنقل لمسافات كبيرة، لكن هناك من يفضّل استخدام الدراجة الهوائية كبديل للسيارة في تنقلاته اليومية لتكون خياراً أفضل، على اعتبار أن الدراجات الهوائية تساعد ـ خلال أعمال الحياة اليومية ـ على التخفيف من وطأة الاختناقات المرورية التي تقيّد حركة المواطن أثناء تنقله من بيته إلى مكان عمله أو حيثما تكون وجهته، كما أنها وسيلة نقل غير مكلفة، وزيادة على ذلك يُمثّل ركوب الدراجات أحد أكثر الرياضات الصحية أهمية.

وتعدّ الدراجات الهوائية جزءاً من الحياة اليومية لعدد كبير من سكان العالم، فهولندا ـ مثلاً ـ أكثر بلد يستخدم فيه الناس الدراجات الهوائية، بينما تمتلك مدينة مالمو السويدية وحدها أكثر من 510 كلم من المسارات المخصصة للدراجات، أما في الدول الشرق آسيوية فإن الدراجة وسيلتهم الوحيدة للتخلص من الزحام الخانق، وفي هذا السياق يتناول عدد اليوم من “الأيام نيوز”، كل ما يتعلق بالشخص الذي وقف وراء قصة اختراع الدراجات الهوائية، وكذا بمراحل تطوّرها حتى أصبحت بالشكل الذي نعرفها به اليوم.

جهاز بـ4 عجلات!

قد تعتقد أن اختراعاً بسيطاً مثل الدرّاجة سيكون له ماضٍ غير معقد، ولكن كما اتضح فإن هذا الاختراع المشهور له تاريخ حافل بالجدل والمعلومات ذات المصادر المشتتة، ففي حين أن القصص حول من اخترع الدرّاجة غالباً ما يتناقض بعضها مع بعض، هناك شيء واحد مؤكد وهو أن الدراجات الأولى لم تكن مثل تلك التي تراها تنطلق في الشارع اليوم.

لم يُعرَف بدقة من قام باختراع الدراجة وعلى الرغم من أن الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي كان له الفضل في رسم أداة تشبه الدراجة في عام 1492، إلاّ أنه تم اكتشاف أن الرسم مزوّر وتمت إضافته إلى مخطوطة أتلانتيكس في الستينيات، حسب موقع “توينكل”.

ووفقاً لما ذكره موقع Live Science الأمريكي، فقد تم إنجاز أول دراجة هوائية ـ تعمل بالعجلات بالطاقة البشرية ـ قبل تصبح ـ بوقت طويل ـ الدرّاجة من وسائل النقل، ففي عام 1418، قام المهندس الإيطالي جيوفاني فونتانا (أو دي لا فونتانا) ببناء جهاز يعمل بالطاقة البشرية يتكون من 4 عجلات وحلقة حبل متصلة بواسطة التروس، وفقاً لما ذكره موقع الصندوق الدولي للدراجاتIBF.

وفي عام 1813، أي بعد حوالي 400 عام من قيام فونتانا ببناء جهازه ذي العجلات، بدأ الأرستقراطي الألماني والمخترع كارل درايس العمل على نسخته الخاصة من سيارة آلة الجري التي أطلق عليها اسم “Laufmaschine”، وهي مركبة بـ4 عجلات تعمل بالطاقة البشرية.

ثم في عام 1817، ظهر درايس لأول مرة بمركبة ذات عجلتين، معروفة بأسماء عديدة في جميع أنحاء أوروبا، أما سبب بناء درايس ماكينته فكان استجابة لمشكلة خطيرة للغاية كانت تهدد العالم في ذلك الوقت، وهي ندرة الخيول الحقيقية، فكيف ذلك؟

اختراع جاء بفضل انفجار بركان

في عام 1815، أدى انفجار بركان جبل تامبورا الإندونيسي الذي كان واحداً من أقوى الثورات البركانية في التاريخ المسجل، إلى تغيير كبير في المناخ العالمي، كما أدت سحابة الرماد المنتشرة حول العالم إلى خفض درجات الحرارة العالمية.

ووفقاً لما ذكرته مجلة Smithsonian الأمريكية، فقد تسبب البركان بتلف المحاصيل الزراعية، وموت الكثير من الحيوانات وأبرزها الخيول التي ماتت جوعاً، وهو السبب الذي دفع العالم الألماني درايس لاختراع الدراجات الهوائية ليتم استخدامها بالتنقل بدلاً من الخيول.

ومع ذلك، كانت الدراجات التي اخترعها درايس بعيدة كل البعد عن آلات السرعة الديناميكية الهوائية التي أصبحت عليها دراجات اليوم، إذ زن دراجة درايس نحو 23 كيلوغراماً، لها عجلتان مصنوعتان من الخشب ومتصلتان بإطار خشبي، وضع عليها سرج جلدي للجلوس عليه، فيما لم يكن للدراجة تروس ولا دواسات، حيث كان الراكبون يدفعون الجهاز للأمام بأقدامهم.

بعد ذلك أخذ درايس اختراعه إلى فرنسا وإنكلترا، حيث أصبحت شائعة هناك، لاسيما بعد أن قام صانع دراجات بريطاني يُدعى دينيس جونسون بتسويق نسخته الخاصة للأرستقراطيين في لندن الباحثين عن المتعة، لكن فيما بعد تم حظرها لأنها كانت تسبب خطراً على المشاة، حسب “عربي بوست”.

فكرة الفرنسي بيير لالمان

في أوائل ستينيات القرن الـ19 عادت الدراجات إلى الشوارع بإدخال تطوير على صنعها من خلال أداة خشبية مع عجلتين فولاذيتين ودواسات ونظام تروس ثابت، أما عن الشخص صاحب فكرة إدخال نظام التروس والدواسات فهو لا يزال غامضاً بعض الشيء، لكن ثمة من يقول إنه رجل ألماني يُدعى كارل كيش.

في عام 1862 بينما كان بيير لالمان يعمل في بناء عربات الأطفال في مدينة نانسي الفرنسية، رأى شخصاً يركب دراجة خشبية يدفعها بقدميه من أجل المشي فيها، وهنا دارت بباله فكرة: “لماذا لا تتحرك هذه الدراجة عن طريق دواسات ترتبط بالعجلة؟”.

انتقل لالمان إلى باريس عام 1863 وعقد شراكة مع الأخوين أوليفييه، وهما ابنان لرجل صناعي باريسي ثري، واللذان وجَدَا أن اختراع لالمان له إمكانات تجارية عالية ومربحة، فقرروا جميعاً أن ينشئوا عجلة خاصة بهم.

معدن أقوى وأخف من الخشب

إضافة إلى لالمان والأخوين أوليفييه تمت الاستعانة بشخص يدعى بيير ميشو، وهو حداد وصانع عربات، وجورج دي لا بوغليز صديق لالمان، وبدأوا جميعاً بإنتاج الدراجات الحديثة.

ويُظهر رسم براءة اختراع الدراجة الهوائية التي اخترعها لالمان أنها تشبه كثيراً دراجة البريطاني دينيس جونسون، لكن الاختلافات الوحيدة بينهما هي أن درّاجة لالمان كانت تحوي دواسات وسواعد وشريطاً رفيعاً من الحديد فوق الإطار يعمل بمثابة زنبرك ثبت فوقه السرج لتوفير قيادة أكثر راحة.

وبحلول عام 1870، سئم راكبو الدراجات من تصميم لالمان، لاسيما أن المصنعين بدأوا بإنتاج تصميمات جديدة، وفي عام 1870 أيضاً، تقدم علم المعادن بدرجة كافية بحيث يمكن تصنيع إطارات الدراجات من المعدن، الذي كان أقوى وأخف من الخشب.

تطوير الإطارات

مُنحت أول براءة اختراع للعجلات المطاطية إلى المهندس الفرنسي كليمان آدر في عام 1868، عندما كان يحاول تخفيف وزن الدراجة الهوائية من خلال العجلات الخشبية داخل المطاط بدلاً من الحديد.

فيما بعد صنع المخترع الأسكتلندي جون بويددنلوب أول إطار هوائي عملي في عام 1887 لدراجة ابنه، في محاولة لمنع الصداع الذي أصيب به ابنه أثناء الركوب على الطرق الوعرة، ولهذا يُنسب إلى دنلوب اختراع العجلات المطاطية المليئة بالهواء، هو ما دفعه إلى إنشاء شركة خاصة متخصصة بصنع العجلات في عام 1889، وبحلول عام 1890، بدأت شركته في إضافة طبقة قماشية صلبة إلى المطاط لتقليل الثقوب.

أخيرًا، تم تقديم الإطار القابل للفصل بين المطاط والهواء في عام 1891 بواسطة إدوار ميشلان، عندما تم تثبيت الهواء بواسطة أنبوب مطاطي دائري يثبت على حافة الإطار المطاطي بمشابك، بدلاً من الغراء، ويمكن إزالته لاستبدال أو تصحيح الأنبوب الداخلي المنفصل.

الدراجات تغزو العالم

كانت الدراجات الهوائية مجرد هواية باهظة الثمن، لكن الإنتاج الضخم جعل الدراجة استثماراً عملياً للرجل العامل الذي بات بإمكانه ركوبها والذهاب إلى عمله والعودة إلى منزله.

وازدهرت أعداد الدراجات الهوائية في العام من حوالي مليون دراجة هوائية في عام 1899، إلى نحو مليار في وقتنا الحالي، في حين يقدر موقع تاريخ الدراجات أن هناك نحو 100مليون دراجة هوائية تصنع سنوياً في العالم كل عام، حسب “عربي بوست”.

فوائد صحية بدنية ونفسية

أظهرت دراسة أوروبية أن ركوب الدراجة الهوائية يومياً، سواء للمتعة أو كوسيلة للتنقل، يساعد في خسارة الوزن، فضلاً عن الفوائد الأخرى المتعددة للصحة الجسدية والنفسية، ومساهمتها في الحفاظ على البيئة.

ووجدت دراسة “عادات السفر” في سبع مدن أوروبية أن الأشخاص الذين يركبون دراجاتهم الهوائية يومياً يتمتعون بمؤشر كتلة جسم (BMI) أدنى، مقارنة مستخدمي وسائل النقل الأخرى، وقد أجريت الدراسة كجزء من مشروع النشاط البدني من خلال وسائل النقل المستدامة (PASTA)، الذي تموله المفوضية الأوروبية.

الدراسة ركزت على مدن: فيينا بالنمسا، وزيوريخ بسويسرا، وأنتويرب ببلجيكا، وبرشلونة بإسبانيا، وأوربرو بالسويد، وروما بإيطاليا، وحي نيوهام في العاصمة البريطانية لندن، وجاء من ضمن نتائجها أن الأشخاص الذين يركبون الدراجة الكهربائية يكون مؤشر كتلة الجسم لديهم أعلى من أولئك الذين يركبون الدراجات الهوائية التقليدية، مما يشير إلى أن ركوب الدراجة الهوائية يؤدي إلى خسارة الوزن.

تشجيع استخدام الدراجات الهوائية

دعا واضعو الدراسة، التي قادها باحثون في جامعة هاسلت ببلجيكا، الحكومات إلى جعل المدن أكثر ملاءمة لركوب الدراجات الهوائية، مشيرين إلى أنه بالإضافة إلى المساعدة في مكافحة البدانة، من شأنها أيضاً الحد من تلوث الهواء. بحسب ما نشره موقع (ذا ديلي سبين).

كما أظهرت الدراسة، التي حللت عادات أكثر من ألفي شخص في المدن التي شملها الاستطلاع، أن الرجال الذين تحولوا من استخدام السيارات إلى الدراجات الهوائية للسفر اليومي خسروا ما معدله 0.75 كيلوغراماً في الوزن مع انخفاض مؤشر كتلة الجسم لديهم بمقدار 0.24، في حين كانت النتائج بين النساء المستجيبات أقل.

ومن ناحية أخرى شدد معدو الدراسة على أهمية تشجيع استخدام الدراجات الهوائية لأهميتها للبيئة والصحة على حد سواء، حيث أظهرت النتائج أيضاً أن الأشخاص الذين كانوا يستخدمون دراجاتهم الهوائية بين حين وآخر فقط (وليس بشكل منتظم) استطاعوا المحافظة على أوزانهم حسب موقع “DW” الألماني.